ثانيا: انتفاع المرتهن بالرهن

الإسلام > المعاملات المالية > الانتفاع بالرهن > ثانيا: انتفاع المرتهن بالرهن

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

ثانيا: انتفاع المرتهن بالرهن - الأقوال والأدلة

ثانيًا: انتِفاعُ المُرتَهَنِ بالرَّهنِ:

اختَلَف الفُقهاءُ في انتِفاعِ المُرتَهَنِ بالرَّهنِ، هل يَجوزُ أو لا؟

فقال جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ: لا يَجوزُ لِلمُرتَهَنِ أنْ يَنتفِعَ بالرَّهنِ بغَيرِ إذْنِ الراهِنِ، حتى لو كان الرَّهنُ دابَّةً، فليس له أنْ يَركَبَها، وإنْ كان ثَوبًا فليس له أنْ يَلبَسَه، وإنْ كان دارًا فليس له أنْ يَسكُنَها، وإنْ كان مُصحَفًا فليس له أنْ يَقرأَ فيه؛ لأنَّ عَقدَ الرَّهنِ يُفيدُ مِلكَ الحَبسِ، لا مِلكَ الانتِفاعِ، ولا يَحِقُّ له إجارَتُه ولا إعارَتُه، أي: ليس لِلمُرتَهَنِ الانتِفاعُ بإجارةٍ أو بإعارةٍ، إذا لَم يَكُنْ له الانتِفاعُ بنَفْسِه، فلا يَكونُ مالِكًا لِتَسليطِ الغَيرِ عليه إلا بإذْنِ الراهِنِ.

فإنْ أذِنَ جازَ له أنْ يَفعَلَ ما أذِنَ له فيه، وإنْ فَعَلَ مِنْ غيرِ إذْنٍ صارَ ضامِنًا.

قال المالِكيَّةُ: انتِفاعُ المُرتَهَنِ بالرَّهنِ لا يَجوزُ بغَيرِ إذْنِ الراهِنِ، ويَجوزُ بإذْنِه إذا كان ذلك شَرطًا في أصلِ البَيعِ في الدُّورِ والأرضينَ باتِّفاقٍ، وفي

الحَيوانِ والثِّيابِ على اختِلافٍ، ولا يَجوزُ ذلك بعدَ عَقدِ البَيعِ ولا في السَّلَفِ بحالٍ.

وقالوا أيضًا: يَجوزُ لِلمُرتَهَنِ شَرطُ مَنفَعةٍ في الرَّهنِ، كسُكنى أو رُكوبٍ أو خِدمةٍ بشَرطَيْنِ:

١ - إنْ عُيِّنتْ بزَمَنٍ أو عَمَلٍ؛ لِلخُروجِ مِنَ الجَهالةِ في الإجارةِ في دَينِ بَيعٍ فَقَطْ، لا في قَرضٍ، فلا يَجوزُ؛ لأنَّه في البَيعِ بَيعٌ وإجارةٌ، وهو جائِزٌ، وفي القَرضِ سَلَفٌ جَرَّ نَفعًا، وهو لا يَجوزُ.

٢ - وعلى أنْ تُحسَبَ مِنَ الدَّينِ مُطلَقًا.

وقال الحَنابِلةُ في المَذهبِ: يَجوزُ لِلمُرتَهَنِ رُكوبُ الرَّهنِ وحَلبُه بقَدْرِ نَفَقَتِه بلا إذْنِ الراهِنِ، ولو حاضِرًا مُتحَرِّيًا العَدلَ في ذلك؛ لِما رَوى البُخاريُّ وغَيرُه عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ أنَّه قال: «الرَّهنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذا كان مَرْهُونًا، ولَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إذا كان مَرْهُونًا، وعَلَى الذي يَرْكَبُ ويَشْرَبُ النَّفَقَةُ» (١).

ولأنَّ الحَيوانَ نَفَقتُه واجِبةٌ، ولِلمُرتَهَنِ فيه حَقٌّ، وقد أمكَنَه استِيفاءُ حَقِّه جازَ كما يَجوزُ لِلمَرأةِ أخْذُ مُؤنَتِها مِنْ مالِ زَوجِها عندَ عَدَمِ الإنفاقِ عليها، لا يُقالُ مِنْ مَنافِعِه مع بَقاءِ عَينِه، المُرادُ به أنَّ الراهِنَ يُنْفِقُ ويَنتفِعُ؛ لأنَّه مَدفوعٌ بما رُوِيَ إذا كانتِ الدَّابَّةُ مَرهونةً فعلى المُرتَهَنِ عَلَفُها، فجَعَل المُرتَهَنَ هو المُنفِقَ، فيَكونُ هو المُنتفِعَ، وقَولُه: (بنَفَقَتِه)، أي: بسَبَبِها؛ إذْ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه البخاري (٢٣٧٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الرهن
فصل في حكم الرهن

أَيْضًا يَخْرُجُ الرَّهْنُ بِالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛؛ لِأَنَّ الْمَكْفُولَ بِهِ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ الرَّهْنِ.

فَصْلٌ فِي حُكْمِ الرَّهْنِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا حُكْمُ الرَّهْنِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الرَّهْنُ نَوْعَانِ: صَحِيحٌ، وَفَاسِدٌ.

(أَمَّا) الْأَوَّلُ فَلَهُ أَحْكَامٌ بَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ قِيَامِ الْمَرْهُونِ وَبَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ هَلَاكِهِ.

(أَمَّا) الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِحَالِ قِيَامِهِ فَعِنْدَنَا ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ مِلْكُ حَبْسِ الْمَرْهُونِ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَامِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، أَوْ مِلْكِ الْعَيْنِ فِي حَقِّ الْحَبْسِ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَامِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، وَكَوْنُ الْمُرْتَهِنِ أَحَقَّ بِحَبْسِ الْمَرْهُونِ عَلَى سَبِيلِ اللُّزُومِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، وَالْعِبَارَاتُ مُتَّفِقَةُ الْمَعَانِي فِي مُتَعَارَفِ الْفُقَهَاءِ.

(وَالثَّانِي) اخْتِصَاصُ الْمُرْتَهِنِ بِبَيْعِ الْمَرْهُونِ أَوْ اخْتِصَاصُهُ بِثَمَنِهِ، وَهَذَانِ الْحُكْمَانِ أَصْلِيَّانِ لِلرَّهْنِ عِنْدَنَا.

(وَالثَّالِثُ) وُجُوبُ تَسْلِيمِ الْمَرْهُونِ عِنْدَ الِافْتِكَاكِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمة الله عليه الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ لِلرَّهْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ كَوْنُ الْمُرْتَهِنِ أَحَقَّ بِبَيْعِ الْمَرْهُونِ وَأَخَصَّ بِثَمَنِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الرهن)
(باب انتفاع الراهن بما يرهنه)

(باب انتفاع الراهن بما يرهنه)

" قال حدثنا إبراهيم بن محمد قال أخبرني المزني قال (قال الشافعي) وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال " الرهن مركوب ومحلوب " (قال) ومعنى هذا القول أَنَّ مَنْ رَهَنَ ذَاتَ دَرٍّ وَظَهْرٍ لَمْ يمنع الراهن من ظهرها ودرها وأصل المعرفة بهذا الباب أن للمرتهن حقا في رقبة الرهن دون غيره وما يحدث مما يتميز منه غيره " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ نَمَاءُ الرَّهْنِ وَمَنَافِعُهُ مِنْ ثَمَرَةٍ وَنِتَاجٍ وَدَرٍّ وَرُكُوبٍ وَسُكْنَى، مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ دُونَ الْمُرْتَهِنِ، سَوَاءٌ أَنْفَقَ عَلَى الرَّهْنِ أَمْ لَا.

وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وأبي حنيفة.

وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: جَمِيعُ نَمَاءِ الرَّهْنِ وَسَائِرُ مَنَافِعِهِ مِلْكُ الْمُرْتَهِنِ دُونَ الرَّاهِنِ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْمُنْفِقُ عَلَى الرَّهْنِ أَمْ لا.

وقال أبو ثور: إذا كان الراهن هو الذي ينفق على الرهن، فالنماء والمنافع له.

وإذا كان المرتهن هُوَ الْمُنْفِقُ عَلَى الرَّهْنِ، فَالنَّمَاءُ وَالْمَنَافِعُ لَهُ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الرهن
٧٩٤ - مسألة؛ قال: (ولا ينتفع المرتهن من الرهن بشىء، إلا ما كان مركوبا أو محلوبا، فيركب ويح

وغيرِه، لِكَوْنِه ما انْتَفَعَ بالقَرْضِ، بل بالإِجارَةِ، وإن حابَاهُ فى ذلك فحُكْمُه حُكْمُ الانْتِفَاعِ بغيرِ عِوَضٍ، لا يجوزُ فى القَرْضِ، ويجوزُ فى غيرِه. ومتى اسْتَأْجَرَها المُرْتَهِنُ، أو اسْتَعَارَها، فظَاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّها تَخْرُجُ عن كَوْنِها رَهْنًا، فمتى انْقَضَتِ الإِجَارَةُ، أو العَارِيَّةُ، عَادَ الرَّهْنُ بحالِه. قال أحمدُ، فى رِوَايَةِ الحسنِ بن ثَوَابٍ عن أحْمَدَ . إذا كان الرَّهْنُ دَارًا، فقال المُرْتَهِنُ: اسْكُنْها بكِرَائِها، وهى وَثِيقَةٌ بِحَقِّى. يَنْتَقِلُ فيَصِيرُ دَيْنًا، ويَتَحَوَّل عن الرَّهْنِ. وكذلك إن أكْرَاها لِلرَّاهِنِ، قال أحمدُ، فى رِوَايَةِ ابن منصورٍ: إذا ارْتَهَنَ دَارًا، ثمَّ أكْرَاهَا لِصَاحِبِها، خَرَجَتْ من الرَّهْنِ، فإذا رَجَعَتْ إليه صَارَتْ رَهْنًا. والأَوْلَى أَنَّها لا تَخْرُجُ عن الرَّهْنِ، إذا اسْتَأْجَرَها المُرْتَهِنُ، أو اسْتَعَارَها؛ لأنَّ القَبْضَ مُسْتَدامٌ، ولا تَنَافِىَ بين العَقْدَيْنِ، وكَلامُ أحمدَ فى رِوَايَةِ الحَسَنِ بن ثَوَابٍ، مَحْمُولٌ على أَنَّه أذِنَ للرَّاهِنِ فى سُكْنَاها، كما في رِوايَةِ ابن منصورٍ؛ لأنَّها خَرَجَتْ عن يَدِ المُرْتَهِنِ، فزَالَ اللُّزُومُ لِزَوَالِ اليَدِ، بخِلَافِ ما إذا سَكَنَها المُرْتَهِنُ. ومتى اسْتَعَارَ المُرْتَهِنُ الرَّهْنَ صَارَ مَضْمُونًا عليه. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا ضَمَانَ عليه. ومَبْنَى ذلك على العَارِيَّةِ، فإنَّها عِنْدَنَا مَضْمُونَةٌ، وعِنْدَهُ غيرُ مَضْمُونَةٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 320 - 321
بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده