ثانيا: الأسباب الموجبة للحجر لمصلحة الغير

الإسلام > المعاملات المالية > الأسباب الموجبة للحجر > ثانيا: الأسباب الموجبة للحجر لمصلحة الغير

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

ثانيا: الأسباب الموجبة للحجر لمصلحة الغير - الأقوال والأدلة

ثانيًا: الأسبابُ المُوجِبةُ لِلحَجرِ لِمَصلَحةِ الغَيرِ:

١ - الحَجْرُ على المَدينِ المُفلِسِ:

المُفلِسُ هو: مَنْ لا مالَ له، ولا ما يَدفَعُ به حاجَتَه.

وعندَ الفُقهاءِ هو: مَنْ دَيْنُه أكثَرُ مِنْ مالِه، وخَرْجُه أكثَرُ مِنْ دَخْلِه، أو هو اسمٌ لِمَنْ عليه دُيونٌ لا يَفي مالُه بها.

ويَجوزُ أنْ يَكونَ سُمِّيَ بذلك لِما يَؤولُ إليه مِنْ عَدَمِ مالِه بعدَ وَفاءِ دَينِه؛ لأنَّ مالَه مُستحَقُّ الصَّرفِ في جِهةِ دَيْنِه، فكأنَّه مَعدومٌ، ويَجوزُ أنْ يَكونَ سُمِّيَ بذلك لأنَّه يُمنَعُ مِنَ التَّصرُّفِ في مالِه إلا الشَّيءَ التافِهَ.

حُكمُ الحَجْرِ على المُفلِسِ:

اختَلَف الفُقهاءُ في الحَجْرِ على المُفلِسِ فيما إذا كان عليه دُيونٌ أكثَرُ مِنَ المالِ الذي يَمتَلِكُه، هل يُحجَرُ عليه إذا طَلَب غُرماؤُه ذلك أم لا؟

فقال الإمامُ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه: لا يُحجَرُ على المَدينِ المُفلِسِ بسَبَبِ الدَّينِ، فإذا لَم يُحجَرْ عليه جازَ تَصرُّفُه وإقرارُه؛ لأنَّه بالِغٌ عاقِلٌ.

وإذا وَجَبتِ الدُّيونُ على رَجُلٍ وطَلَبَ غُرَماؤُه حَبْسَه والحَجْرَ عليه لَم أحجُرْ عليه، وإنْ كان له مالٌ لَم يَتصرَّفْ فيه الحاكِمُ في حالِ حياةِ المَدينِ، أمَّا إذا ماتَ وعليه دُيونٌ قد ثَبَتتْ عندَ القاضي بالبَيِّنةِ، أو بإقرارِه، فإنَّ القاضيَ يَبيعُ جَميعَ أموالِه مَنقولةً كانتْ أو عَقارًا، ويَقضي بها دُيونَه، ويَكونُ عُهدةُ ما باعَ على الغُرماءِ دونَ القاضي وأمينِه، وكذا إذا باعَ القاضي التَّرِكةَ

لِأجْلِ المُوصى له، تَكونُ العُهدةُ عليه دونَ القاضي، أو باعَ لِأجْلِ الصَّغيرِ تُجعَلُ العُهدةُ على الصَّغيرِ وكذا أمينُ القاضي.

ولكنْ يَحبِسُه أبدًا حتى يَبيعَه في دَينِه إيفاءً لِحَقِّ الغُرَماءِ، ودَفعًا لِظُلمِه، ويَبيعُ العُروضَ ثم العَقارَ.

فإنْ كان دَينُه دَراهِمَ وله دَراهِمُ قَضاها القاضي بغَيرِ أمْرِه، وهذا بالإجماعِ؛ لأنَّ مَنْ له الدَّينُ إذا وَجَدَ جِنسَ حَقِّه جازَ له أخْذُه بغَيرِ رِضاه، فدَفْعُ القاضي أوْلَى.

وإنْ كان دَينُه دَراهِمَ وله دَنانيرُ، أو على ضِدِّ ذلك باعَها القاضي في دَينِه استِحسانًا؛ لأنَّ الدَّراهِمَ والدَّنانيرَ قد أُجريتْ في بَعضِ الأحكامِ مَجرى الجِنسِ الواحِدِ، والقياسُ ألَّا يَبيعَه، كما في العُروضِ، ولِهذا لَم يَكُنْ لِصاحِبِ الدَّينِ أنْ يأخُذَه جَبرًا.

وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ والصاحِبانِ مِنَ الحَنفيَّةِ أبو يُوسُفَ ومحمدٌ -والفَتوى على قَولِهما- إلى أنَّ المُفلِسَ يُحجَرُ عليه إذا طلَب الغُرَماءُ ذلك، وقد أحاطَتْ به الدُّيونُ، وأنَّ هذا مُستحَقٌّ على الحاكِمِ وله مَنعُه مِنَ التَّصرُّفِ حتى لا يَضُرَّ بالغُرَماءِ، وله أنْ يَبيعَ أموالَه إذا امتَنَع المُفلِسُ عن بَيعِها ويُقسِّمَها بينَ غُرَمائِه بالحِصَصِ على قَدْرِ دُيونِهم؛ لِحَديثِ كَعبِ بنِ مالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ حَجَرَ عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مَالَهُ وَبَاعَهُ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ (١).

