الإسلام > المعاملات المالية > الأسباب الموجبة للحجر > هل يعتبر لزوال الحجر عن الصبي إذا بلغ حكم الحاكم أو لا؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةهل يُعتبَرُ لِزَوالِ الحَجْرِ عن الصَّبيِّ إذا بَلَغَ حُكمُ الحاكِمِ أو لا؟
اختَلَف الفُقهاءُ في الصَّبيِّ إذا بَلَغ رَشيدًا، هل يَنفَكُّ عنه الحَجْرُ؟ أم لا بُدَّ مِنْ حُكمِ الحاكِمِ؟
فقال المالِكيَّةُ وبَعضُ الشافِعيَّةِ: لا يَزولُ إلا بحاكِمٍ؛ لأنَّه مَوضِعُ اجتِهادٍ ونَظَرٍ، فإنَّه يَحتاجُ في مَعرِفةِ البُلوغِ والرُّشدِ إلى اجتِهادٍ، فيُوقَفُ ذلك على حُكمِ الحاكِمِ، كزَوالِ الحَجْرِ عن السَّفيهِ.
وقال الشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ: لا يُعتَبَرُ في زَوالِ الحَجْرِ عن الصَّبيِّ إذا بَلَغ رَشيدًا حُكمُ حاكِمٍ؛ لأنَّ اللهَ ﷾ أمَرَ بدَفعِ أموالِهم عندَ البُلوغِ وإيناسِ الرُّشدِ، فاشتِراطُ حُكمِ الحاكِمِ زيادةٌ تَمنَعُ الدَّفعَ عندَ وُجوبِ ذلك بدونِ حُكمِ الحاكِمِ وهذا خِلافُ النَّصِّ؛ ولأنَّه حَجْرٌ بغَيرِ حُكمِ حاكِمٍ يَزولُ بغَيرِ حُكمِه، كالحَجْرِ على المَجنونِ، وبهذا فارَقَ السَّفيهَ (١).
إذا بَلَغ الصَّبيُّ غيرَ رَشيدٍ لَم يُسلَّمْ مالُه إليه:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الصَّبيَّ إذا بَلَغَ غيرَ رَشيدٍ -على الخِلافِ السابِقِ في تَعريفِ الرُّشدِ- لا يُدفَعُ إليه مالُه، ويَدومُ الحَجْرُ عليه؛ لِمَفهومِ قَولِ اللهِ ﷾: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
(١) «مغني المحتاج» (٣/ ١١٥)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٤١٩)، و «النجم الوهاج» (٤/ ٤١٠)، و «المغني» (٤/ ٢٩٥).
إلا أنَّهم اختَلَفوا هل يَستمِرُّ الحَجْرُ عليه دائِمًا إلى أنْ يَرشُدَ ولو صارَ شَيخًا كَبيرًا؟ أم إلى بُلوغِه خَمسًا وعِشرينَ سَنةً؟
فقال جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ والصاحِبانِ مِنَ الحَنفيَّةِ أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ: يَستَمِرُّ الحَجْرُ عليه إلى أنْ يَحصُلَ منه الرُّشدُ؛ لقَولِ اللهِ ﷾: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] فهذه آيةٌ مُحكَمةٌ لَم يَنسَخْها شَيءٌ، فلا يَجوزُ دَفعُ المالِ إليه قبلَ إيناسِ الرُّشدِ منه.
ألَا تَرى أنَّ عندَ البُلوغِ إذا لَم يُؤنَسْ منه الرُّشدُ لا يُدفَعُ المالُ إليه بهذه الآيةِ، فكذلك إذا بَلَغَ خَمسًا وعِشرينَ؟ لأنَّ السَّفَهَ يَستَحكِمُ بمُطاوَلةِ المُدَّةِ، ولأنَّ السَّفَهَ في حُكمِ مَنعِ المالِ منه بمَنزِلةِ الجُنونِ والعَتَه، وذلك يَمنَعُ دَفْعَ المالِ إليه بعدَ خَمسٍ وعِشرينَ سَنةً، كما قَبلَها، فكذلك السَّفَهُ.
والمَعنى الجامِعُ بَينَهما أنَّ العِلَّةَ التي لِأجلِها مُنِعَ اليَتيمُ مِنْ مالِه هي خَوفُ التَّلَفِ عليه بغِرارَتِه وسَفَهِه، فما دامَتِ العِلَّةُ مُستَمرَّةً لا يَرتَفِعُ الحُكمُ، وإذا زالَتِ العِلَّةُ زالَ الحُكمُ؛ فهذا هو المَعنى في قَولِ اللهِ ﷾: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]].
ولأنَّ اللهَ ﷾ علَّق الدَّفعَ على شَرطَيْنِ، هُما: البُلوغُ والرُّشدُ، والحُكمُ المُعلَّقُ على شَرطَيْنِ لا يَثبُتُ بدونِهما.
وقال الإمامُ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه: إذا بَلَغَ سَفيهًا ليس بمَحجورٍ عن التَّصرُّفاتِ أصلًا، وحالُه وحالُ الرَّشيدِ في التَّصرُّفاتِ سَواءٌ، لا يَختَلِفانِ إلا في وَجهٍ واحِدٍ، وهو أنَّ الصَّبيَّ إذا بَلَغ سَفيهًا يُمنَعُ عنه مالُه إلى خَمسٍ وعِشرينَ سَنةً، وإذا بَلَغ رَشيدًا يُدفَعُ إليه مالُه.
فأمَّا في التَّصرُّفاتِ فلا يَختَلِفانِ حتى لو تَصرَّفَ بَعدَما بَلَغ سَفيهًا ومُنِعَ عنه مالُه نَفَذ تَصرُّفُه كما يَنفُذُ بعدَ أنْ دُفِعَ المالُ إليه؛ لقَولِ اللهِ ﷾: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وها قد بَلَغ أشُدَّهُ ويَصلُحُ أنْ يَكونَ جَدًّا؛ ولأنَّه حُرٌّ بالِغٌ عاقِلٌ مُكلَّفٌ لا يُحجَرُ عليه كالرَّشيدِ، ولأنَّ مَنْعَ المالِ عنه بطَريقِ التأديبِ، ولا تَأديبَ بعدَ هذه المُدِّةِ في الأغلَبِ، ألَا تَرى أنَّه قد يَصيرُ جَدًّا في هذه السِّنِّ؟ ومُحالٌ أنْ يَكونَ جَدًّا ولَم يَبلُغْ أشُدَّه.
وقال اللهُ ﷾: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٢]، مَعناه: أنْ يَكبَروا ويَلزَمَكم دَفعُ المالِ إليهم، وقال اللهُ ﷾: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] والمُرادُ البالِغونَ، فهذا تَنصيصٌ على وُجوبِ دَفعِ المالِ إليه بعدَ البُلوغِ، إلا أنَّه قام الدَّليلُ على مَنعِ المالِ منه بعدَ البُلوغِ إذا لَم يُؤنَسْ رُشدُه، وهو ما تَلاه، فإنَّ اللهَ ﷾ قال: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] وحَرفُ الفاءِ لِلوَصلِ والتَّعقيبِ، فيَكونُ بينَ أنَّ دَفْعَ المالِ إليه عُقَيبَ البُلوغِ بشَرطِ إيناسِ الرُّشدِ، وما يَقرُبُ مِنَ البُلوغِ
في معنى حالةِ البُلوغِ، فأمَّا إذا كان بعدَ عن ذلك فوُجوبُ دَفْعِ المالِ إليه مُطلَقٌ بما تَلَوْنا، غيرُ مُعلَّقٍ بشَرطٍ، ومُدَّةُ البُلوغِ بالسِّنِّ ثَمانيَ عَشرةَ سَنةً، فقَدَّرْنا مُدَّةَ القرُبِ منه بسَبعِ سِنينَ اعتِبارًا بمُدَّةِ التَّمييزِ في الابتِداءِ على ما أشارَ إليه النَّبيُّ ﷺ في قَولِه: «مُرُوهُمْ بالصَّلاةِ إذَا بَلَغوا سَبعًا»، ثم قد بَيَّنَّا أنَّ أثَرَ الصِّبا يَبقى بعدَ البُلوغِ إلى أنْ يَمضيَ عليه زَمانٌ، وبَقاءُ أثَرِ الصِّبا كبَقاءِ عَينِه في مَنعِ المالِ منه، ولا يَبقى أثَرُ الصِّبا بَعدَما بَلَغ خَمسًا وعِشرينَ سَنةً؛ لِتَطاوُلِ الزَّمانِ به مُنذُ بَلَغ، ولِهذا قال أبو حَنيفةَ -كما سيأتي في الحَجْرِ على الحُرِّ السَّفيهِ- لو بَلَغ رَشيدًا، ثم صارَ سَفيهًا لَم يُمنَعْ منه المالُ؛ لأنَّ هذا ليس بأثَرِ الصِّبا، فلا يُعتبَرُ في مَنعِ المالِ منه، أو كان مَنعُ المالِ على سَبيلِ التَّأديبِ له، والاشتِغالُ بالتأديبِ يَكونُ ما لَم يَنقطِعْ رَجاءُ التَّأديبِ، فإذا بَلَغ خَمسًا وعِشرينَ سَنةً ولَم يُؤنَسْ رُشدُه فقد انقَطَع رَجاءُ التَّأديبِ؛ لأنَّه يُتوهَّمُ أنْ يَصيرَ جَدًّا؛ لأنَّ البُلوغَ بالإنزالِ بعدَ اثنَتَيْ عَشرةَ سَنةً يَتحقَّقُ.
وقال أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ: حُكمُ مَنْ بَلَغَ سَفيهًا حُكمُ الصَّبيِّ العاقِلِ، وحُكمُ البالِغِ المَعتوهِ، فهُم سَواءٌ، فلا يَنفُذُ بَيعُه وشِراؤُه وإجارَتُه وهِبَتُه وصَدَقتُه وما أشبَهَ ذلك مِنَ التَّصرُّفاتِ التي تَحتمِلُ النَّقضَ والفَسخَ.
