النفقة على الرهن

الإسلام > المعاملات المالية > الرهن محبوس بجميع المال إلى أن يقضي جميع الدين > النفقة على الرهن

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 27 دقيقة قراءة

النفقة على الرهن - الأقوال والأدلة

فيُباعُ الرَّهنُ، فإنْ كان ثَمَنُه وَفقَ حَقِّه أخَذَه، وإنْ كان فيه فَضلٌ عن دَينِه رَدَّ البَقيَّةَ على الغُرَماءِ، وإنْ بَقيَ مِنْ دَينِه شَيءٌ أُخِذَ ثَمَنُه وضُرِبَ مع الغُرَماءِ ببَقيَّةِ دَينِه، ثم مِنْ بَعدِ ذلك مَنْ وَجَد عَينَ مالِه فهو أحَقُّ به، ثم يُقسَّمُ البَقيَّةُ بينَ الغُرَماءِ على قَدْرِ دُيونِهم … ولا فَرقَ في استِحقاقِ ثَمَنِ الرَّهنِ والاختِصاصِ به بينَ كَونِ الرَّهنِ حَيًّا أو مَيِّتًا؛ لأنَّ تَقديمَ حَقِّه مِنْ حيثُ كان حَقُّه مُتعلِّقًا بعَينِ المالِ، وهذا المَعنى لا يَختلِفُ بالحياةِ والمَوتِ، فكذلك ما ثَبَت به كأرشِ الجِنايةِ (١).

النَّفَقةُ على الرَّهنِ:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ نَفَقةَ الرَّهنِ إذا لَم تَكُنْ مَركوبًا ولا مَحلوبًا على الراهِنِ دونَ المُرتَهَنِ؛ لقَولِ النَّبيِّ : «لَهُ غُنْمُهُ -أَيْ مَنَافِعُهُ- وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ-أَيْ نَفَقَتُهُ وَكِسْوَتُهُ» (٢)؛ ولأنَّه مِلكُه تَكونُ على مالِكِه.

قال الإمامُ الطَّحاويُّ رحمة الله عليه: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ نَفَقةَ الرَّهنِ على الراهِنِ، لا على المُرتَهَنِ، وأنَّه ليس لِلمُرتَهَنِ استِعمالُ الرَّهنِ (٣).

وقال الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّ نَفَقةَ الرَّهنِ على الراهِنِ.

(١) «المغني» (٤/ ٢٦٢، ٢٦٣).
(٢) رواه ابن حبان في «صحيحه» (٥٩٣٤)، والدارقطني في «سننه» (٣/ ٣٢)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٦٨)، وقال الحاكمُ: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرطِ الشَّيخَينِ ولم يخرِّجاه.
(٣) «شرح معاني الآثار» (٤/ ٩٩).

وأجمَعوا أيضًا على أنَّه إذا أنفَقَ المُرتَهَنُ على الرَّهنِ بإذْنِ الحاكِمِ أو غَيرِه مع غَيبةِ الراهِنِ أو امتِناعِه كان دَينًا لِلمُنفِقِ على الراهِنِ (١).

وإنَّما اختَلَفوا فيما لو أنفَقَ المُرتَهَنُ على الرَّهنِ بدونِ إذْنِ الحاكِمِ ولَم يَكُنْ مُتبرِّعًا، هل يَرجِعُ على الراهِنِ أم لا؟ على تَفصيلٍ في هذا في كلِّ مَذهبٍ.

قال الحَنفيَّةُ: نَفَقةُ الرَّهنِ على الراهِنِ، لا على المُرتَهَنِ؛ لقَولِ النَّبيِّ : «لَهُ غُنْمُهُ -أَيْ مَنَافِعُهُ- وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ -أَيْ نَفَقَتُهُ وَكِسْوَتُهُ» (٢)؛ ولأنَّه مِلكُه تَكونُ على مالِكِه.

والأصلُ أنَّ ما كان مِنْ حُقوقِ المِلكِ فهو على الراهِنِ؛ لأنَّ المِلكَ له، وما كان مِنْ حُقوقِ اليَدِ فهو على المُرتَهَنِ؛ لأنَّ اليَدَ له، فإذا عُرِفَ هذا نَقولُ:

الرَّهنُ إذا كان دابَّةً فالعَلَفُ وأُجرةُ الراعي على الراهِنِ؛ لأنَّ الرَّعيَ يَحتاجُ إليه لِزيادةِ الحَيَوانِ ونَمائِه، فصارَ كنَفَقتِه، وإنْ كان بُستانًا فسَقْيُه وتَلقيحُ نَخلِه وجِذاذُه والقيامُ بمَصالِحِه عليه، سَواءٌ كان في قيمةِ الرَّهنِ فَضلٌ على الدَّينِ أو لَم يَكُنْ؛ لأنَّ هذه الأشياءَ مِنْ حُقوقِ المِلكِ، ومُؤناتَ المِلكِ تَكونُ على المالِكِ، والمِلكَ لِلراهِنِ، فكانت المُؤنةُ عليه والخَراجُ على الراهِنِ؛ لأنَّه مُؤنةُ المِلكِ.

ولو كان في الرَّهنِ نَماءٌ فأرادَ الراهِنُ أنْ يَجعَلَ النَّفَقةَ التي ذَكَرنا أنَّها

(١) «الإفصاح» (١/ ٤٢٠).
(٢) تقدَّم تخريجُه.

عليه في نَماءِ الرَّهنِ فليس له ذلك؛ لأنَّ زَوائِدَ المَرهونِ مَرهونةٌ تَبَعًا لِلأصلِ، فلا يَملِكُ الإنفاقَ منها، كما لا يَملِكُ الإنفاقَ مِنَ الأصلِ.

فإنْ أنفَقَ المُرتَهَنُ على الرَّهنِ بغَيرِ إذْنِ الراهِنِ والراهِنُ غائِبٌ فهو مُتطوِّعٌ.

فإنْ أمَرَه القاضي بذلك فهو دَينٌ على الراهِنِ؛ لأنَّ القاضيَ له وِلايةٌ على الغائِبِ، ولا يُصدَّقُ المُرتَهَنُ على النَّفَقةِ إلا ببَيِّنةٍ أو بتَصديقِ الراهِنِ.

وأُجرةُ البَيتِ الذي يُحفَظُ فيه الرَّهنُ على المُرتَهَنِ، وكذلك أُجرةُ الحُفَّاظِ؛ لأنَّ الرَّهنَ في ضَمانِه، حتى لو شَرَط الراهِنُ لِلمُرتَهَنِ أجرًا على حِفظِه فحَفِظَ، لا يَستحِقُّ شَيئًا مِنَ الأجرِ؛ لأنَّ حِفظَ الرَّهنِ عليه، فلا يَستحِقُّ الأجرَ بإتيانِ ما هو واجِبٌ عليه بخِلافِ المُودِعِ إذا شَرَط لِلمُودَعِ أجرًا على حِفظِ الوَديعةِ أنَّ له الأجرَ؛ لأنَّ حِفظَ الوَديعةِ ليس بواجِبٍ عليه، فجازَ شَرطُ الأجرِ، وأُجرةُ الحافِظِ عليه؛ لأنَّها مُؤنةُ الحِفظِ، ولأنَّ الحِفظَ عليه.

ورُويَ عن أبي يُوسُفَ رحمة الله عليه أنَّ كِراءَ المَأْوَى على الراهِنِ، وجعَله بمَنزِلةِ النَّفَقةِ (١).

وقال المالِكيَّةُ: الرَّهنُ إذا احتاجَ إلى نَفَقةٍ فأنفَقَ المُرتَهَنُ عليه نَفَقةً فإنَّه يَرجِعُ بها في ذِمَّةِ الراهِنِ، لا في عَينِ الرَّهنِ، حَيوانًا كان أو عَقارًا، وسَواءٌ أذِنَ الراهِنُ له في الإنفاقِ على الرَّهنِ أو لا؛ لأنَّه قام عنه بواجِبٍ، وسَواءٌ كان

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٥١)، و «الاختيار» (٢/ ٧٨)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٢١٨، ٢٢٠)، و «اللباب» (١/ ٤٣٤)، و «مختصر اختلاف العُلماء» (٤/ ٣٠٧، ٣٠٨).

الراهِنُ حاضِرًا أو غائِبًا، مَليئًا أو مُعدِمًا، ولو زادَتِ النَّفَقةُ على قيمةِ الرَّهنِ؛ لأنَّه مالِكٌ له وله غَلَّتُه؛ ولأنَّ مَنْ له الغَلَّةُ عليه النَّفَقةُ كالبَيعِ الفاسِدِ، فالنَّفَقةُ على الرَّهنِ كالسَّلَفِ.

إلا أنْ يُصرِّحَ الراهِنُ بأنَّه رَهنٌ بها، فإنْ صرَّح بأنْ قال الراهِنُ لِلمُرتَهَنِ: «أنفِقْ على الرَّهنِ وهو رَهنٌ في النَّفَقةِ، أو بما أنفَقتَ»، أو: «على ما أنفَقتَ»، كان رَهنًا بها يُقدَّمُ على الغُرماءِ بنَفَقتِه في ذلك الرَّهنِ قَطعًا، وله حَبسُه بنَفَقتِه وبما رَهَنه فيه.

ومَن ارتَهَن نَخلًا ببِئرِها، أو زَرعًا أخضَرَ ببِئرِه فانهارَتِ البِئرُ وأبى الراهِنُ أنْ يُصلِحَها، فأصلَحَ المُرتَهَنُ البِئرَ وأنفَقَ عليها لِخَوفِ هَلاكِ الزَّرعِ والنَّخلِ والشَّجَرِ فلا رُجوعَ له بما أنفَقَ على الراهِنِ، ولكنْ يَكونُ له ذلك في ثَمَنِ النَّخلِ أو الزَّرعِ قبلَ دَينِه؛ لأنَّه إذا لَم يُنفِقْ على ذلك هَلَك الرَّهنُ، فلَحِقَه الضَّرَرُ، فإنْ ساوى ما ذُكِرَ النَّفَقةَ أخَذَها المُرتَهَنُ، وإنْ قَصُرَ ذلك عن نَفَقتِه لَم يَتبَعِ الراهِنَ بالزائِدِ وضاعَ عليه، وكان أُسوةَ الغُرماءِ بدَينِه، وإنْ زادَ على نَفَقتِه بُدِئَ بها في دَيْنِه، فإنْ زاد شَيءٌ كان لِلراهِنِ (١).

وقال الشافِعيَّةُ: إذا رهَنه ثَمَرةً فعلى الراهِنِ سَقيُها وصَلاحُها وجِدادُها وَتشميسُها، وكلُّ ما احتاجَتِ الثَّمَرةُ إليه مِنْ نَفَقةِ سَقيٍ أو مُؤنةِ حِفظٍ فهي

(١) «شرح مختصر خليل» (٥/ ٢٥٤، ٢٥٥)، و «تحبير المختصر» (٤/ ١٠٦، ١٠٩)، و «الشرح الكبير» (٤/ ٤٠٧، ٤٠٩)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٦، ٢٩)، و «الإشراف» (٣/ ١٩).

واجِبةٌ على الراهِنِ دونَ المُرتَهَنِ؛ لِقوَلِ النَّبيِّ : «لا يَغلَقُ الرَّهنُ مِنْ راهِنِه الذي رهَنه، له غُنمُه وعليه غُرمُه»، ولأنَّ نَفَقةَ الرَّهنِ - لو كان دابَّةً- واجبةٌ على الراهِنِ، فكذلك الثَّمَرةُ.

فإنِ اكتَرى المُرتَهَنُ مَنزِلًا مِنْ مالِه لِإحرازِ الرَّهنِ فيه فلا يَخلو حالُ الراهِنِ مِنْ أحَدِ أمرَيْنِ:

إمَّا أنْ يَكونَ حاضِرًا أو غائبًا، فإنْ كان الراهِنُ حاضرًا لَم يَخْلُ حالُ المُرتَهَنِ في دَفعِ الكِراءِ مِنْ أحَدِ أمرَيْنِ: إمَّا أنْ يَدفَعَه بإذْنِ الراهِنِ، أو بغَيرِ إذْنِه، فإنْ دَفَعه بغَيرِ إذْنِه كان مُتطوِّعًا به، وليس له الرُّجوعُ، وإنْ دَفَعه بإذْنِه فعلى ضَربَيْنِ:

أحَدُهما: أنْ يَكونَ بشَرطِ الرُّجوعِ بما يَدفَعُ، فله أنْ يَرجِعَ به على الراهِنِ.

والآخَرُ: أنْ يَكونَ بغَيرِ شَرطِ الرُّجوعِ، ففي رُجوعِه على الراهِنِ وَجهانِ.

فأمَّا إنْ كان الراهِنُ غائبًا فإنْ دَفَع المُرتَهَنُ الكِراءَ بإذْنِ الحاكِمِ فله الرُّجوعُ به، وإنْ كان بغَيرِ إذْنِه فإنْ كان الحاكِمُ مَوجودًا والمُرتَهَنُ قادرًا على استِئذانِه فلا رُجوعَ لِلمُرتَهَنِ بالكِراءِ، وإنْ كان الحاكِمُ غيرَ مَوجودٍ ففي رُجوعِه على الراهِنِ بالكِراءِ وَجهان (١).

وقال الحَنابِلةُ: مُؤنةُ الرَّهنِ مِنْ طَعامِه وكِسوَتِه ومَسكَنِه وحِفظِه وحِرزِه ومَخزَنِه وغَيرِ ذلك على الراهِنِ؛ لقَولِ النَّبيِّ : «الرَّهنُ مِنْ راهِنِه، له غُنمُه وعليه غُرمُه»، ولأنَّه نَوعُ إنفاقٍ، فكان على الراهِنِ كالطَّعامِ،

(١) «الحاوي الكبير» (٦/ ٢٤٠، ٢٤١).

ولأنَّ الرَّهنَ مِلكٌ لِلراهِنِ كان عليه مَسكَنُه وحِفظُه كغَيرِ الرَّهنِ.

وإنِ احتيجَ إلى مُداواتِه لِمَرَضٍ أو جُرحٍ فذلك على الراهِنِ.

وإنْ كان الرَّهنُ ثَمَرةً فاحتاجَتْ إلى سَقيٍ وتَسويةٍ وجِذاذٍ فذلك على الراهِنِ.

وإنْ كان الرَّهنُ ماشيةً تَحتاجُ إلى إطراقِ الفَحلِ لَم يُجبَرِ الراهِنُ عليه؛ لأنَّه ليس عليه ما يَتضَمَّنُ زيادةً في الرَّهنِ، وليس ذلك مما يَحتاجُ إليه لِبَقائِها، ولا يُمنَعُ مِنْ ذلك؛ لِكَونِها زيادةً لَهما لا ضَرَرَ على المُرتَهَنِ فيها.

وإنِ احتاجَتْ إلى رَعيٍ فعلى الراهِنِ أنْ يُقيمَ لها راعيًا؛ لأنَّ ذلك يَجري مَجرى عَلَفِها، وإنْ أرادَ الراهِنُ السَّفَرَ بها لِيَرعاها في مَكانٍ آخَرَ، وكان لها في مَكانِها مَرعًى تَتماسَكُ به، فلِلمُرتَهَنِ مَنعُه مِنْ ذلك؛ لأنَّ في السَّفَرِ بها إخراجَها عن نَظَرِه ويَدِه.

فإنْ كان الرَّهنُ نَخلًا فاحتاجَ إلى تأبيرٍ فهو على الراهِنِ، وليس لِلمُرتَهَنِ مَنعُه؛ لأنَّ فيه مَصلَحةً بغَيرِ مَضَرَّةٍ، وما يَسقُطُ مِنْ لِيفٍ أو سَعفٍ أو عَراجينَ فهو مِنَ الرَّهنِ؛ لأنَّه مِنْ أجزائِه أو مِنْ نَمائِه.

وكلُّ زيادةٍ تَلزَمُ الراهِنَ إذا امتَنَعَ أجبَرَه الحاكِمُ عليها؛ وإنْ لَم يَفعَلِ اكتَرى له الحاكِمُ مِنْ مالِه، فإنْ لَم يَكُنْ له مالٌ اكتَرى مِنَ الرَّهنِ، فإنْ بَذَلَها المُرتَهَنُ مُتطوِّعًا لَم يَرجِعْ بشَيءٍ.