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الطبراني في «الأوسط» (١/ ١٤٦)، والبيهقي في «الكبرى» (١١٠٤١)، والدارقطني (٥٢٣)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٦٧).

وعن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ قال: أُصِيبَ رَجُلٌ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ في ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ»، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِغُرَمَائِهِ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ» (١)، وفي إذْنِه لَهم بأخْذِ مالِه مَنعٌ مِنَ التَّصرُّفِ فيه (٢).

إلا أنَّ جُمهورَ الفُقهاءِ الذين قالوا بالحَجرِ على المُفلِسِ اختَلَفوا في بَعضِ التَّفاصيلِ، منها:

هل يُحجَرُ عليه إنْ كان دَينُه مُساوِيًا لِلمالِ الذي معه أم لا؟

وكذا: هل يَحجُرُ عليه الحاكِمُ أم الغُرماءُ؟

(١) رواه مسلم (١٥٥٦).
(٢) يُنظر: «الجوهرة النيرة» (٣/ ٢٥٨، ٢٦٩)، و «الاختيار» (٢/ ١١٨، ١١٩)، و «اللباب» (١/ ٤٤٨، ٤٥٢)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٤١١، ٤١٢)، و «العناية شرح الهداية» (١٣/ ٢٣٠، ٢٣٨)، و «تحبير المختصر» (٤/ ١٢١، ١٣٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٤/ ٤٢٤، ٤٤٣)، و «التبصرة» (١٠/ ٥٥٤٣)، وما بعدها، و «مواهب الجليل» (٦/ ٤٤٨، ٤٦٨)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٣٧، ٦٣)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٢٦٣)، وما بعدها، و «بلغة السالك مع الشرح الصغير» (٣/ ٢١٧، ٢٢٨)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٣٣٩)، وما بعدها، و «البيان» (٦/ ١٣١)، وما بعدها، و «مغني المحتاج» (٣/ ٧٨، ١٠٢)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٣٥٥)، وما بعدها، و «النجم الوهاج» (٤/ ٣٥٣)، وما بعدها، و «الديباج» (٢/ ٢١٠)، وما بعدها، و «الإفصاح» (١/ ٤٢٠، ٤٢٢)، و «المغني» (٤/ ٢٦٥)، وما بعدها، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٤٣٩)، وما بعدها، و «كشاف القناع» (٣/ ٤٩٤)، وما بعدها.

وكذا حَبسُه إنْ كان مُعسِرًا، وما القَدْرُ الذي يُترَكُ له لِيُنفِقَ منه على نَفْسِه ومَن يَمُونُه؟

وما الأشياءُ التي تُباعُ في الدَّينِ؟

وغَيرُها مِنَ المَسائِلِ، وأنا أذكُرُ هنا كلَّ مَذهبٍ على حِدَةٍ بالتَّفصيلِ.

قال الصاحِبانِ أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ -والفَتوى على قَولِهما عندَ الحَنفيَّةِ-: إذا طلَب غُرماءُ المُفلِسِ الحَجْرَ عليه حَجَرَ القاضي عليه ومَنَعه مِنَ التَّصرُّفِ والبَيعِ والإقرارِ، حتى لا يَضُرَّ بالغُرَماءِ، يَعني: إذا كان بأقَلَّ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ، أمَّا بثَمَنِ المِثلِ فلا يَمنَعُه.

وباعَ مالَه إنِ امتَنَع مِنْ بَيعِه، ويَبيعُ في الدَّينِ العُروضَ أوَّلًا، ثم العَقارَ، ويَترُكُ عليه دُسَتًا مِنْ ثِيابِ بَدَنِه ويُباعُ البَقيَّةُ.

وكذا إذا كان له مَسكَنٌ ويُمكِنُ أنْ يَجتَزِئَ بدون ذلك، فإنَّه يَبيعُ ذلك المَسكَنَ ويَصرِفُ بَعضَ ثَمَنِه إلى قَضاءِ الدَّينِ، ويَشتَري بالبَقيَّةِ مَسكَنًا يَبيتُ فيه، وقَسَّمَه بينَ غُرَمائِه بالحِصَصِ على قَدْرِ دُيونِهم.

فإنْ أقَرَّ في حالِ الحَجْرِ بإقرارٍ لَزِمَه ذلك بعدَ قَضاءِ الدَّينِ؛ لأنَّه قد تَعلَّقَ بهذا المالِ حَقُّ الأوَّلينَ، فلا يَتمَكَّنُ مِنْ إبطالِ حَقِّهم بالإقرارِ لِغَيرِهم، بخِلافِ الاستِهلاكِ؛ لأنَّه مُشاهَدٌ لا مَرَدَّ له، وإنِ استَفادَ مالًا بعدَ الحَجْرِ نَفَذَ إقرارُه فيه؛ لأنَّ حَقَّهم لَم يَتعلَّقْ به.