وأمَّا فيما سِوى ذلك فحُكمُه وحُكمُ البالِغِ العاقِلِ الرَّشيدِ سَواءٌ، فيَجوزُ طَلاقُه ونِكاحُه وإعتاقُه وتَدبيرُه واستيلادُه، وتَجِبُ عليه نَفَقةُ زَوجاتِه
وأقارِبِه والزَّكاةُ في مالِه، وحَجَّةُ الإسلامِ، ويُنفِقُ على زَوجاتِه وأقارِبِه ويُؤدِّي الزَّكاةَ مِنْ مالِه، ولا يُمنَعُ مِنْ حَجَّةِ الإسلامِ ولا مِنَ العُمرةِ ولا مِنَ القرابينِ وسَوقِ البَدَنةِ، لكنْ يُسلِّمُ القاضي النَّفَقةَ والكِراءَ والهَدْيَ على يَدِ أمينٍ لِيُنفِقَ عليه في الطَّريقِ ولا وِلايةَ عليه لِأبيه وجَدِّه ووَصيِّهما، ويَجوزُ إقرارُه على نَفْسِه بالحُدودِ والقِصاصِ، وتَجوزُ وَصاياه بالقُربِ في مَرَضِ مَوتِه مِنْ ثُلُثِ مالِه، وغَيرُ ذلك مِنَ التَّصرُّفاتِ التي تَصحُّ مِنَ العاقِلِ البالِغِ الرَّشيدِ؛ إلا أنَّه إذا تَزوَّجَ امرأةً بأكثَرَ مِنْ مَهرِ مِثلِها فالزِّيادةُ باطِلةٌ.
فأمَّا فيما سِوى ذلك فلا يَختَلِفانِ.
ولو باعَ السَّفيهُ أو اشتَرَى نَظَر القاضي في ذلك، فما كان خيرًا أجازَ، وما كان فيه مَضَرَّةٌ رَدَّه (١).
وستأتي المَسألةُ مُفصَّلةً في حُكمِ الحَجْرِ على السَّفيهِ إنْ شاءَ اللهُ ﷾.
(١) «المبسوط» (٢٤/ ١٦١، ١٦٢)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ١٧١)، و «الاختيار» (٢/ ١١٥، ١١٦)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٢٤٤، ٢٤٦)، و «اللباب» (١/ ٤٤٤، ٤٤٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٤١٠)، و «الهداية» (٣/ ٢٨٢)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ١٩٥)، و «البحر الرائق» (٨/ ٩١)، و «مجمع الضمانات» (٢/ ٨٩٩)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٤٠٣)، و «تفسير القرطبي» (٥/ ٩)، و «القوانين الفقهية» (٢١١)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٣٨٤، ٣٨٥)، و «شرح صحيح مسلم» لِلنووي (١٢/ ١٩١)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١١٥)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٤١٩)، و «النجم الوهاج» (٤/ ٤٠٩)، و «المغني» (٤/ ٢٩٦)، و «الإفصاح» (١/ ٤٣٠).
المجموع شرح المهذب · النووي · تابع كتاب البيوع
باب الحجر
قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب الحجر
إذا ملك الصبى أو المجنون مالا حجر عليه في ماله، والدليل عليه قَوْله تَعَالَى (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) فدل على أنه لا يسلم إليه المال قبل البلوغ والرشد.
(الشرح) الحجر في اللغة المنع والتضييق.
ومنه سمى الحرام حجرا.
قال الله تعالى " ويقولون حجرا محجورا " أي حراما محرما، ويسمى العقل حجرا.
قال تعالى " هل في ذلك قسم لذى حجر " سمى حجرا لمنعه صاحبه من ارتكاب القبائح، وما يضر العاقبة، وسمى حجر البيت حجرا لانه يمنع من الطواف به.
وفى الشريعة منع الانسان من التصرف في ماله والمحجور عليهم ثمانية، ثلاثة حجر عليهم لحق أنفسهم وخمسة حجر عليهم لحق غيرهم، فالذين حجر عليهم لحق أنفسهم: فالصبي والمجنون والسفيه.
والمحجور عليهم لحق غيرهم فهم المفلس يحجر عليه لحق الغرماء، والمريض لحق الورثة، والعبد القن.
والمكاتب - بفتح التاء لحق المكاتب بكسرها - والمرتد لحق المسلمين.
والاصل في ثبوت الحجر على الصبى قَوْله تَعَالَى " وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا " والابتلاء الاختبار.
قال تعالى " هو الذى خلقكم ليبلوكم أيكم أحسن عملا " أي ليختبركم واليتيم من مات أبوه وهو دون البلوغ.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا يُتْمَ بَعْدَ الحلم " وقوله تعالى " إذا بلغوا النكاح " أراد به البلوغ، فعبر عنه به، وقوله تعالى " آنستم منهم رشدا " أي علمتم منهم رشدا، فوضع الايناس موضع العلم، كما وضع الايناس موضع الرؤية في قوله تعالى " آنس من جانب الطور نارا " أي رأى
روى أنها نزلت في ثابت بن رفاعة وفى عمه.
ارجع إلى الأسباب الموجبة للحجر للاطلاع على جميع المسائل.