الصلح بين الشريكين

الإسلام > المعاملات المالية > شروط المصالح عنه > الصلح بين الشريكين

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

الصلح بين الشريكين - الأقوال والأدلة

«صالِحْني مِنْ دَعواكَ مع فُلانٍ على ألْفٍ على أنِّي ضامِنٌ بها»، أو يَقولَ: «بألْفٍ مِنْ مالي، أو بألْفٍ علَيَّ، أو على ألْفِي هذه»، فإذا فَعَل فالمالُ لَازِمٌ لِلوَكيلِ؛ لأنَّه مُتبرِّعٌ ولا يَكونُ له شَيءٌ مِنَ المُدَّعِي، وإنَّما له الذي هو في يَدِه.

والوَجهُ الثاني: إذا قال: «صالَحتُكَ على ألفِي هذه، أو على عَبدي هذا»، تم الصُّلحُ ولَزِمه تَسليمُهما؛ لأنَّه لمَّا أضافَهما إلى مالِ نَفْسِه قد التَزَمَ تَسليمَهما.

والوَجهُ الثالِثُ: لو قال: «صالَحتُكَ على ألْفٍ»، وسَلَّمَها؛ لأنَّ التَّسليمَ يُوجِبُ سَلامةَ العِوَضِ له، فيَتمُّ العَقدُ.

الوَجهُ الرابِعُ: إنْ قال: «صالَحتُكَ على ألْفٍ»، وسَكَتَ فالعَقدُ مَوقوفٌ، فإنْ أجازَه المُدَّعَى عليه جازَ، ولَزِمه ألْفٌ، وإنْ لَم يُجِزْه بطَل، وإنَّما وَقَفَ لأنَّ العاقِدَ تَبرَّعَ بالعَقدِ ولَم يَتبرَّعْ بالمالِ؛ لأنَّه لَم يُضِفِ المالَ إلى نَفْسِه، فلَم يَلزَمْه، فإنْ أجازَه المَطلوبَ لَزِمَه المالُ، وإنْ لَم يُجِزْه بطَل (١).

الصُّلحُ بينَ الشَّريكَيْنِ:

قال الحَنفيَّةُ: إذا كان الدَّينُ بينَ شَريكَيْنِ فصالَحَ أحَدُهما عن نَصيبِه على ثَوبٍ فشَريكُه بالخيارِ، إنْ شاءَ تَبِعَ الذي عليه الدَّينُ بنِصفِه؛ لأنَّ نَصيبَه باقٍ في ذِمَّتِه؛ لأنَّ القابِضَ قبَض نَصيبَه، لكنْ له حَقُّ المُشارَكةِ؛ لأنَّه قبلَ أنْ يُشارِكَه فيه باقٍ على مِلكِ القابِضِ.

(١) «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٥، ٤٧)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ٤٠، ٤١)، و «مجمع الضمانات» (٢/ ٨٠٨)، و «مجمع الأنهر» (٣/ ٤٣١، ٤٣٢).

وإنْ شاءَ أخَذَ نِصفَ الثَّوبِ؛ لأنَّ له حَقَّ المُشارَكةِ فيه.

إلا أنْ يَضمَنَ له شَريكُه رُبُعَ الدَّينِ؛ لأنَّ حَقَّه في ذلك، فإنْ لَم يأخُذْ نِصفَ الثَّوبِ وأرادَ الرُّجوعَ على غَريمِه فَهَلَك المالُ عليه فلَه أنْ يَرجِعَ على شَريكِه بنِصفِ الثَّوبِ؛ لأنَّ المَقبوضَ إنَّما وَقَع في الأصلِ مُشتَرِكًا، فإنْ أخَّرَ أحَدُهما نَصيبَه ولَم يُؤخِّرِ الآخَرُ لَم يَجُزْ عندَ أبي حَنيفةَ -وهو قَولٌ مَحكيٌّ عن مُحمدٍ-؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى قِسمةِ الدَّينِ قبلَ القَبضِ؛ لأنَّ نَصيبَ أحَدِهما يَصيرُ مُؤجَّلًا، ونَصيبَ الآخَرِ مُعجَّلًا، فيَتميَّزُ نَصيبُ أحَدِهما مِنْ نَصيبِ الآخَرِ، وقِسمةُ الدَّينِ حالَ كَونِه في الذِّمَّةِ لا تَجوزُ.

وعندَ أبي يُوسُفَ -وهو قَولٌ مَحكيٌّ عن مُحمدٍ- يَصحُّ اعتبارًا بالإبراءِ المُطلَقِ؛ لأنَّ في تأخيرِ أحَدِهما لِنَصيبِه إسقاطَ حَقِّه في المُطالَبةِ، فصارَ كالبَراءةِ والهِبةِ.

ولو استَوفَى نِصفَ نَصيبِه مِنَ الدَّينِ كان لِشَريكِه أنْ يُشارِكَه فيما قبَض، ثم يَرجِعا على الغَريمِ بالبَقيَّةِ؛ لأنَّ المَقبوضَ صارَ مُشتَرَكًا؛ فهو مِنَ الحَقَّيْنِ جَميعًا.

وإنِ اشتَرى أحَدُهما لِنَفْسِه بنَصيبِه مِنَ الدَّينِ سِلعةً كان لِشَريكِه أنْ يُضمِّنَه رُبُعَ الدَّينِ؛ لأنَّه صارَ قابِضًا حَقَّه بالمُقاصَّةِ كامِلًا؛ لأنَّ مَبنَى البَيعِ على المُماكَسةِ بخِلافِ الصُّلحِ، فإنَّ مَبناه على الإغماضِ والحَطيطةِ، فلو ألزَمْناه دَفْعَ رُبُعِ الدَّينِ في الصُّلحِ يَتضَرَّرُ به فيَتخيَّرُ القابِضُ في الصُّلحِ.

ولِشَريكِه أنْ يُضمِّنَه رُبُعَ الدَّينِ، هذا إذا كان ثَمَنُ السِّلعةِ مِثلَ نِصفِ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلح
فصل في بيان حكم الصلح

أَسْنَانِ الدِّيَةِ، وَضَمِنَهَا فَهُوَ جَائِزٌ، وَلَا خِيَارَ لِلطَّالِبِ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ عَلَى مِائَةٍ عَلَى أَسْنَانِ الدِّيَةِ اسْتِيفَاءُ عَيْنِ الْحَقِّ، وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي عَيَّنَ الْوَاجِبَ فَقَضَى عَلَيْهِ بِالدَّرَاهِمَ، فَصَالَحَ الْمُتَوَسِّطَ عَلَى أَلْفَيْ دِينَارٍ؛ جَازَ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ، كَمَا لَوْ فَعَلَهُ الْقَاتِلُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ، فَيُرَاعَى لَهُ شَرَائِطُهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ الصُّلْحِ

(فَصْلٌ) :

(وَأَمَّا) بَيَانُ حُكْمِ الصُّلْحِ.

فَنَقُولُ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ إنَّ لِلصُّلْحِ أَحْكَامًا بَعْضُهَا أَصْلِيٌّ لَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ جِنْسُ الصُّلْحِ الْمَشْرُوعِ، وَبَعْضُهَا دَخِيلٌ يَدْخُلُ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الصُّلْحِ دُونَ الْبَعْضِ أَمَّا الْأَصْلُ، فَهُوَ انْقِطَاعُ الْخُصُومَةِ وَالْمُنَازَعَةِ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ شَرْعًا حَتَّى لَا تُسْمَعَ دَعْوَاهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا حُكْمٌ لَازَمَ جِنْسَ الصُّلْحِ.

فَأَمَّا.

الدَّخِيلُ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الصلح)
(مسألة)

وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَرَّ بِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ يُلَازِمُ غَرِيمًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ وَقَدِ ارْتَفَعَتْ بَيْنَهُمَا خُصُومَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِكَعْبٍ " خُذْ مِنْهُ الشَّطْرَ وَدَعِ الشَّطْرَ.

وَأَمَّا الْأَثَرُ فَمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ قَالَ فِي عَهْدِهِ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا.

وَرَوِيَ أَنَّ أَكْثَرَ قَضَايَا عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَتْ صُلْحًا.

وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} ص: ٢٠ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ:

أَحَدُهَا: الصُّلْحُ بَيْنَ الْخُصُومِ.

وَالثَّانِي: فَصْلُ الْحُكْمِ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِخْلَافٍ فِيهِ.

وَالثَّالِثُ: سُرْعَةُ الْقَضَاءِ وَبَتِّ الْحُكْمِ.

وَأَمَّا الِاتِّفَاقُ فَهُوَ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جَوَازِ الصُّلْحِ وَإِبَاحَتِهِ بِالشَّرْعِ.

وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ هُوَ: رُخْصَةٌ لِاسْتِثْنَائِهِ مِنْ جُمْلَةٍ مَحْظُورَةٍ. أَوْ هُوَ: مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَصْلًا بِذَاتِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّهُ رُخْصَةٌ لِأَنَّهُ فَرْعٌ لِأُصُولٍ يُعْتَبَرُ بِهَا فِي صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ وَلَيْسَ بِأَصْلٍ بِذَاتِهِ فَصَارَ لِاعْتِبَارِهِ بِغَيْرِ رُخْصَةٍ مُسْتَثْنَاةٍ مِنْ جُمْلَةٍ مَحْظُورَةٍ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلح
٨١٩ - مسألة؛ قال: (وإذا تداعى نفسان جدارا معقودا ببناء كل واحد منهما، تحالفا، وكان بينهما.

صَالَحَه عمَّا أقَرَّ له بِعِوَضٍ، صَحَّ الصُّلْحُ، ولأَخِيهِ الأَخْذُ بالشُّفْعَةِ. ويَحْتَمِلُ أن يُفَرَّقَ بين ما إذا كان الإنْكَارُ مُطْلَقًا، وبينَ ما إذا قال: هذه لنا وَرِثْنَاهَا جَمِيعًا عن أبِينَا أو أخِينَا. فيُقال: إذا كان الإنْكَارُ مُطْلَقًا، كان له الأخْذُ بالشُّفْعَةِ، وإن قال: وَرِثْنَاهَا عن أبِينَا. فلا شُفْعَةَ له؛ لأنَّ المُنْكِرَ يَزْعُمُ أن المِلْكَ لأَخِيهِ المُقِرِّ لم يَزُلْ، وأن الصُّلْحَ باطِلٌ، فَيُؤَاخَذُ بذلك، ولا يَسْتَحِقُّ به شُفْعَةً. وَوَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّ المِلْكَ ثَبَتَ لِلْمُدَّعِى حُكْمًا؛ وقد رَجَعَ إلى المُقِرِّ بالبَيْعِ، وهو مُعْتَرِفٌ بأنَّه بَيْعٌ صَحِيحٌ، فتَثْبُتُ فيه الشُّفْعَةُ، كما لو كان الإنْكَارُ مُطْلَقًا. ويجوزُ أن يكونَ انْتَقَلَ نَصِيبُ المُقِرِّ إلى المُدَّعِى بِبَيْعٍ أو هِبَةٍ أو سَبَبٍ من الأسْبَابِ، فلا يَتَنَافَى إنْكَارُ المُنْكِرِ وإقْرَارُ المُقِرِّ، كحَالَةِ إطْلَاقِ الإِنْكَارِ. وهذا أصَحُّ.

٨١٩ - مسألة؛ قال: (وَإذَا تَدَاعَى نَفْسَانِ جِدَارًا مَعْقُودًا بِبِنَاءِ كُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا، تَحَالَفَا، وكَانَ بَيْنَهُمَا. وكَذلِك إنْ كَانَ مَحْلُولًا مِنْ بِنَائِهِمَا. وإن كَانَ مَعْقُودًا بِبِنَاءِ أحَدِهمَا، كَانَ لَهُ مَعَ يَمينِهِ) .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 596 - 597

ارجع إلى شروط المصالح عنه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر