الإسلام > المعاملات المالية > الأسباب الموجبة للحجر > مكان الحبس
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةيَقومُ بذلك فلا يَخرُجُ، وقيلَ: يَخرُجُ بكَفيلٍ لِجِنازةِ الوالِدَيْنِ والأجدادِ والجَدَّاتِ والأولادِ، وفي غَيرِهم لا يَخرُجُ، وعليه الفَتوى.
مَكانُ الحَبسِ:
يَنبَغي أنْ يُحبَسَ في مَوضِعٍ خَشِنٍ لا يُبسَطُ له فيه فِراشٌ ولا وِطاءٌ، وألَّا يَدخُلَ عليه أحَدٌ يَستأنِسُ به؛ لأنَّ الحَبسَ إنَّما شُرِعَ لِيَضجَرَ فيُسارِعَ بالقَضاءِ، وإذا مَرِضَ وأضناه المَرَضُ إنْ كان له خادِمٌ لا يَخرُجُ، لِيزدادَ ضَجَرًا فيُسارِعَ بالقَضاءِ، ولا يَخرُجُ لِلمُداواةِ ويُداوَى في السِّجنِ، وإنْ لَم يَكُنْ له خادِمٌ وخُشيَ عليه المَوتُ فإنَّه يَخرُجُ؛ لأنَّه إذا خُشيَ على نَفْسِه المَوتُ مِنَ الجُوعِ كان له أنْ يَدفَعَه بمالِ الغَيرِ، فكيف يَجوزُ إهلاكُه لِأجْلِ مالِ الغَيرِ، وإنِ احتاجَ إلى الجِماعِ فلا بَأْسَ أنْ تَدخُلَ عليه امرأتُه أو جاريَتُه فيَطأَها حيث لا يَطَّلِعُ عليه أحَدٌ.
ولا يُمنَعُ مِنْ دُخولِ أهلِه وجِيرانِه عليه؛ لأنَّه يَحتاجُ إلى ذلك لِيُشاوِرَهم في قَضاءِ الدَّينِ، ولا يُمكَّنونَ أنْ يَمكُثوا معه طَويلًا.
والمُحتَرِفُ لا يُمَكَّنُ في الحَبسِ مِنَ الاشتِغالِ بحِرفَتِه؛ لِيَضجَرَ فيُسارِعَ بالقَضاءِ، ويُحبَسُ الرَّجُلُ في نَفَقةِ زَوجَتِه، ولا يُحبَسُ والِدٌ في دَينِ وَلَدِه، ويُحبَسُ إذا امتَنَعَ مِنَ الإنفاقِ عليه، ولا يُحبَسُ المُكاتَبُ لِمَولاه بدَينِ الكِتابةِ؛ لأنَّه لا يَصيرُ ظالِمًا بذلك، والحَبسُ جَزاءُ الظُّلمِ، ولو كان المَدينُ صَغيرًا وله وَليٌّ يَجوزُ له قَضاءُ دُيونِه، ولو كان لِلصَّغيرِ مالٌ حَبَسَ القاضي وَليَّه إذا امتَنَع عن قَضاءِ دُيونِه.
فإذا حَبَسَه القاضي شَهرَيْنِ أو ثَلاثةً سألَ عن حالِه، فإنْ لَم يَنكَشِفْ له مالٌ أخلَى سَبيلَه، فإذا لَم يَتبيَّنْ لِلحاكِمِ أنَّ له مالًا، بأنْ قامَتِ البَيِّنةُ أو سألَ جيرانَه العارِفينَ به، فلَم يُوجَدْ له شَيءٌ أخرَجَه، ولا يُقبَلُ قَولُ البَيِّنةِ بأنَّه لا مالَ له قبلَ حَبسِه؛ لأنَّ البَيِّنةَ لا تَطَّلِعُ على إعسارِه ولا يَسارِه، لِجَوازِ أنْ يَكونَ له مالٌ مَخبوءٌ لا يُطَّلَعُ عليه، فلا بُدَّ مِنْ سَجنِه لِيَضجَرَ بذلك.
وكذلك إذا أقامَ البَيِّنةَ أنَّه لا مالَ له، فيُخلَى سَبيلُه؛ لِوُجوبِ النَّظرةِ إلى المَيسَرةِ.
وكَيفيَّةُ الشَّهادةِ: أنْ يَقولَ الشاهِدُ: إنَّه مُفلِسٌ مُعدِمٌ لا نَعلَمُ له مالًا سوى كِسوَتِه التي عليه.
فإنْ لَم يَظهَرْ له مالٌ بعدَ مُضيِّ المُدَّةِ أخلى سَبيلَه؛ لأنَّه استَحَقَّ النَّظرةَ إلى المَيسَرةِ، فيَكونُ حَبسُه بعدَ ذلك ظُلمًا.
ولا يَحولُ بَينَه وبَينَ غُرَمائِه بعدَ خُروجِه مِنَ السِّجنِ، ويُلازِمونَه ولا يَمنَعونَه مِنَ التَّصرُّفِ والسَّفَرِ، ويَدورونَ معه حيث دارَ، ولا يَحبِسونَه في مَوضِعٍ واحِدٍ، وإنْ دَخَل بَيتَه لِحاجةٍ لا يَتبَعونَه، بل يَنتَظِرونَه حتى يَخرُجَ، وإنْ كان الدَّينُ لِرَجُلٍ على امرأةٍ لا يُلازِمُها؛ لِما فيه مِنَ الخَلوةِ بالأجنبيَّةِ، ولكنْ يَبعَثُ امرأةً أمينةً تُلازِمُها.
ويَأخذونَ ما زادَ على نَفَقَتِه ونَفَقةِ عِيالِه، فيُقَسَّمُ بَينَهم بالحِصَصِ.
ولو اختارَ المَطلوبُ الحَبسَ والطالِبُ المُلازَمةَ فالخيارُ إلى الطالِبِ؛ لأنَّه أبلَغُ في حُصولِ المَقصودِ؛ لِاختيارِه الأضيَقَ عليه، إلا إذا عَلِمَ القاضي
بأنَّه يَدخُلُ عليه بالمُلازَمةِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ بألَّا يُمكِّنَه مِنْ دُخولِ دارِه، فحينَئذٍ يَحبِسُه دَفعًا لِلضَّرَرِ عنه.
وإذا فَلَّسَه الحاكِمُ حالَ بَينَه وبَينَ غُرَمائِهِ؛ لأنَّ القَضاءَ بالإفلاسِ يَصحُّ، فتَثبُتُ العُسرةُ فيَستحِقُّ الإنظارَ إلى المَيسَرةِ إلا أنْ يُقيموا البَيِّنةَ أنَّه قد حَصَلَ له مالٌ (١).
وقال المالِكيَّةُ: مَنْ أحاطَ المَدينَ بمالِه له ثَلاثُ حالاتٍ:
الأُولى: قبلَ التَّفليسِ: وهي مَنعُه وعَدَمُ جَوازِ التَّصرُّفِ في مالِه بغَيرِ عِوَضٍ فيما لا يَلزَمُه مما لَم تَجْرِ العادةُ بفِعلِه مِنْ هِبةٍ وصَدَقةٍ وعِتقٍ وما أشبَهَ ذلك، كخِدمةٍ وإقرارٍ بدَينٍ لِمَنْ يُتَّهَمُ عليه، ويَجوزُ بَيعُه وشِراؤُه.
الحالةُ الثانيةُ: تَفليسٌ عامٌّ: وهو قيامُ الغُرَماءِ عليه، ولهم سَجنُه ومَنعُه حتى مِنَ البَيعِ والشِّراءِ والأخْذِ والعَطاءِ.
الحالةُ الثالِثةُ: تَفليسٌ خاصٌّ، وهو خَلعُ مالِه لِغُرَمائِه.
والتَّفليسُ الأعَمُّ: قيامُ ذي دَيْنٍ حَلَّ أجَلُه، أو كان حالًّا أصالةً على مَدينٍ له، لَيسَ لِلمَدينِ مِنَ المالِ ما يَفي بالدَّينِ بأنْ كان ما معه أقَلَّ مِنَ الدَّينِ، وكذا إذا كان مُساويًّا له، وأمَّا لو كان معه أكثَرُ مِنَ الدَّينِ فليس له مَنعُه إلا أنْ يَتبَرَّعَ بما يَنقُصُ مالَه عن الدَّينِ فله مَنعُه، أي: مَنعُ مَنْ أحاطَ الدَّينُ بمالِه ممَّا:
(١) «الجوهرة النيرة» (٣/ ٢٥٨، ٢٦٩)، و «الاختيار» (٢/ ١١٨، ١١٩)، و «اللباب» (١/ ٤٤٨، ٤٥٢)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٤١١، ٤١٢)، و «العناية شرح الهداية» (١٣/ ٢٣٠، ٢٣٨).
ارجع إلى الأسباب الموجبة للحجر للاطلاع على جميع المسائل.