الإسلام > المعاملات المالية > الأسباب الموجبة للحجر > فك الحجر عن الصبي والصبية
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةأمَّا على الأيتامِ الذين لَم يَبلُغوا الحُلُمَ فبالاتِّفاقِ؛ لأنَّه نَصُّ القُرآنِ (١).
وقال ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّ مِنَ الأسبابِ المُوجِبةِ لِلحَجرِ الصِّغَرَ (٢).
وقال ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: أجمَعَ العُلماءُ على وُجوبِ الحَجْرِ على الأيتامِ الذين لَم يَبلُغوا الحُلُمَ؛ لقَولِ اللهِ ﷾: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] الآيةَ (٣).
وقال ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّ وُجوبَ الحَجْرِ على مَنْ لَم يَبلُغْ، وعلى مَنْ هو مَجنونٌ مَعتوهٌ أو مُطبِقٌ لا عَقلَ له، وأنَّ كلَّ ما أنفَذَ مَنْ ذَكَرنا -في حالِ فَقدِ عَقلِه أو قبلَ بُلوغِه مِنْ هِبةٍ أو عِتقٍ أو بَيعٍ أو صَدَقةٍ- باطِلٌ، واختَلَفوا لابتِياعِه لِما لا بُدَّ له منه مِنْ قُوتِه ولِباسِه (٤).
فَكُّ الحَجْرِ عن الصَّبيِّ والصَّبيَّةِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الصَّبيَّ إذا بَلَغ رَشيدًا فقد انفَكَّ الحَجْرُ عنه، ووَجَب دَفعُ مالِه إليه.
قال ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وقد اتَّفَقوا على أنَّ مالَ اليَتيمِ يَجبُ دَفعُه إليه إذا بَلَغ النِّكاحَ وآنَسوا منه الرُّشدَ (٥)؛ لقَولِ اللهِ ﷾: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى
(١) «روضة المستبين في شرح كتاب التلقين» (٢/ ١١٠٩).
(٢) «الإفصاح» (١/ ٤٢٦).
(٣) «بداية المجتهد» (٢/ ٢١٠).
(٤) «مراتب الإجماع» ص (٥٨).
(٥) «الإشراف» (٦/ ٢٣٦).
حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، ولأنَّ الحَجْرَ عليه إنَّما كان لِعَجزِه عن التَّصرُّفِ في مالِه على وَجْهِ المَصلَحةِ؛ حِفظًا لِما له عليه، وبهذَيْنِ المَعنيَيْنِ يَقدِرُ على التَّصرُّفِ ويَحفَظُ مالَه فيَزولُ الحَجْرُ لِزَوالِ سَبَبِه (١).
إلا أنَّهم اختَلَفوا في الأُنثى إذا بَلَغتْ رَشيدةً، هل يَزولُ عنها الحَجْرُ؟ أم لا يَنفَكُّ إلا بعدَ الزَّواجِ؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَنفَكُّ عنها الحَجْرُ ببُلوغِها رَشيدةً، كالصَّبيِّ؛ لِعُمومِ قَولِ اللهِ ﷾: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، ولأنَّها يَتيمةٌ بَلَغتْ وآنَسوا منها الرُّشدَ، فيُدفَعُ إليها مالُها كالرَّجُلِ.
ولأنَّها بالِغةٌ رَشيدةٌ جازَ لها التَّصرُّفُ في مالِها، كالتي دَخَل بها الزَّوجُ.
وقال الإمامُ أحمدُ رحمة الله عليه في رِوايةٍ: لا يُدفَعُ إلى الجاريةِ مالُها بعدَ بُلوغِها حتى تَتزوَّجَ وتَلِدَ، أو يَمضيَ عليها سَنةٌ في بَيتِ الزَّوجِ؛ لِما رُويَ عن شُرَيحٍ أنَّه قال: عَهِدَ إليَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه ألَّا أُجيزَ لِجارِيةٍ عَطيَّةً حتى تَحُولَ في بَيتِ زَوجِها حَولًا أو تَلِدَ وَلَدًا (٢).
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وعلى هذه الرِّوايةِ إذا لَم تَتزَوَّجْ أصلًا احتُمِلَ
(١) «المغني» (٤/ ٢٩٥).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١١) رقم (٢١٩١٤، ٢١٩١٩)، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» (١٣/ ٣٢٤)، ورجالُه عندَ ابنِ أبي شَيبةَ ثِقاتٌ لأنَّه رواهُ مِنْ طَريقِ الشَّعبيِّ عن شُريحٍ عن عُمرَ بنحوِه.
أنْ يَدومَ الحَجْرُ عليها؛ عَمَلًا بعُمومِ حَديثِ عُمرَ رضي الله عنه؛ ولأنَّه لَم يُوجَدْ شَرطُ دَفْعِ مالِها إليها، فلَم يَجُزْ دَفعُه إليها، كما لو لَم تَرشُدْ، وقال القاضي: عندي أنَّه يُدفَعُ إليها مالُها إذا عَنَّسَتْ وبَرَزتْ لِلرِّجالِ، يَعني كَبِرتْ (١).
وقال المالِكيَّةُ: ولا يَنفَكُّ الحَجْرُ عن الصَّغيرةِ وإنْ بَلَغتْ حتى تَتزَوَّجَ ويَدخُلَ بها زَوجُها وتَكونَ حافِظةً لِمالِها.
فيُزادُ في خُروجِ الأُنثى البِكرِ مِنْ حِجرِ الأولياءِ الثَّلاثةِ -الأبِ والوَصيِّ ومُقدِّمِ القاضي- شَرطانِ:
١ - دُخولُ الزَّوجِ بها.
٢ - شَهادةُ العُدولِ على صَلاحِ حالِها، وإنَّما احتِيجَ لِلإشهادِ لأنَّ شأنَ النِّساءِ الإسرافُ، فمَدارُ الرُّشدِ على صَوْنِ المالِ فَقَطْ، دونَ صَونِ الدِّينِ، وعلى هذا فذاتُ الأبِ لا يَنفَكُّ الحَجْرِ عنها إلا بأُمورٍ أربَعةٍ:
بُلوغُها وحُسنُ تَصرُّفِها وشَهادةُ العُدولِ بذلك ودُخولُ الزَّوجِ بها؛ لأنَّ إيناسَ الرُّشدِ لا يُتصوَّرُ مِنَ المَرأةِ إلا بعدَ اختِبارِ الرِّجالِ، وأمَّا ذاتُ الوَصيِّ والمُقدِّمِ فلا يَنفَكُّ الحَجْرُ عنها إلا بأُمورٍ خَمسةٍ: هذه الأربَعةُ وفَكُّ الوَصيِّ أو المُقدِّمِ، فإنْ لَم يَفُكَّا الحَجْرَ عنها كان تَصرُّفُها مَردودًا، ولو عَنَّسَتْ أو دَخَلَ بها الزَّوجُ وطالَتْ إقامَتُها عِندَه.
قال القاضي عَبدُ الوَهَّابِ رحمة الله عليه: ولا يَنفَكُّ الحَجْرُ عن الصَّغيرةِ وإنْ بَلَغتْ حتى تَتزوَّجَ ويَدخُلَ بها زَوجُها وتَكونَ حافِظةً لِمالِها.
(١) «المغني» (٤/ ٢٩٩).
وقال أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: يَنفَكُّ عنها الحَجْرُ بالبُلوغِ نَفْسِه مِنْ غيرِ حاجةٍ إلى تَزويجٍ.
فدَليلُنا أنَّ كلَّ حالٍ جازَ لِلأبِ إنكاحُها فيها بغَيرِ إذْنِها كان الحَجْرُ على المالِ مُستَدامًا فيها كالصَّغيرةِ، ولأنَّ البِنتَ لا تَخبُرُ مَصلَحَتَها ولا تَعرِفُ المُعامَلاتِ، ولا تَعرِفُ مَعانيَها ومَصالِحَ المالِ بالبُلوغِ نَفْسِه دونَ التَّزويجِ؛ لأنَّها إذا زُوِّجتْ ودُخِلَ بها عَرَفتْ حينَئذٍ الأُمورَ وخَبَرتْها، فحينَئذٍ يَنفَكُّ الحَجْرُ عنها (١).
وقال أيضًا: لأنَّها بالبُلوغِ لَم تَخبُرِ الرِّجالَ ولا عَرَفتِ المُعامَلاتِ، ولا تَقِفُ على إصلاحِ المالِ ووُجوهِ الغَبنِ، فكان الحَجْرُ عليها مُستَصحَبًا، حتى إذا دَخَل بها الزَّوجُ وعَرَفتِ الرِّجالَ وما يُرادُ منها، وبَرَز وَجهُها وعَرَفتِ المُعامَلاتِ وعُلِمَ منها ضَبطُها لِمالِها فُكَّ حَجرُها، وهذا هو الفَرقُ بَينَها وبَينَ الغُلامِ (٢).
وقال القَرافيُّ رحمة الله عليه: إنَّ مَقصودَ الرُّشدِ مَعرِفةُ المَصالِحِ، وقَبلَ اختيارِ الأزواجِ يَكونُ الجَهلُ والنَّقصُ في المَعرِفةِ حاصلَيْنِ، وعن شُرَيحٍ رضي الله عنه قال: «كتَب إلَيَّ عُمَرُ رضي الله عنه ألَّا أُجيزَ لِلجارِيةِ عَطيَّةً حتى تَحُولَ في بَيتِ زَوجِها وتَلِدَ وَلَدًا»، ولأنَّ الإجبارَ لِلأبِ باقٍ، وهو حَجْرٌ فيَعُمُّ … ؛ لأنَّ قَولَ اللهِ ﷾: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦٥] مَعناه إصلاحُ
(١) «الإشراف» (٣/ ٣٩، ٤٠) رقم (٩٠٣).
(٢) «المعونة» (٢/ ١٥٩، ١٦٠).
ارجع إلى الأسباب الموجبة للحجر للاطلاع على جميع المسائل.