ويُنفَقُ على المُفلِسِ المَحجورِ عليه مِنْ مالِه، وعلى زَوجَتِه وأولادِه الصِّغارِ وذوي أرحامِه ممَّن يَجبُ نَفَقتُه عليه؛ لأنَّ حاجَتَه الأصليَّةَ مُقدَّمةٌ

على حَقِّ الغُرَماءِ؛ ولأنَّه حَقٌّ ثابِتٌ لِغَيرِه، فلا يُبطِلُه الحَجْرُ، ولِهذا لو تَزوَّجَ امرأةً كانت في مِقدارِ مَهرِ مِثلِها أُسوةً لِلغُرَماءِ.

فإنْ لَم يُعرَفْ لِلمُفلِسِ مالٌ وطَلَب غُرَماؤُه حَبْسَه، وهو يَقولُ: لا مالَ لي، حَبَسَه الحاكِمُ في كلِّ دَينٍ التَزَمَه، بَدَلًا مِنْ مالٍ حَصَل في يَدِه كثَمَنِ المَبيعِ، وبَدَلِ القَرضِ، وفي كلِّ دَينٍ التَزَمه بعَقدٍ، كالكَفالةِ والمَهرِ المُعجَّلِ دونَ المُؤجَّلِ، فإنَّ القَولَ في المُؤجَّلِ قَولُه بالإجماعِ.

أمَّا إذا كان الدَّينُ بَدَلًا مِنْ مالٍ حَصَل في يَدِه لَم يُصدَّقْ على الإعسارِ؛ لأنَّا قد عَرَفنا غِناه به، فدَعواه الإعسارَ دَعوى زَوالِ ما في يَدِه، وهو مَعنًى حادِثٌ، فلا يَصدُقُ، وكذا إذا كان التَزَمَه بعَقدٍ، كالمَهرِ المُعجَّلِ، لا يُصدَّقُ في دَعوى الإعسارِ فيه؛ لأنَّه قد يُريدُ بدَعواه أنْ يَسقُطَ ما التَزَمه فلا يُقبَلُ.

وما سِوى ذلك فالقَولُ قَولُه في الإعسارِ؛ لأنَّ الأصلَ الفَقرُ.

ولم يَحبِسْه فيما سِوى ذلك، كعِوَضِ المَغصوبِ وأرشِ الجِناياتِ، إذا قال: أنا فَقيرٌ؛ لأنَّ الأصلَ الفَقرُ، فمَنِ ادَّعى الغِنى يَدَّعي مَعنًى حادِثًا، فلا يُقبَلُ إلا ببَيِّنةٍ، إلا أنْ يُقيمَ غَريمُه بَيِّنةً أنَّ له مالًا، فحينَئذٍ يَحبِسُه؛ لأنَّ البَيِّنةَ أوْلَى مِنْ دَعواه الفَقرَ.

ثم المَحبوسُ في الدَّينِ لا يَخرُجُ لِمَجيءِ شَهرِ رَمَضانَ ولا لِلعِيدَيْنِ ولا لِلجُمُعةِ ولا لِصَلاةٍ مَكتوبةٍ ولا لِحَجَّةِ فَريضةٍ ولا لِحُضورِ جِنازةِ بَعضِ أهلِه، ولو أعطى كَفيلًا بنَفْسِه، وعن مُحمدٍ: إذا ماتَ له والِدٌ أو وَلَدٌ لا يَخرُجُ إلا ألَّا يُوجَدَ مَنْ يُغسِّلُه ويُكفِّنُه، فيَخرُجُ حينَئذٍ، وأمَّا إذا كان هناك مَنْ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
فصل في بيان ما يرفع حكم البيع

الْإِجَازَةِ وَالرَّدِّ مِنْ الْمَالِكِ فَيَتَوَقَّفُ فِي الْجَوَابِ فِي الْحَالِ لَا أَنْ يَكُونَ التَّوَقُّفُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ تَصَرُّفَاتِ الْفُضُولِيِّ مَا يَبْطُلُ مِنْهَا وَمَا يُتَوَقَّفُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي بَيَانُ مَا يَرْفَعُ حُكْمَ الْبَيْعِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَرْفَعُ حُكْمَ الْبَيْعِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ:

حُكْمُ الْبَيْعِ نَوْعَانِ، نَوْعٌ يَرْتَفِعُ بِالْفَسْخِ وَهُوَ الَّذِي يَقُومُ بِرَفْعِهِ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ وَهُوَ حُكْمُ كُلِّ بَيْعٍ غَيْرِ لَازِمٍ كَالْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ أَحَدُ الْخِيَارَاتِ الْأَرْبَعِ وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ.

وَنَوْعٌ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِإِقَالَةٍ وَهُوَ حُكْمُ كُلِّ بَيْعٍ لَازِمٍ وَهُوَ الْبَيْعُ الصَّحِيحُ الْخَالَيْ عَنْ الْخِيَارِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 467 - 471

ارجع إلى الأسباب الموجبة للحجر للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد