الكفالة بجعل

الإسلام > المعاملات المالية > انقضاء الكفالة أو متى تنقضي الكفالة أو بم تنقضي الكفالة > الكفالة بجعل

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

الكفالة بجعل - الأقوال والأدلة

وأمَّا إذا مات الكَفيلُ؛ فلأنَّه عجَز عن تَسليمِ المَكفولِ بنَفْسِه لا مَحالةَ.

فإنْ قيلَ: فليُؤدِّ الدَّينَ مِنْ مالِه، أُجيبَ بأنَّ مالَه لا يَصلُحُ لِإيفاء هذا الواجِبِ، وهو إحضارُ المَكفولِ به، وتَسليمُه إلى المَكفولِ له، لا أصالةً، وهو ظاهِرٌ؛ لأنَّه لَم يَلتزمِ المالَ، ولا نيابةَ، لأنَّه لا يَنوبُ عن النَّفْسِ، بخِلافِ الكَفيلِ بالمالِ؛ فإنَّ الكَفالةَ لا تَبطُلُ بمَوتِه؛ لأنَّ مالَه يَصلحُ نائِبًا، إذِ المَقصودُ إيفاءُ حَقِّ المَكفولِ له بالمالِ، ومالُ الكَفيلِ صالِحٌ لذلك، فيُؤخَذُ مِنْ تَرِكتِه، ثم يَرجعُ وَرَثتُه بذلك على المَكفولِ عنه، إذا كانت الكَفالةُ بأمرِه كما في حالةِ الحياةِ.

وإذا مات المَكفولُ له فلِلوصيِّ أنْ يُطالِبَ الكَفيلَ إنْ كان له وَصيٌّ، وإنْ لَم يَكُنْ فلِوارِثِه أنْ يَفعلَ ذلك؛ لِقيامِ كُلٍّ منهما مَقامَ الميِّتِ (١). اه.

الكَفالةُ بجُعلٍ:

مِنَ المَعلومِ في الفِقهِ الإسلاميِّ أنَّ الكَفالةَ عَقدُ تَبرُّعٍ، فلا يَجوزُ تَقاضي الأُجرةِ عليها، كالقَرضِ، وعليه؛ فإنَّ جُمهورَ أهلِ العِلمِ على عَدمِ الجَوازِ لِأخذِ العِوَضِ على الضَّمانِ (٢).

قال ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: أجمَعَ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ

(١) «العناية شرح الهداية» (٦/ ٢٨٩)، و «الهداية شرح البداية» (٣/ ٨٨).
(٢) يُنظر: «مجمع الضمانات» (٦٠٤، ٦١٠)، و «الشرح الكبير» للدردير مع «حاشية الدسوقي» (٣/ ٤٠٤)، و «الشرح الصغير» (٣/ ٢٤٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٧٥)، و «الفروع» لابن مفلح (٤/ ٢٠٧)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٦٢)، و «الفتاوى» لابن تيمية (٣٠/ ٢١٥، ٢١٦).

الحَمالةَ الكَفالةُ بجُعلٍ يأخُذُه الحَميلُ، لا تَحِلُّ ولا تَجوزُ، واختلَفوا في ثُبوتِ الضَّمانِ على الشَّرطِ؛ فكان الثَّوريُّ يَقولُ: إذا قال الرَّجلُ لِلرَّجلِ: «اكفُلْ عنِّي ولكَ ألْفُ دِرهَمٍ»؛ فإنَّ الكَفالةَ جائِزةٌ، وتُردُّ إليه الألْفُ دِرهَمٍ … ، وقال أحمدُ في مَسألةِ الكَفالةِ: ما أرى هذا يأخُذُ شَيئًا بحَقٍّ، وقال إسحاقُ: ما أعطاه مِنْ شَيءٍ فهو حَسَنٌ (١)، ومُرادُ إسحاقَ ما أعطى عن طِيبِ نَفْسٍ دونَ شَرطٍ.

قال في «فَتحِ القَديرِ»: «وفي الخُلاصةِ: كفَل بمالٍ على أنْ يَجعلَ له الطالِبُ جُعلًا؛ فإنْ لَم يَكُنْ مَشروطًا في الكَفالةِ فالشَّرطُ باطِلٌ، وإنْ كان مَشروطًا فيها فالكَفالةُ باطِلةٌ» (٢).

قال في «البَزَّازيةِ» مُوضِّحًا السَّببَ في مَنعِ الأُجرةِ على الكَفالةِ: «كفَل بمالٍ على أنْ يَجعلَ له الطالِبُ جُعلًا؛ فإنْ لَم يَكُنْ مَشروطًا في الكَفالةِ فالشَّرطُ باطِلٌ، أي: الجُعلُ باطِلٌ والكَفالةُ جائِزةٌ؛ لأنَّ الكَفيلَ مُقرِضٌ في حَقِّ المَطلوبِ؛ فإذا شرَط الجُعلَ مع ضَمانِ المِثلِ فيها شَرطَ الزِّيادةِ على ما أقرَضه وأنَّه رِبًا، وإنْ شرَطها فيها بَطلَت الكَفالةُ، وكان يَنبَغي أنْ تَصحَّ الكَفالةُ لِعَدمِ بُطلانِها بالشَّرطِ، ألَا تَرى أنَّ الكَفالةَ إلى هُبوبِ الرِّيحِ تَصحُّ ويَبطُلُ الشَّرطُ».

قُلنا: إنَّما لا تَصحُّ؛ لأنَّه علَّقها بشَرطٍ لِلكَفيلِ فيه مَنفَعةٌ؛ لأنَّه مما يُنتفَعُ

(١) «الإشراف» (١/ ٨٣) بتحقيق محمد نجيب سراج الدين، رسالة في الأزهر.
(٢) «فتح القدير» (٧/ ١٨٦).

بالجُعلِ، فلا بُدَّ مِنْ مُراعاةِ الشَّرطِ لِثُبوتِ الكَفالةِ، ولَمَّا لَم يَثبُتِ الشَّرطُ لَم يَستحِقَّ الجُعلَ، فلا تَثبُتُ الكَفالةُ، وكان بُطلانُها مِنْ هذا الوَجهِ، لا مِنْ حيث إنَّه شَرطٌ فاسِدٌ، بخِلافِ الهُبوبِ؛ لأنَّه شَرطٌ لا يَنتفِعُ به الكَفيلُ، وإذا خلا عن النَّفعِ لَم تَجبْ مُراعاتُه، كما لو شرَط في البَيعِ ما لا يَنتفِعُ به أحَدُهما، وإذا لَم يَثبُتْ كانت الكَفالةُ مُرسَلةً (١).

قال في «الشَّرحِ الصَّغيرِ»: وبطَل الضَّمانُ إذا فسَد مُتحمَّلٌ به … أو فسَدتِ الحَمالةُ نَفْسُها شَرعًا … كجُعلٍ لِلضامنِ مِنْ رَبِّ الدَّينِ، أو مِنَ المَدينِ أو مِنْ أجنَبيٍّ، وعِلَّةُ المَنعِ أنَّ الغَريمَ إنْ أدَّى الدَّينَ لِرَبِّه كان الجُعلُ باطِلًا، فهو مِنْ أكلِ أموالِ الناسِ بالباطِلِ، وإنْ أداه الحَميلُ لِرَبِّه ثم رجَع به على الغَريمِ، كان مِنَ السَّلفِ بزِيادةٍ، فتَفسُدُ الحَمالةُ، ويُردُّ الجُعلُ لِرَبِّه، ثم إنْ كان الجُعلُ مِنْ رَبِّ الدَّينِ لِلحَميلِ، سقَطتِ الحَمالةُ، والبَيعُ صَحيحٌ؛ لأنَّ المُشتَري لا غَرضَ له فيما فعَل البائِعُ مع الحَميلِ، كما لو كان الجُعلُ مِنَ المَدينِ أو مِنْ أجنَبيٍّ مع عِلمِ رَبِّ الدَّينِ؛ فإنْ لَم يَعلَمْ فالحَمالةُ لَازِمةٌ، ورَدَّ الجُعلَ، وإنْ كان الجُعلُ مِنْ رَبِّ الدَّينِ أو مِنْ أجنَبيٍّ لِلمَدينِ على أنْ يأتيَه بضامِنٍ فإنَّه جائِزٌ، فعُلِمَ أنَّ مَحلَّ البُطلانِ إذا كان الجُعلُ مِنْ أجنَبيٍّ لِلضامِنِ إذا عَلِم رَبُّ الدَّينِ، وإلا رَدَّ ولَزمتِ الحَمالةُ (٢).

(١) «الفتاوى البزازية» مطبوع بهامش الهندية (٦/ ١٨).
(٢) «الشرح الصغير» (٤/ ٥٨١، ٥٨٣) تأليف الشيخ: أبي العباس أحمد بن محمد الخلوتي، الشهير بالصاوي المالكي (المتوفى: ١٢٤١ هـ) طبعة دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان- الطبعة الأولي. ويُنظر: «حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٩٨، ٢٩٩).

ولقد بالَغ المالِكيَّةُ في إبطالِ أخْذِ الجُعلِ على الكَفالةِ، فذكَروا أنَّ الرَّجلَيْن إذا اتَّفقا على أنْ يَضمنَ كلٌّ منهما دَينَ الآخَرِ ودخَلا على هذا الشَّرطِ لَم يَصحَّ؛ إذ يُعتبَرُ ذلك كالجُعلِ، واستَثنَوْا مِنْ ذلك بَعضَ الحالاتِ (١).

ومِن خِلالِ هذه النُّقولِ يَتَّضحُ لنا أنَّ أخذَ الأُجرةِ على الكَفالةِ لا يَجوزُ؛ إذْ هي دائِرةٌ بينَ التَّبرُّعِ والإحسانِ، أو بينَ القَرضِ في حالةِ الوَفاءِ مِنَ الكَفيلِ، وكِلا الأمرَيْن لا يَصحُّ أخْذُ الأُجرةِ عليه.

وقد اعتبَر بَعضُ العُلماءِ أخْذَ الأُجرةِ على الكَفالةِ رَشوةً.

قال الإمامُ السَّرخَسيُّ رحمة الله عليه: ولو كفَل رَجلٌ عن رَجلٍ بمالٍ على أنْ يَجعلَ له جُعلًا فالجُعلُ باطِلٌ، هكذا رُويَ عن إبراهيمَ رحمة الله عليه؛ وهذا لأنَّه رَشوةٌ والرَّشوةُ حَرامٌ؛ فإنَّ الطالِبَ ليس يَستوجِبُ بهذه الكَفالةَ زيادةَ مالٍ، فلا يَجوزُ أنْ يَجبَ عليه عِوضٌ بمُقابَلتِه، ولكنَّ الضَّمانَ جائِزٌ إذا لَم يَشترِطِ الجُعلَ فيه، وإنْ كان الجُعلُ مَشروطًا فيه فالضَّمانُ باطِلٌ أيضًا؛ لأنَّ الكَفيلَ مُلتزمٌ، والالتِزامُ لا يَكونُ إلا برِضاه.

ألَا تَرى أنَّه لو كان مُكرَهًا على الكَفالةِ لَم يَلزمْه شَيءٌ؛ فإذا شرَط الجُعلَ في الكَفالةِ فهو ما رَضيَ بالالتِزامِ إذا لَم يُسلِّمْ له الجُعلَ، وإذا لَم يَشترِطْه في الكَفالةِ فهو راضٍ بالالتِزامِ مُطلَقًا فيَلزمُه (٢).

(١) ويُنظر: «حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٩٩)، و «الشرح الصغير» (٤/ ٥٨٣).
(٢) «المبسوط» للسرخسي (٢٠/ ٣٢).

كتاب الشَّركةِ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الكفالة
فصل في بيان حكم الكفالة

إلَى الْبَائِعِ وَقَضَى عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ وَقِيمَةِ الْبِنَاءِ مَبْنِيًّا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهُمَا شَاءَ بِالثَّمَنِ وَيَأْخُذُ الْبَائِعُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ يَأْخُذُ أَيَّهمَا شَاءَ بِهِمَا جَمِيعًا إنْ شَاءَ أَخَذَهُمَا مِنْ الْبَائِعِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُمَا مِنْ الْكَفِيلِ بِالدَّرْكِ ثُمَّ يَرْجِعُ الْكَفِيلُ عَلَى الْبَائِعِ إنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِأَمْرِهِ جَعَلَ الطَّحَاوِيُّ قِيمَةَ الْبِنَاءِ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَنِ وَهُوَ غَيْرُ سَدِيدٍ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الدَّرَكِ ضَمَانُ الْمُشْتَرِي فِي مُتَعَارَفِ النَّاسِ فَلَا تَكُونُ قِيمَةُ الْبِنَاءِ دَاخِلَةً تَحْتَ الْكَفَالَةِ بِالدَّرْكِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ جَارِيَةً فَاسْتَوْلَدَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ وَأَخَذَ مِنْهُ قِيمَةَ الْجَارِيَةِ وَقِيمَةَ الْوَلَدِ وَالْعُقْرِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَأْخُذُ الثَّمَنَ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ وَلَا يُؤَاخَذُ الْكَفِيلُ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ قِيمَةَ الْوَلَدِ مِنْ الْبَائِعِ خَاصَّةً لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْكَفَالَةِ بِالدَّرْكِ وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 224 - 229

ارجع إلى انقضاء الكفالة: أو متى تنقضي الكفالة؟ أو بم تنقضي الكفالة؟ للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله