الإسلام > المعاملات المالية > الأسباب الموجبة للحجر > ضمان الصغير ما أفسده
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةوإنْ كانت تَصرُّفاتُه بغَيرِ مُعاوَضةٍ -كهِبةٍ وصَدَقةٍ وعِتقٍ- تَعيَّنَ على الوَليِّ رَدُّه؛ لِإتْلافِه لِمالِه.
وكذلك يَتعيَّنُ على الوَليِّ رَدُّ إقرارِ المَحجورِ عليه بدَيْنٍ أو إتلافٍ لِمالٍ.
ويَجوزُ لِلمُميِّزِ الراشِدِ رَدُّ تَصرُّفِ نَفْسِه قبلَ رُشدِه إنْ رَشَدَ حيث تَرَكَه وَليُّه؛ لِعَدَمِ عِلْمِه بتَصرُّفِه، أو لِسَهوِه أو لِلإعراضِ عن ذلك لِغَيرِ مَصلَحةٍ، أو لَم يَكُنْ له وَليٌّ.
وسَواءٌ كان تَصرُّفُه بما يَجوزُ لِلوَليِّ رَدُّه -كالمُعاوَضةِ- أو بما يَجبُ عليه رَدُّه، كالعِتقِ والهِبةِ.
ولو حَنَثَ بعدَ رُشدِه، كما لو حَلَف حال صِغَرِه أنَّه إنْ فَعَل كذا فزَوجَتُه طالِقٌ أو عَبدُه حُرٌّ ففَعَله بعدَ رُشدِه فله رَدُّه، فلا يَلزَمُه طَلاقٌ ولا عِتقٌ، وله إمضاؤُه؛ نَظَرًا لِوُقوعِ السَّبَبِ في حالةِ عَدَمِ الاعتِبارِ؛ إذِ الصَّبيُّ لا تَنعقِدُ عليه يَمينٌ؛ لأنَّ الوازِعَ الدِّينيَّ مَنفيٌّ … ولِرَفعِ القَلَمِ عنه.
وكذا لو وَقَع تَصرُّفُه حالَ صِباهُ صَوابًا فلَه رَدُّه بعدَ رُشدِه وإمضاؤُه حيثُ تَرَكَه وَليُّه.
ضَمانُ الصَّغيرِ ما أفسَدَه:
ويَضمَنُ الصَّبيُّ -ولو غيرَ مُمَيِّزٍ- ما أفسَدَه مِنْ مالِ غَيرِه في الذِّمَّةِ، فتُؤخَذُ قيمةُ ما أفسَدَه مِنْ مالِه الحاضِرِ إنْ كان، وإلا اتُّبِعَ بها في ذِمَّتِه إلى وُجودِ مالٍ إنْ لَم يُؤمَنِ الصَّبيُّ على ما أتلَفَه.
وإنَّما يَضمَنُ الصَّبيُّ ما أتلَفَه -مُمَيِّزًا كان أو غيرَ مُمَيِّزٍ-؛ لأنَّ ضَمانَ المُتلَفاتِ يُنظَرُ فيه إلى الجِنايةِ على مالِ الغَيرِ، والصَّبيُّ -وإنْ لَم يَكُنْ مُمَيِّزًا- يَصحُّ أنْ يَتَّصِفَ بما يُوجِبُ غُرمَه، وهو جِنايَتُه على المالِ، ولأنَّ الضَّمانَ مِنْ بابِ خِطابِ الوَضعِ الذي لا يُشترَطُ فيه التَّكليفُ، بل ولا التَّمييزُ، ولأنَّ الذِّمَّةَ ثابِتةٌ لِلجَميعِ: المُمَيِّزِ وغَيرِه.
وإنْ أُمِّنَ الصَّبيُّ عليه فتلِف فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ مَنْ أمِّنَه قد سَلَّطَه على إتلافِه؛ ولأنَّه مَحجورٌ عليه، ولو ضمِن المَحجورُ لَبَطَلتْ فائِدةُ الحَجرِ، فإنْ كان الذي أمِّنَه هو رَبَّ المالِ فقد ضاعَ هَدَرًا، وإنْ كان غَيرَه فعلى الذي ائتَمَنَه الضَّمانُ؛ لِتَفريطِه.
وكثيرًا ما يَقَعُ أنَّ الإنسانَ قد يُرسِلُ مع صَبيٍّ شَيئًا لِيُوصِّلَه إلى أهلِ مَحَلٍّ، فيَضيعُ مِنَ الصَّبيِّ أو يَتلَفُ، فلا ضَمانَ على الصَّبيِّ، وإنَّما الضَّمانُ على مَنْ أرسَلَه به، فإنْ كان المُرسَلُ رَبَّ المالِ فهَدَرٌ.