وإنْ أنفَقَ بإذْنِ الراهِنِ أو إذْنِ الحاكِمِ عندَ تَعذُّرِ إذْنِ الراهِنِ مُحتَسِبًا رَجَع به، وإنْ تَعذَّرَ إذْنُهما أشهَدَ على أنَّه أنفَقَ لِيَرجِعَ بالنَّفَقةِ، وله الرُّجوعُ بها.

وإنْ أنفَقَ المُرتَهَنُ على الرَّهنِ بغَيرِ إذْنِ الراهِنِ مع إمكانِ استِئذانِه فهو مُتبرِّعٌ، ولو نَوَى الرُّجوعَ لأنَّه مُفرِّطٌ، حيث لَم يَستأذِنِ المالِكُ؛ إذِ الرُّجوعُ فيه مَعنى المُعاوَضةِ، فافتَقَر إلى الإذْنِ والرِّضا كسائِرِ المُعاوَضاتِ.

وإنْ عَجَز المُرتَهَنُ عن استِئذانِ الراهِنِ لِنَحوِ غَيبةٍ رَجَع المُرتَهَنُ عليه إذا نَوَى الرُّجوعَ؛ لأنَّه قامَ عنه بواجِبٍ، وهو مُحتاجٌ إليه لِحُرمةِ حَقِّه، ويَرجِعُ بالأقَلِّ مما أنفَقَه، وبنَفَقةِ مِثلِه، فإنْ كانتْ نَفَقةُ مِثلِه خَمسةً وأنفَقَ أربعةً رَجَع بالأربعةِ؛ لأنَّها التي أنفَقَها، وإنْ كانتْ بالعَكسِ رَجَع أيضًا بالأربعةِ لأنَّ الزائدَ على نَفَقةِ المِثلِ تَبرُّعٌ.

فإنْ لَم يُنوِّهْ فهو مُتبرِّعٌ لا رُجوعَ له.

وإنْ أنفَقَ مِنْ غيرِ استِئذانِ الحاكِمِ مع إمكانِه، أو مِنْ غيرِ إشهادٍ بالرُّجوعِ عندَ تَعذُّرِ استِئذانِه لِيَرجِعَ به رَجَع في أصَحِّ الرِّوايتَيْنِ.

ومِثلُ حُكمِ النَّفَقةِ على الرَّهنِ حُكمُ النَّفَقةِ على وَديعةٍ وعاريةٍ وجِمالٍ ونَحوِها، كبِغالٍ وحَميرٍ إذا هَرَب صاحِبُها وتَرَكها في يَدِ مُكتَرٍ وأنفَقَ عليها، فإنْ كان بنِيَّةِ الرُّجوعِ رَجَع وإلَّا فلا.

وإنِ انهَدَّتِ الدارُ المَرهونةُ فعَمَرَها المُرتَهَنُ بغَيرِ إذْنِ الراهِنِ لَم يَرجِعِ المُرتَهَنُ بما أنفَقَه في عِمارَتِها، ولو نَوى الرُّجوعَ؛ لأنَّه ليس بواجِبٍ على الراهِنِ بخِلافِ نَفَقةِ الحَيَوانِ.

وكذا مُستأجِرٌ ومُستَعيرٌ ووَديعٌ (١).

(١) «المغني» (٤/ ٢٥٥، ٢٥٧)، و «كشاف القناع» (٣/ ٤١٥، ٣٩٥، ٤١٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الرهن)
(فصل)

(وَفَارَقَتْكَ بِدَيْنٍ لَا فَكَاكَ لَهُ ... يَوْمَ الْوَدَاعِ فأنسى الدين قَدْ غَلِقَا)

وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَقْرَبُ النَّفَقَةُ.

وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَهَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دِرْعَهُ عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَبْلَ فَكَاكِهِ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: افْتَكَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى وَهَذِهِ صِفَةٌ تَنْتَفِي عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -.

وَقَالَ آخَرُونَ وَهُوَ الصَّحِيحُ: أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ فَكَاكِهِ لِرِوَايَةِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى مَحْمُولًا عَلَى مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً.

(فَصْلٌ)

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الرهن
فصل في حكم الرهن

أَيْضًا يَخْرُجُ الرَّهْنُ بِالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛؛ لِأَنَّ الْمَكْفُولَ بِهِ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ الرَّهْنِ.

فَصْلٌ فِي حُكْمِ الرَّهْنِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا حُكْمُ الرَّهْنِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الرَّهْنُ نَوْعَانِ: صَحِيحٌ، وَفَاسِدٌ.

(أَمَّا) الْأَوَّلُ فَلَهُ أَحْكَامٌ بَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ قِيَامِ الْمَرْهُونِ وَبَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ هَلَاكِهِ.

(أَمَّا) الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِحَالِ قِيَامِهِ فَعِنْدَنَا ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ مِلْكُ حَبْسِ الْمَرْهُونِ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَامِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، أَوْ مِلْكِ الْعَيْنِ فِي حَقِّ الْحَبْسِ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَامِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، وَكَوْنُ الْمُرْتَهِنِ أَحَقَّ بِحَبْسِ الْمَرْهُونِ عَلَى سَبِيلِ اللُّزُومِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، وَالْعِبَارَاتُ مُتَّفِقَةُ الْمَعَانِي فِي مُتَعَارَفِ الْفُقَهَاءِ.

(وَالثَّانِي) اخْتِصَاصُ الْمُرْتَهِنِ بِبَيْعِ الْمَرْهُونِ أَوْ اخْتِصَاصُهُ بِثَمَنِهِ، وَهَذَانِ الْحُكْمَانِ أَصْلِيَّانِ لِلرَّهْنِ عِنْدَنَا.

(وَالثَّالِثُ) وُجُوبُ تَسْلِيمِ الْمَرْهُونِ عِنْدَ الِافْتِكَاكِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمة الله عليه الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ لِلرَّهْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ كَوْنُ الْمُرْتَهِنِ أَحَقَّ بِبَيْعِ الْمَرْهُونِ وَأَخَصَّ بِثَمَنِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الرهن
٧٨٦ - مسألة؛ قال: (وإذا قبض الرهن من تشارطا أن الرهن يكون على يده، صار مقبوضا)

لا يكونُ مَقْبُوضًا بذلك؛ لأنَّ القَبْضَ مِن تَمَامِ العَقْدِ، فتَعَلَّقَ بأحَدِ المُتَعَاقِدَيْنِ، كالإِيجابِ والقَبُولِ. ولَنا، أنَّه قَبْضٌ فى عَقْدٍ، فجازَ فيه التَّوْكِيلُ، كسَائِرِ القُبُوضِ، وفَارَقَ القَبُولَ؛ لأنَّ الإِيجَابَ إذا كان لِشَخْصٍ كان القَبُولُ منه، لأنَّه يُخَاطَبُ به، ولو وَكَّلَ فى الإِيجَابِ والقَبُولِ قبلَ أن يُوجِبَ له، صَحَّ أيضا، وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالقَبْضِ فى البَيْعِ، فيما يُعْتَبَرُ القَبْضُ فيه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يجوزُ أن يَجْعَلَا الرَّهْنَ على يَدَىْ مَن يجوزُ تَوْكِيلُه، وهو الجائِزُ التَّصَرُّفِ، مُسْلِمًا كان أو كَافِرًا، عَدْلًا أو فَاسِقًا، ذَكَرًا أو أُنْثَى، ولا يجوزُ أن يكونَ صَبِيًّا؛ لأنَّه غيرُ جائِزِ التَّصَرُّفِ مُطْلَقًا، فإن فَعَلَا كان قَبْضُه وعَدَمُ القَبْضِ واحِدًا ، ولا عَبْدًا بغيرِ إِذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّ مَنَافِعَ العَبْدِ لِسَيِّدِه، فلا يجوزُ تَضْيِيعُها فى الحِفْظِ بغير إِذْنِهِ ، فإن أَذِنَ له السَّيِّدُ، جَازَ. وأما المُكَاتَبُ، فإن كان بِجُعْلٍ، جازَ؛ لأنَّ له الكَسْبَ، وبَذْلَ مَنَافِعِه بغيرِ إِذْنِ السَّيِّدِ، وإن كان بغيرِ جُعْلٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه ليس له التَّبَرُّعُ بمَنَافِعِه.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 337 - 343

ارجع إلى الرهن محبوس بجميع المال إلى أن يقضي جميع الدين للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله