الإسلام > المعاملات المالية > الأسباب الموجبة للحجر > ما المقصود بالرشد
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 6 دقيقة قراءةالمالِ إجماعًا، ونحن نَمنَعُ تَحقُّقَه قبلَ الغايةِ المَذكورةِ (١).
ما المَقصودُ بالرُّشدِ:
اختَلَف الفُقهاءُ بالمَقصودِ بالرُّشدِ في قَولِ اللهِ ﷾: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] هل هو صَلاحُ المالِ فَقَط؟ أم صَلاحُ المالِ والدِّينِ مَعًا؟
فذهَب الشافِعيَّةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الرُّشدَ هو صَلاحُ الدِّينِ والمالِ جَميعًا، فلا يَفعَلُ مُحرَّمًا يُبطِلُ العَدالةَ مِنْ كَبيرةٍ أو إصرارٍ على صَغيرةٍ؛ لأنَّ الفاسِقَ غيرُ رَشيدٍ، ولأنَّ إفسادَه لِدِينِه يَمنَعُ الثِّقةَ به في حِفظِ مالِه، كما يَمنَعُ قَبولَ قَولِه وثُبوتَ الوِلايةِ على غَيرِه، وإنْ لَم يُعرَفْ منه كَذِبٌ ولا تَبذيرٌ.
ولا يُبذِّرُ بأنْ يُضيِّعَ المالَ باحتِمالِ غَبنٍ فاحِشٍ في المُعامَلةِ، أو رَمْيِه في بَحْرٍ أو إنفاقِه في مُحرَّمٍ، والأصَحُّ أنَّ صَرفَه في الصَّدَقةِ ووُجوهِ الخَيرِ والمَطاعِمِ والمَلابِسِ التي لا تَليقُ بحالِه ليس بتَبذيرٍ (٢).
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ والشافِعيَّةُ في وَجْهٍ إلى أنَّ الرُّشدَ هو الصَّلاحُ في المالِ فَقَطْ؛ لِلآيةِ السَّابِقةِ؛ لأنَّها إثباتٌ في
(١) «الذخيرة» (٨/ ٢٢٨، ٢٣٠)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢١٠)، و «تحبير المختصر» (٤/ ١٦٥، ١٦٧)، و «الشرح الكبير» (٤/ ٤٨٤، ٤٨٥)، و «مواهب الجليل» (٦/ ٤٨٧، ٤٨٨)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٢٩٦)، و «الإفصاح» (١/ ٤٢٨).
(٢) «مختصر المزني» (١/ ١١٠)، و «الحاوي الكبير» (٦/ ٣٥٧)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٣٨٣، ٣٨٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١١٢، ١١٣).
نَكِرةٍ، ومَن كان مُصلِحًا لِمالِه فقد وُجِدَ منه رُشدٌ، ولأنَّ العَدالةَ لا تُعتبَرُ في الرُّشدِ في الدَّوامِ، فلا تُعتبَرُ في الابتِداءِ، كالزُّهدِ في الدُّنيا، ولأنَّ هذا مُصلِحٌ لِمالِه فأشبَهَ العَدلَ، يُحقِّقُه أنَّ الحَجْرَ عليه إنَّما كان لِحِفظِ مالِه عليه، فالمُؤثِّرُ فيه ما أثَّرَ في تَضييعِ المالِ أو حِفظِه.
ولو كان الرُّشدُ صَلاحَ الدِّينِ فالحَجْرُ على الكافِرِ أوْلى مِنَ الحَجْرِ على الفاسِقِ.
ثم إنْ كان الفاسِقُ يُنْفِقُ أموالَه في المعاصي -كشِراءِ الخَمرِ وآلاتِ اللَّهوِ- أو يَتوصَّلُ به إلى الفَسادِ، فهو غيرُ رَشيدٍ لِتبَذيرِه لِمالِه وتَضييعِه إيَّاه في غيرِ فائِدةٍ على الخِلافِ في ذلك، وإنْ كان فِسقُه لِغَيرِ ذلك كالكَذِبِ ومَنعِ الزَّكاةِ وإضاعةِ الصَّلاةِ مع حِفظِه لِمالِه دُفِعَ مالُه إليه؛ لأنَّ المَقصودَ بالحَجرِ حِفظُ المالِ، ومالُه مَحفوظٌ بدونِ الحَجْرِ، ولذلك لو طَرَأ الفِسقُ عليه بعدَ دَفعِ مالِه إليه لَم يُنزَعْ.
ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ أقامَ الحُدودَ ثم لَم يَحجُرْ على من أقامَها عليه في مالِه وكذا أقامَها أبو بَكرٍ وعُمَرُ وعُثمانُ رضي الله عنهم، ولَم يُنقَلْ أنَّهم حَجَروا على مَنْ أقاموا ذلك عليه.
ولأنَّ وازِعَ المالِ طَبيعيٌّ، ووازِعَ الدِّينِ شَرعيٌّ، والطَّبيعيَّ أقوى بدَليلِ قَبولِ إقرارِ الفاسِقِ الفاجِرِ؛ لأنَّ وازِعَه طَبيعيٌّ، ورَدِّ شَهادَتِه؛ لأنَّ الوازِعَ فيها شَرعيٌّ، اشتُرِطَتِ العَدالةُ فيها دونَ الإقرارِ (١).
(١) «الجوهرة النيرة» (٣/ ٢٧٠)، و «الاختيار» (٢/ ١١٨)، و «الهداية» (٣/ ٢٨٤)، و «العناية» (١٣/ ٢٣٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٤١٠)، و «الإشراف» (٣/ ٣٧، ٣٨)، و «القوانين الفقهية» ص (١١١)، و «البيان والتحصيل» (١٤/ ٢٢)، و «الذخيرة» (٨/ ٢٣١)، و «الإفصاح» (١/ ٤٢٧، ٤٢٨)، و «المغني» (٤/ ٣٠١، ٣٠٢)، و «مطالب أولى النهى» (٣/ ٤٠٤)
ارجع إلى الأسباب الموجبة للحجر للاطلاع على جميع المسائل.