والمَجنونُ والصَّبيُّ غيرُ المُمَيِّزِ إذا أتلَفا مالًا أو حَصَل منهما جِنايةٌ -ولو على نَفْسَيْهما- فإنَّهما يَضمَنانِ المالَ في ذِمَّتِهما، والدِّيةُ على عاقِلَتَيْهما إنْ بَلَغتِ الثُّلُثَ، وإلا فعليهما في مالَيْهما حيثُ وُجِدَ؛ لِتَعلُّقِهما بالذِّمَّةِ (١).
(١) «تحبير المختصر» (٤/ ١٦٢، ١٦٣)، و «الشرح الكبير» (٤/ ٤٧٨، ٤٨٠)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٧٧، ٧٨)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٢٩٢، ٢٩٤)، و «مواهب الجليل» (٦/ ٤٧٩، ٤٨٢)، و «بلغة السالك مع الشرح الصغير» (٣/ ٣٤٢، ٣٤٦)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٩٠)، و «الذخيرة» (٨/ ٢٣٢).
وقال الشافِعيَّةُ: لا يَصحُّ تَصرُّفُ الصَّبيِّ بحالِ أذِنَ له الوَليُّ أو لَم يَأذَنْ؛ لأنَّ عَدَمَ صِحَّةِ التَّصرُّفِ هو فائِدةُ الحَجرِ (١).
وقال الحَنابِلةُ في المَذهبِ: لا يَصحُّ بَيعُ المُمَيِّزِ والسَّفيهِ ما لَم يأذَنْ وَليُّهما، فإنْ أذِنَ صَحَّ؛ لقَولِ اللهِ ﷾: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] معناه: اختَبِروهم لِتَعلَموا رُشدَهم، وإنَّما يَتحقَّقُ بتَفويضِ البَيعِ والشِّراءِ إليهما، ويَحرُمُ الإذْنُ بلا مَصلَحةٍ، ويَنفُذُ تَصَرُّفُهما في الشَّيءِ اليَسيرِ بلا إذْنٍ.
والرِّوايةُ الأُخرى عندَ الحَنابِلةِ: لا يَصحُّ بَيعُ الصَّبيِّ حتى يَبلُغَ؛ لأنَّه غيرُ مُكلَّفٍ، أشبَهَ غيرَ المُمَيِّزِ؛ ولأنَّه مما يَخفَى، فضَبَطَه الشارِعُ بحَدٍّ، وهو البُلوغُ، والسَّفيهُ مَحجورٌ عليه لِسُوءِ تَصرُّفِه وتَبذيرِه، فإذا أذِنَ له وَليُّه فقد أذِنَ فيما لا مَصلَحةَ فيه، ولا يَصحُّ بغَيرِ إذْنِه؛ لِما ذَكَرنا إلا في الشَّيءِ اليَسيرِ؛ لأنَّ الحِكمةَ في الحَجْرِ عليهما خَوفُ ضَياعِ مالَيْهما بتَصَرُّفَيْهما، وذلك مَفقودٌ في اليَسيرِ، يُؤيِّدُه أنَّ أبا الدَّرداءِ اشتَرى مِنْ صَبيٍّ عُصفورًا وأطلَقَه (٢).
(١) «التنبيه» (١/ ١٠٢)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٩)، و «الوسيط» (٣/ ٣٩٠)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٤١٧)، و «نهاية المحتاج» (٣/ ٤٤٤، ٤٤٥)، و «النجم الوهاج» (٤/ ١٧)، و «السراج الوهاج» (٢٠٦)، و «حاشية إعانة الطالبين» (٣/ ١٤).
(٢) «المغني» (٤/ ١٦٨)، و «الكافي» (٢/ ١٩٥)، و «كشاف القناع» (٣/ ١٧٢، ١٧٣)، و «المبدع» (٤/ ٨)، و «الإنصاف» (١/ ٧٢٥).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الضمان)
(مسألة)
(كِتَابُ الضَّمَانِ)
تَحَرَّيْتُ فِيهِ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَقِيَاسَ قوله: -
(مسألة)
قال المزني: " قال الله جل ثناؤه {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} يوسف: ٧٢ وَقَالَ عز وجل {سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ} القلم: ٤٠ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ " وَالزَّعِيمُ فِي اللُّغَةِ هو الكفيل وروي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي جِنَازَةٍ فَلَمَّا وُضِعَتْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " هل على صاحبكم من دين "؟ فقالوا نَعَمْ دِرْهَمَانِ قَالَ " صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ " فَقَالَ علي رضوان الله عليه هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا لَهُمَا ضَامِنٌ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فصلى عليه ثم أقبل على علي رضي الله عنه فَقَالَ " جَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرًا وَفَكَّ رهانك كما فككت رهان أخيك " (قال المزني) قلت أنا وفي ذلك دليل أن الدين الذي كان على الميت لزم غيره بأن ضمنه وروى الشافعي في قسم الصدقات أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال " لا تحل الصدقة لغني إلا لثلاثة " ذكر منها رجلا تحمل بحمالة فحلت الصدقة (قلت أنا) فكانت الصدقة محرمة قبل الحمالة فلما تحمل لزمه الغرم بالحمالة فخرج من معناه الأول إلى أن حلت له الصدقة " .
قال الماوردي: أما الضمان فهو أخذ الوثاق فِي الْأَمْوَالِ، لِأَنَّ الْوَثَائِقَ ثَلَاثَةٌ: الشَّهَادَةُ وَالرَّهْنُ وَالضَّمَانُ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحوالة والضمان
باب الضمان
بابُ الضَّمانِ
٨٢٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ ضُمِنَ عَنْهُ حَقٌّ بَعْدَ وُجُوبِهِ، أوْ قَالَ: مَا أَعْطَيْتَهُ فهُوَ عَلَىَّ. فَقَدْ لَزِمَهُ مَا صَحَّ أنَّه أَعْطَاهُ)
الضَّمَانُ: ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إلى ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه في الْتِزَامِ الحَقِّ. فيَثْبُتُ في ذِمَّتِهِمَا جَمِيعًا، ولِصَاحِبِ الحَقِّ مُطالَبَةُ من شاءَ منهما، واشْتِقَاقُه من الضّمِّ. وقال القاضي: هو مُشْتَقٌّ من التَّضْمِينِ ؛ لأنَّ ذِمَّةَ الضَّامِنِ تَتَضَمَّنُ الحَقَّ. والأصْلُ في جَوَازِه، الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ، أمَّا الكِتابُ فقولُ اللَّه تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} . وقال ابنُ عَبَّاسٍ: الزَّعِيمُ الكَفِيلُ. وأمَّا السُّنَّةُ فما رُوِىَ عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أنَّه قال: "الزَّعِيمُ غَارِمٌ" . رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرمِذِىُّ . وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ، ورَوى البُخَارِىُّ ، عن سَلَمَةَ ابن الأَكْوَعِ، أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُتِىَ بِرَجُلٍ لِيُصَلِّىَ عليه، فقال: هل عليه دَيْنٌ؟ قالوا: نعم، دِينَارَانِ. قال: هل تَرَكَ لهما وَفَاءً؟
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب البيوع
الجملة الثانية في وقت ضمان المبيعات
جَوَازِهِ، وَفِيمَا يَجُوزُ مِنَ الْعُقُودِ وَالْمَبِيعَاتِ وَالْعُيُوبِ، وَلِمَنْ يَجُوزُ بِالشَّرْطِ، أَوْ مُطْلَقًا، وَهَذِهِ كُلُّهَا قَدْ تَقَدَّمَتْ بِالْقُوَّةِ فِي قَوْلِنَا فَاعْلَمْهُ.
الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي وَقْتِ ضَمَانِ الْمَبِيعَاتِ
وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَضمنُ فِيهِ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ أَنَّى تَكُونُ خَسَارَتُهُ إِنْ هَلَكَ مِنْهُ: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ.
وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَهُ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَاتِ عِنْدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
بَيْعٌ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ وَزْنٍ، أَوْ كَيْلٍ، وَعَدَدٍ.
وَبَيْعٌ لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وَهُوَ الْجُزَافُ، أَوْ مَا لَا يُوزَنُ، وَلَا يُكَالُ، وَلَا يُعَدُّ. فَأَمَّا مَا كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ فَلَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ. وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ وَهُوَ حَاضِرٌ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ.
وَأَمَّا الْمَبِيعُ: فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ:
أَشْهَرُهَا: أَنَّ الضَّمَانَ مِنَ الْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْمُبْتَاعِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مِنَ الْمُبْتَاعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْبَائِعِ.
وَالثَّالِثَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ مَا لَيْسَ بِمَأْمُونِ الْبَقَاءِ إِلَى وَقْتِ الِاقْتِضَاءِ كَالْحَيَوَانِ وَالْمَأْكُولَاتِ، وَبَيْنَ مَا هُوَ مَضْمُونُ الْبَقَاءِ.
ارجع إلى الأسباب الموجبة للحجر للاطلاع على جميع المسائل.