الإسلام > المعاملات المالية > حكم الهدية للمقرض > حكم السفاتج أي أمن خطر الطريق
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 27 دقيقة قراءةالنَّبيُّ ﷺ هو وأصحابُه المِقرِضَ عن قَبولِ هَديَّةِ المُقترِضِ قبلَ الوَفاءِ، فإنَّ المَقصودَ بالهَديَّةِ أنْ يُؤخِّرَ الاقتِضاءَ وإنْ كان لَم يُشترَطْ ذلك؛ سَدًّا لِذَريعةِ الرِّبا.
وهذا كُلُّه في مُدَّةِ القَرضِ وقَبلَ الوَفاءِ، فأمَّا بعدَ الوَفاءِ فهو كالزِّيادةِ مِنْ غيرِ شَرطٍ، فيَجوزُ على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ؛ لأنَّه لَم يَجعَلْ تلك الزِّيادةَ عِوَضًا في القَرضِ ولا وَسيلةً إليه ولا إلى استِيفاءِ دَينِه، أشبَهَ ما لو لَم يَكُنْ هناك قَرضٌ.
وكذا كلُّ غَريمٍ حُكمُه كالمُقرِضِ فيما تَقدَّم (١).
حُكمُ السَّفَاتِجِ -أي: أمْنِ خَطَرِ الطَّريقِ-:
السَّفَاتِجُ: قَرضٌ استَفادَ به المُقرِضُ أمْنَ خَطَرِ الطَّريقِ.
وصُورَتُه: أنْ يُقرِضَ مالَه لِآخَرَ على أنْ يُعطيَه عِوَضَه في بَلَدِه، أو في مَوضِعٍ آمِنٍ، أو على أنْ يَحميَه في الطَّريقِ؛ وإنَّما يَدفَعُه على سَبيلِ القَرضِ لا على سَبيلِ الأمانةِ لِيَستفيدَ به سُقوطَ خَطَرِ الطَّريقِ.
وهو تَعرِيبُ سَفْتَه وسُفْتَه، شَيءٌ مُحكَمٌ، وسُمِّيَ هذا القَرضُ بذلك لِإحكامِ أمْرِه (٢).
(١) «المغني» (٤/ ٢١١، ٢١٢)، و «إعلام الموقعين» (٣/ ١٧١)، و «الإنصاف» (٥/ ١٣١، ١٣٢)، و «كشاف القناع» (٣/ ٣٧١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٣٢٩)، و «الروض المربع» (٢/ ٧، ٨)، و «منار السبيل» (٢/ ٨٦، ٨٧).
(٢) «الاختيار» (٢/ ٤٠)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ١٧٥)، و «العناية شرح الهداية» (١٠/ ١٩٩).
وقال المالِكيَّةُ: السَّفتَجةُ هي الكِتابُ الذي يُرسِلُه المُقترِضُ إلى وَكيلِه في بَلَدٍ آخَرَ لِيَدفَعَ لِحامِلِه نَظيرَ ما تَسَلَّفَ منه لِيَدفَعَ بذلك خَطَرَ الطَّريقِ ومُؤنةَ الحَملِ (١).
والنَّفعُ المُتوقَّعُ هنا هو أنْ يَستفيدَ المُقرِضُ دَفعَ خَطَرِ الطَّريقِ عن مالِه؛ إذْ قد يَخشى لو سافَرَ بأموالِه أنْ يَسطُوَ عليه اللُّصوصُ وقُطَّاعُ الطُّرُقِ فيأخُذوه منه، فيَلجَأُ إلى هذه الحِيلةِ لِيَستَفيدَ مِنْ وَراءِ هذا القَرضِ دَفعَ الخَطَرِ المُتوَقَّعِ في الطَّريقِ (٢).
وجُمهورُ الفُقهاءِ يَعتبِرونَ السَّفتَجةَ قَرضًا، وليستْ حَوالةً، إلا أنَّها تُشبِهُ الحَوالةَ باعتِبارِ أنَّ المُقترِضَ يُحيلُ المُقرِضَ إلى شَخصٍ ثالِثٍ، فكأنَّه نَقَلَ دَينَ المُقرِضِ مِنْ ذِمَّتِه إلى ذِمَّةِ المُحالِ عليه، والحَوالةُ لا تَخرُجُ عن كَونِها نَقلَ الدَّينِ مِنْ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ.
لكنِ اعتَبَرها الجُمهورُ مِنْ بابِ القَرضِ؛ لأنَّ الكَلامَ في القَرضِ الذي يَجُرُّ مَنفَعةً هل هو جائِزٌ أو غيرُ جائِزٍ، أمَّا الحَوالةُ فهي في دَينٍ ثَبَت في الذِّمَّةِ فِعلًا.
وقد ذَكَرها بَعضُ فُقهاءِ الحَنفيَّةِ كالحَصكَفيِّ والمَرغِينانيِّ في آخِرِ بابِ الحَوالةِ مع ذِكرِها في بابِ القَرضِ أيضًا.
وقال ابنُ الهُمامِ والبابَرتيُّ: أورَدَ القُدُوريُّ هذه المَسألةِ هنا لأنَّها مُعامَلةٌ في الدُّيونِ، كالكَفالةِ والحَوالةِ (٣).
(١) «تحبير المختصر» (٤/ ٧٣)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٢٣١).
(٢) «تحرير ألفاظ التنبيه» ص (١٩٣)، و «المطلع على أبواب المقنع» (٢٦٠).
(٣) «شرح فتح القدير» (٧/ ٢٥١)، و «العناية» (١٠/ ١٩٩).
وقال الكَرمانيُّ رحمة الله عليه: هي في مَعنى الحَوالةِ؛ لأنَّه أحالَ الخَطَر المُتوَقَّعَ على المُستقرِضِ، وهذا ما قاله الحَصكَفيُّ، قال: السَّفتَجةُ: إقراضٌ لِسُقوطِ خَطَرِ الطَّريقِ، فكأنَّه أحالَ الخَطَرَ المُتوقَّعَ على المُستقرِضِ، فكان في مَعنى الحَوالةِ.
قال ابنُ عابدينَ: وفي «نَظمِ الكَنزِ» لِابنِ الفَصيحِ:
وكَرِهتُ سَفاتِجَ الطَّريقِ وهي إحالةٌ على التَّحقيقِ
قال شارِحُه المَقدسيُّ رحمة الله عليه: لأنَّه يُحيلُ صَديقَه عليه أو مَنْ يَكتُبُ إليه (١).
وقد اختَلَف الفُقهاءُ في حُكمِ السَّفتَجةِ، وهي إما أنْ تَكونَ بشَرطٍ أو بغَيرِ شَرطٍ، فإنْ كانَتْ بغَيرِ شَرطٍ فالجُمهورُ على جَوازِها.
وأمَّا إذا كانَتْ بشَرطٍ فقد ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ وأحمدُ في إحدى الرِّوايَتَيْنِ إلى عَدَمِ الجَوازِ؛ لأنَّه قَرضٌ جَرَّ نَفعًا فيُشبِهُ الرِّبا؛ لأنَّ المَنفَعةَ فَضلٌ لا يُقابِلُه عِوَضٌ.
قال الحَنفيَّةُ: إذا أقرَضَه بالكُوفةِ بشَرطِ أنْ يُوَفِّيَه بالبَصرةِ لا يَجوزُ؛ لأنَّه قَرضٌ جَرَّ مَنفَعةً؛ لأنَّ المُستقرِضَ يَكفيه خَطَرَ الطَّريقِ ومُؤنةَ الحَملِ، وعلى هذا فالسَّفاتِجُ التي يَتعامَلُ بها التُّجَّارُ يُقرِضونَ فيما بَينَهم، ويَكتُبُ المُستقرِضُ لِلمُقرِضِ سَفتَجةً إلى مَكانٍ، فإنْ كان ذلك شَرطًا في القَرضِ فهو مَكروهٌ؛ لأنَّه قَرضٌ جَرَّ مَنفَعةً، فإنَّه يُسقِطُ عن المُقرِضِ مُؤنةَ الحَملِ
(١) «الدر المختار مع حاشية ابن عابدين» (٥/ ٣٥٠).
وخَطَرَ الطَّريقِ، وإنْ لَم يَكُنْ ذلك مَشروطًا في القَرضِ فلا بأسَ به.
وصُورةُ الشَّرطِ: رَجُلٌ أقرَضَ رَجُلًا على أنْ يَكتُبَ له بها إلى بَلَدِ كذا، فإنَّه لا يَجوزُ، وإنْ أقرَضَه بغَيرِ شَرطٍ وكتَب جازَ، ثم قالوا: إنَّما يَحِلُّ عندَ عَدَمِ الشَّرطِ إذا لَم يَكُنْ فيه عُرفٌ ظاهِرٌ، فإنْ كان يُعرَفُ أنَّ ذلك يُفعَلُ كذلك فلا (١).
وقال المالِكيَّةُ: لا تَجوزُ السَّفتَجةُ، وكذا كلُّ عَينٍ عَظُمَ حَملُها؛ لأنَّ المُسلِفَ انتَفَع بحِرزِ مالِه مِنْ آفاتِ الطَّريقِ إذا لَم يَكُنِ الهَلاكَ وقَطعَ الطَّريقِ في الأغلَبِ، فإنْ كان الهَلاكُ وقَطعُ الطَّريقِ في الأغلَبِ ويَغلِبُ الخَوفُ في جَميعِ طُرُقِ المَحَلِّ الذي يَذهَبُ إليه المُقرِضُ منها بالنِّسبةِ إليه، فيَجوزُ لِلضَّرورةِ؛ تَقديمًا لِمَصلحةِ حِفظِ المالِ على مَضرَّةِ سَلَفٍ جَرَّ نَفعًا، بل يُندَبُ لِلآمِنِ على النَّفْسِ والمالِ، بل قد يَجِبُ.
فإنْ غلَب -لا في جَميعِ طُرُقِه أو غلَب في جَميعِها لكنْ بالنِّسبةِ لِغَيرِه لا بالنِّسبةِ إليه- فلا يَجوزُ (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٩٥)، و «مختصر اختلاف العُلماء» لِلطحاوي (٤/ ١٩٤)، و «الاختيار» (٢/ ٤٠)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ١٧٥)، و «البحر الرائق» (٦/ ٢٧٦)، و «الهداية شرح البداية» (٣/ ١٠٠)، و «المحيط البرهاني» (٧/ ٢٨٦)، و «درر الحكام شرح غرر الأحكام» (٧/ ٤٣٤)، و «ابن عابدين» (٥/ ٣٥٠).
(٢) «تحبير المختصر» (٤/ ٧٣)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٢٣١)، و «الشرح الكبير» (٤/ ٣٦٥)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٦١٢)، و «مواهب الجليل» (٦/ ٤٠٧)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ٨٩)، و «منج الجليل» (٥/ ٤٠٦).
وأمَّا الشافِعيَّةُ فقال الماوَرديُّ رحمة الله عليه: أخْذُ السَّفاتِجِ بالمالِ على ضَربَيْنِ: أحَدُهما: أنْ يَكونَ بدَينٍ ثابِتٍ، والآخَرُ: أنْ يَكونَ بقَرضٍ حادِثٍ، فأمَّا الدَّينُ الثابِتُ إذا سألَ صاحِبُه مَنْ هو عليه أنْ يَكتُبَ له به سَفتَجةً إلى بَلَدٍ آخَرَ لَم يَلزَمْه إلا أنْ يَشاءَ، فلو اتَّفَقا على كَتْبِ سَفتَجةٍ جازَ.
وأمَّا القَرضُ فضَربانِ:
أحَدُهما: أنْ يَكونَ مَشروطًا فيه كَتْبُ السَّفتَجةِ، أمَّا مِنْ جِهةِ المُقرِضِ فيَقولُ: «هو ذا أقرَضتُكَ لِتَكتُبَ لِي به سَفتَجةً إلى بَلَدِ كذا كذا»، أو مِنْ جِهةِ المُقترِضِ فيَقولُ: «هو ذا أقتَرِضُ منكَ لِأكتُبَ لَكَ في سَفتَجةٍ إلى بَلَدِ كذا»، فهذا قَرضٌ باطِلٌ لا يَصحُّ أخْذُ السَّفتَجةِ به؛ لأنَّه قَرضٌ جَرَّ مَنفَعةً.
والآخَرُ: أنْ يَكونَ قَرضًا مُطلَقًا، ثم يَتَّفِقانِ على كَتْبِ سَفتَجةٍ فيَجوزُ هذا كالدَّينِ، وإذا كان كذلك فلا يَخلو حالُ السَّفتَجةِ بالدَّينِ مِنْ أحَدِ أمرَيْنِ، إمَّا أنْ يَكونَ بلَفظِ الحَوالةِ أو بلَفظِ الأمرِ والرِّسالةِ، فإنْ كانتْ بلَفظِ الحَوالةِ فإذا ورَدَتِ السَّفتَجةُ إلى المَكتوبِ إليه لَزِمَه أداؤُها بأربعةِ شُروطٍ، أحَدُها: أنْ يَعترِفَ بدَينِ الكاتِبِ، الثاني: أنْ يَعترِفَ بدَينِ المَكتوبِ لَه، الثالِثُ: أنْ يَعترِفَ بأنَّه كِتابُ المُحيلِ، الرابِعُ: أنْ يَعترِفَ بأنَّه كتَبه مُريدًا أنَّه الحَوالةُ، فإذا اعتَرَف بهذه الأربعةِ لَزِمَه أداءُ ما في السَّفتجةِ مِنَ الدَّينِ، سَواءٌ ضمِنه لَفظًا أو لا، وإنِ اعتَرَف بدَينِ الكاتِبِ وأنكَرَ دَينَ المَكتوبِ لَه، أو اعتَرَف بدَينِهما وأنكَرَ الكِتابَ لَم تَلزَمْه الحَوالةُ، ولو اعتَرَف بدَينِهما وبالكِتابةِ وأنكَرَ أنْ يَكونَ الكاتِبُ أرادَ به الحَوالةَ فالمَذهبُ الذي يُوجِبُه القياسُ أنَّ الحَوالةَ لا تَلزَمُه.
ومِن أصحابِنا مَنْ قال: متى اعتَرَف بالكِتابِ والدَّينِ لَزِمَتْه الحَوالةُ، وإنْ أنكَرَ الإرادةَ اعتِمادًا على العُرفِ، وأنَّ الوُصولَ إلى الإرادة مُتعذَّرٌ، فلو لَم يَعترِفْ بالكِتابِ لكنْ أجابَ إلى دَفعِ المالِ لِيَكونَ مَضمونًا عليه إلى أنْ تَصحَّ الحَوالةُ جازَ، واختَلَف أصحابُنا هل يَجوزُ له استِرجاعُ المالِ منه قبلَ صِحَّةِ الحَوالةِ على وَجهَيْنِ: أحَدُهما: لا يَجوزُ، اعتِبارًا بالشَّرطِ، وأنَّ له استِرجاعَه بعدَ العِلمِ ببُطلانِ الحَوالةِ.
والوَجْهُ الآخَرُ: وهو قَولُ أبي عَبدِ اللهِ الزُّبَيريِّ: يَجوزُ له استِرجاعُ المالِ منه مَتى شاءَ، ما لَم تَثبُتْ صِحَّةُ الحَوالةِ؛ لأنَّ المالَ لا يَلزَمُه إلا بعدَ صِحَّةِ الحَوالةِ.
أمَّا إذا كانَتِ السَّفتَجةُ بلَفظِ الأمْرِ، والرِّسالةُ لَم تَلزَمِ المَكتوبَ إليه؛ إلا أنْ يَضمَنَها لَفظًا، سَواءٌ اعتَرَف بالكِتابِ والدَّينِ أو لا، وهو قَولُ مُحمدِ بنِ الحَسنِ، وقال أبو يُوسُفَ: إذا قرأها وتَرَكها تَرْكَ رِضًا لَزِمَتْه، وقال غَيرُه مِنَ العِراقيِّينَ: إذا أثبَتَها في حِسابِه لَزِمَتْه.
وكلُّ هذا عِندَنا لا يَلزَمُ به السَّفتَجةُ، وكذلك لو كتَب على ظَهرِها: «صَحيحةٌ قد قَبِلتُها»، حتى يَضمَنَها لَفظًا ثم لا تَلزَمُ الكاتِبَ إلا أنْ يَعترِفَ بها لَفظًا، فلا تَلزَمُه باعتِرافِه بالخَطِّ، ومِن أصحابِنا مَنْ قال: إنِ اعتَرَف بالخَطِّ لَزِمَه، وهو قَولُ مَنْ زعَم أنَّ المَكتوبَ إليه إنِ اعتَرَف بالخَطِّ في الحَوالةِ لَزِمتْه، وهو غيرُ صَحيحٍ في المَوضِعَيْنِ (١).
(١) «الحاوي الكبير» (٦/ ٤٦٧، ٤٦٨)، و «البيان» (٥/ ٤٦٢)، و «النجم الوهاج» (٤/ ٢٨٥).
وقال الحَنابِلةُ في المَذهبِ: وإنْ شَرَط أنْ يُعطيَه إياه في بَلَدٍ آخَرَ، وكان لِحَملِه مُؤنةٌ لَم يَجُزْ؛ لأنَّه زيادةٌ، وإنْ لَم يَكُنْ لِحَملِه مُؤنةٌ جازَ.
وقد نَصَّ أحمدُ على أنَّ مَنْ شَرَط أنْ يَكتُبَ له بها سَفتَجةً لَم يَجُزْ، ومَعناه اشتِراطُ القَضاءِ في بَلَدٍ آخَرَ (١).
وذهَب الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها ابنُ قُدامةَ وشَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القَيِّمِ وبَعضُ المالِكيَّةِ إلى جَوازِ السَّفتَجةِ؛ لِكَونِها مَصلَحةً لَهما جَميعًا.
ولِما رُوِيَ عن عَطاءٍ رضي الله عنه أنَّه قال: كان ابنُ الزُّبَيرِ رضي الله عنه يأخُذُ مِنْ قَومٍ بمَكةَ دَراهَم ثم يَكتُبُ لهم بها إلى مُصعَبِ بنِ الزُّبَيرِ بالعِراقِ فيأخُذونَها منه، فسُئِلَ عن ذلك ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فلَمْ يَرَ به بَأْسًا (٢).
ورُويَ عن علِيٍّ رضي الله عنه أنَّه قال: «لا بأسَ أنْ يُعطيَ المالَ بالمَدينةِ ويأخُذَ بأفريقيةَ» (٣)، وممَّن لَم يَرَ به بأْسًا ابنُ سِيرينَ والنَّخَعيُّ.
وذَكَر القاضي رحمة الله عليه أنْ لِلوصيِّ قَرضَ مالِ اليَتيمِ في بَلَدٍ آخَرَ لِيَربَحَ خَطَرَ الطَّريقِ.
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: والصَّحيحُ جَوازُه؛ لأنَّه مَصلَحةٌ لَهما مِنْ غيرِ ضَرَرٍ بواحِدٍ منهما، والشَّرعُ لا يُرَدُّ بتَحريمِ المَصالِحِ التي لا مَضَرَّةَ فيها، بل
(١) «المغني» (٤/ ٢١١)، و «المبدع» (٤/ ٢٠٩).
(٢) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (٨/ ١٤٠) رقم (١٤٦٤٢).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٤/ ٣٥٩) رقم (٢١٠٢١).
بمَشروعيَّتِها؛ ولأنَّ هذا ليس بمَنصوصٍ على تَحريمِه، ولا في مَعنى المَنصوصِ، فوَجَب إبقاؤُه على الإباحةِ (١).
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: ولا يَجوزُ أنْ يَقترِضَ الرَّجُلُ شَيئًا له حَملٌ ومُؤنةٌ في بَلَدٍ على أنْ يُعطيَه ذلك في بَلَدٍ آخَرَ، فأمَّا السَّفاتِجُ بالدَّنانيرِ والدَّراهِمِ فقد كرِه مالِكٌ العَمَلَ بها، ولَم يُحرِّمْها، وأجازَ ذلك طائِفةٌ مِنْ أصحابِه وجَماعةٌ مِنْ أهلِ العِلمِ سِواهُم؛ لأنَّه ليس لها حَملٌ ولا مُؤَنٌ، وقد رُوِيَ عن مالِكٍ أيضًا أنَّه لا بأسَ بذلك، والأشهَرُ عنه كَراهيَتُه؛ لِما استَعمَلَه الناسُ مِنْ أمرِ السَّفاتِجِ ولَم يَختلِفْ قَولُه في كَراهةِ استِسلافِ الطَّعامِ على أنْ يُعطى ببَلَدٍ آخَرَ، وكذلك كلُّ شَيءٍ له حَملٌ ومُؤنةٌ.
ولا بأسَ أنْ يَشترِطَ المُستَسلِفُ ما يَنتفِعُ به مِنَ القَضاءِ في مَوضِعٍ آخَرَ، ونَحوَ ذلك، قال مالِكٌ: فإنْ كان المُقرِضُ هو المُشترِطَ لِما يَنتفِعُ به لَم يَجُزْ ذلك ولا خَيرَ فيه (٢).
وقال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: السَّفتَجةُ أنْ يُقرِضَه دَراهِمَ يَستَوفيها منه في بَلَدٍ آخَرَ، مِثلَ أنْ يَكونَ المُقرِضُ غَرَضُه حَملُ دَراهِمَ إلى بَلَدٍ آخَرَ، والمُقترِضُ له دَراهِمُ في ذلك البَلَدِ، وهو مُحتاجٌ إلى دَراهِمَ في بَلَدِ المُقرِضِ، فيَقترِضَ منه في بَلَدٍ دَراهِمَ المُقرِضِ ويَكتُبَ له سَفتَجةً -أي: وَرَقةً- إلى بَلَدِ دَراهِمِ المُقترِضِ، فهذا يَجوزُ في أصَحِّ قَولَيِ العُلماءِ.
(١) «المغني» (٤/ ٢١١)، و «الكافي» (٢/ ١٢٥).
(٢) «الكافي» (١/ ٣٥٩).
وقيلَ: يُنهى عنه لأنَّه قَرضٌ جَرَّ مَنفَعةً، والقَرضُ إذا جَرَّ مَنفَعةً كان رِبًا، والصَّحيحُ الجَوازُ؛ لأنَّ المُقترِضَ رأى النَّفعَ بأمْنِ خَطَرِ الطَّريقِ إلى نَقلِ دَراهِمِه إلى بَلَدِ دَراهِمِ المُقترِضِ، فكِلاهُما مُنتفِعٌ بهذا الاقتِراضِ، والشارِعُ لا يَنهى عما يَنْفَعُ الناسَ ويُصلِحُهم ويَحتاجونَ إليه؛ وإنَّما يَنهى عما يَضُرُّهم ويُفسِدُهم، وقد أغناهم اللهُ ﷾ عنه، واللهُ ﷾ أعلَمُ (١).
وقالَ في مَوضِعٍ آخَرَ: والصَّحيحُ أنَّها لا تُكرَهُ؛ لأنَّ المُقترِضَ يَنتفِعُ بها أيضًا، ففيها مَنفَعةٌ لَهما جَميعًا إذا أقرَضَه (٢).
وقال ابنُ القَيِّمِ رحمة الله عليه: واختَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ فيما لو أقرَضَه دَراهِمَ وشرَط عليه أنْ يُوفِّيَه إياها ببَلَدٍ آخَرَ، ولا مُؤنةَ لِحَملِها فرُويَ عنه أنَّه لا يَجوزُ، وكرِهه الحَسنُ وجَماعةٌ ومالِكٌ والأوزاعيُّ والشافِعيُّ.
ورُويَ عنه الجَوازُ، نَقَله ابنُ المُنذرِ؛ لأنَّه مَصلَحةٌ لَهما، فلَم يَنفرِدِ المُقترِضُ بالمَنفَعةِ، وحَكاه عن علِيٍّ وابنِ عَبَّاسٍ والحَسنِ بنِ علِيٍّ وابنِ الزُّبَيرِ وابنِ سِيرينَ وعَبدِ الرَّحمنِ بنِ الأسوَدِ وأيُّوبَ والثَّوريِّ وإسحاقَ، واختارَه القاضي.
ونَظيرُ هذا ما لو أفلَسَ غَريمُه فأقرَضَه دَراهِمَ يُوفِّيه كلَّ شَهرٍ شَيئًا مَعلومًا مِنْ رِبحِها جازَ؛ لأنَّ المُقترِضَ لَم يَنفرِدْ بالمَنفَعةِ.
(١) «مجموع الفتاوي» (٢٩/ ٤٥٥).
(٢) «مجموع الفتاوي» (٢٠/ ٥١٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب القرض
ركن القرض
ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الثُّلُثِ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا تَبْطُلُ بِهِ الْوَصِيَّةُ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا بَيَانُ مَا تَبْطُلُ بِهِ الْوَصِيَّةُ فَالْوَصِيَّةُ تَبْطُلُ بِالنَّصِّ عَلَى الْإِبْطَالِ، وَبِدَلَالَةِ الْإِبْطَالِ، وَبِالضَّرُورَةِ (أَمَّا) النَّصُّ فَنَحْوَ أَنْ يَقُولَ: أَبْطَلْتُ الْوَصِيَّةَ الَّتِي أَوْصَيْتُهَا لِفُلَانٍ أَوْ فَسَخْتُهَا أَوْ نَقَضْتُهَا فَتَبْطُلَ إلَّا التَّدْبِيرَ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى الْإِبْطَالِ مُطْلَقًا كَانَ التَّدْبِيرُ أَوْ مُقَيَّدًا إلَّا أَنَّ الْمُقَيَّدَ مِنْهُ يَبْطُلُ مِنْهُ بِدَلَالَةِ الْإِبْطَالِ بِالتَّمْلِيكِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، كَذَا إذَا قَالَ: رَجَعْتُ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْ الْوَصِيَّةِ إبْطَالٌ لَهَا فِي الْحَقِيقَةِ.
(وَأَمَّا) الدَّلَالَةُ، وَالضَّرُورَةُ فَعَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي الرُّجُوعِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَكُونُ رُجُوعًا عَنْ الْوَصِيَّةِ.
وَمَا لَا يَكُونُ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَتَبْطُلُ بِجُنُونِ الْمُوصِي جُنُونًا مُطْبَقًا؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ عَقْدٌ جَائِزٌ كَالْوَكَالَةِ، فَيَكُونُ لِبَقَائِهِ حُكْمُ الْإِنْشَاءِ كَالْوَكَالَةِ فَتُعْتَبَرُ أَهْلِيَّةُ الْعَقْدِ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ، كَمَا تُعْتَبَرُ أَهْلِيَّةُ الْأَمْرِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ.
وَالْجُنُونُ الْمُطْبَقُ هُوَ أَنْ يَمْتَدَّ شَهْرًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ سَنَةً،، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ.
ارجع إلى حكم الهدية للمقرض للاطلاع على جميع المسائل.