الصلح في التركة بين الورثة

الإسلام > المعاملات المالية > شروط المصالح عنه > الصلح في التركة بين الورثة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

الصلح في التركة بين الورثة - الأقوال والأدلة

الدَّينِ، ولا سَبيلَ لِلشَّريكِ على الثَّوبِ في البَيعِ؛ لأنَّه مَلَكَه بعَقدِه، والاستِيفاءِ بالمُقاصَّةِ بينَ ثَمَنِه وبَينَ الدَّينِ، ولِلشَّريكِ أنْ يَتبَعَ الغَريمَ في جَميعِ ما ذَكَرنا؛ لأنَّ حَقَّه في ذِمَّتِه باقٍ؛ لأنَّ القابِضَ استَوفى نَصيبَه حَقيقةً، لكنْ له حَقُّ المُشارَكةِ وله ألَّا يُشارِكَه.

وإذا كان السَّلَمُ بينَ شَريكَيْنِ -أي: المُسلَمِ فيه- فصالَحَ أحَدُهما مِنْ نَصيبِه على رأسِ المالِ لَم يَجُزْ عندَ أبي حَنيفةَ -وهو قَولٌ مَحكيٌّ عن مُحمدٍ-؛ لأنَّه لو جازَ في نَصيبِه خاصَّةً يَكونُ قَسَّمَ الدَّينَ في الذِّمَّةِ، ولو جازَ في نَصيبِهما لا بُدَّ مِنْ إجازةِ الآخَرِ؛ لأنَّ فيه فَسخَ العَقدِ على شَريكِه بغَيرِ إذْنِه، وهو لا يَملِكُ ذلك.

وقال أبو يُوسُفَ -وهو قَولٌ مَحكيٌّ عن مُحمدٍ-: يَجوزُ الصُّلحُ اعتِبارًا بسائِرِ الدُّيونِ، وبما إذا اشتَرَيا عَبدًا فأقالَ أحَدُهما في نَصيبِه خاصَّةً (١).

الصُّلحُ في التَّرِكةِ بينَ الوَرَثةِ:

إذا كانتِ التَّرِكةُ بينَ وَرَثةٍ فأخرَجوا أحَدَهم عنها بمالٍ أعطَوْه إيَّاه ففي ذلك تَفصيلٌ:

١ - إنْ كانتِ التَّرِكةُ عَقارًا أو عُروضًا جازَ، قَليلًا كان ما أعطَوْه أو كَثيرًا؛ لأنَّه أمكَنَ تَصحيحُه بَيعًا، وفيه أثَرُ عُثمانَ رضي الله عنه فإنَّه صالَحَ تُماضِرَ امرأةَ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ مِنْ رُبُعِ ثَمَنِها على ثَمانين ألْفَ دِينارٍ.

(١) «الجوهرة النيرة» (٣/ ٥٢، ٥٥)، و «الهداية» (٣/ ١٩٩، ٢٠٠)، و «العناية» (١٢/ ١٠٦، ١٠٧)، و «الفتاوى الهندية» (٤/ ٢٣٣)، و «اللباب» (١/ ٥٩٧، ٥٩٨).

٢ - وإنْ كانتِ التَّرِكُة فِضَّةً فأعطَوْه ذهَبا، أو كانتْ ذهَبا فأعطَوْه فِضَّةً فهو جائِزٌ، ويُعتبَرُ التَّقابُضُ في المَجلِسِ؛ لأنَّه مُعتبَرٌ بالصَّرفِ، وإنِ افتَرَقا قبلَ القَبضِ بطَل.

٣ - وإنْ كانتِ الشَّرِكةُ ذهَبا وفِضَّةً وغَيرَ ذلك فصالَحوه على فِضَّةٍ أو ذهَب فلا بُدَّ أنْ يَكونَ ما أعطَوْه أكثَرَ مِنْ نَصيبِه مِنْ ذلك الجِنسِ حتى يَكونَ نَصيبُه بمِثلِه، والزِّيادُة بحَقِّه مِنْ بَقيَّةِ الميراثِ احتِرازًا عن الرِّبا، ولا بُدَّ مِنَ التَّقابُضِ فيما يُقابِلُ نَصيبَه مِنَ الذهَب والفِضَّةِ؛ لأنَّه صُرِفَ في هذا القَدْرِ وإنْ كان بَدَلُ الصَّرفِ عَرضًا جازَ مُطلَقًا؛ لِعَدَمِ الرِّبا.

فلا بُدَّ أنْ يَكونَ أكثَرَ مِنْ نَصيبِه، إنَّما يَبطُلُ الصُّلحُ على مِثلِ نَصيبِه أو أقَلَّ حالَ التَّصادُقِ، أمَّا إذا كانوا جاحِدينَ أنَّها امرأةُ المَيِّتِ فالصُّلحُ جائِزٌ؛ لأنَّ المُعطَى إنَّما هو لِقَطعِ المُنازَعةِ، لا لِلمُعاوَضةِ حتى لو كان ذهَبا فصالَحوا عنه بذهَب أقَلَّ منه جازَ.

٤ - وإنْ كان في التَّرِكةِ دَينٌ على الناسِ فصالَحوا أحَدَهم بمالٍ على أنْ يُخرِجوه عن نَصيبِه مِنَ الدَّينِ ويَكونَ الدَّينُ لهم، فالصُّلحُ باطِلٌ في العَينِ والدَّينِ؛ لأنَّ فيه تَمليكِ الدَّينِ لِغَيرِ مَنْ هو عليه، وهو حِصَّةُ المُصالَحِ.

٥ - وإنْ شَرَطوا أنْ يُبرَأَ الغُرَماءُ مِنَ الدَّينِ ولا يَرجِعَ عليهم بنَصيبِ المَصالِحِ فالصُّلحُ جائِزٌ؛ لأنَّه إسقاطٌ أو هو تَمليكُ الدَّينِ ممَّن هو عليه، وذلك جائِزٌ، وهذه حيلةُ الجَوازِ، وحِيلةٌ أُخرى أنْ يُعجِّلوا قَضاءَ نَصيبِه مُتبرِّعينَ، وفي الوَجهَيْنِ ضَرَرٌ بهم، والأوْجَهُ أنْ يُقرِضوا المَصالِحَ مِقدارَ

نَصيبِه ويُصالِحوه عمَّا وَراءَ الدَّينِ ويُحيلَهم على استِيفاءِ نَصيبِه مِنَ الغُرَماءِ.

وإنْ كان على المَيِّتِ دَينٌ لا يُصالِحونَ ولا يُقسِّمونَ حتى يَقضوا دَينَه؛ لِتَقدُّمِ حِصَّتِه، ولقَولِ اللهِ : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، وإنْ قَسَّموها فإنْ كان الدَّينُ مُستَغرِقًا لِلتَّرِكةِ بَطَلتْ؛ لأنَّه لا مِلكَ لهم فيها، وإنْ كان غيرَ مُستَغرِقٍ جازَ استِحسانًا، لا قِياسًا (١).

(١) «الجوهرة النيرة» (٣/ ٥٥، ٥٨)، و «الاختيار» (٣/ ١١، ١٢)، و «اللباب» (١/ ٥٩٩، ٦٠٠).

كتاب الحوالة

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الصلح)
(مسألة)

وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَرَّ بِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ يُلَازِمُ غَرِيمًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ وَقَدِ ارْتَفَعَتْ بَيْنَهُمَا خُصُومَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِكَعْبٍ " خُذْ مِنْهُ الشَّطْرَ وَدَعِ الشَّطْرَ.

وَأَمَّا الْأَثَرُ فَمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ قَالَ فِي عَهْدِهِ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا.

وَرَوِيَ أَنَّ أَكْثَرَ قَضَايَا عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَتْ صُلْحًا.

وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} ص: ٢٠ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ:

أَحَدُهَا: الصُّلْحُ بَيْنَ الْخُصُومِ.

وَالثَّانِي: فَصْلُ الْحُكْمِ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِخْلَافٍ فِيهِ.

وَالثَّالِثُ: سُرْعَةُ الْقَضَاءِ وَبَتِّ الْحُكْمِ.

وَأَمَّا الِاتِّفَاقُ فَهُوَ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جَوَازِ الصُّلْحِ وَإِبَاحَتِهِ بِالشَّرْعِ.

وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ هُوَ: رُخْصَةٌ لِاسْتِثْنَائِهِ مِنْ جُمْلَةٍ مَحْظُورَةٍ. أَوْ هُوَ: مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَصْلًا بِذَاتِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّهُ رُخْصَةٌ لِأَنَّهُ فَرْعٌ لِأُصُولٍ يُعْتَبَرُ بِهَا فِي صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ وَلَيْسَ بِأَصْلٍ بِذَاتِهِ فَصَارَ لِاعْتِبَارِهِ بِغَيْرِ رُخْصَةٍ مُسْتَثْنَاةٍ مِنْ جُمْلَةٍ مَحْظُورَةٍ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلح
٨١٨ - مسألة؛ قال: (ومن اعترف بحق، فصالح على بعضه، لم يكن ذلك صلحا؛ لأنه هضم للحق)

هاهُنا لم يَمْتَنِعْ مِن أدَائِه، بلِ اعْتَرَفَ به، وصَالَحَهُ عليه، مع بَذْلِه له، فأَشْبَهَ ما لو لم يَجْحَدْهُ.

٨١٨ - مسألة؛ قال: (ومَنِ اعْتَرَف بِحَقٍّ، فصَالَحَ عَلَى بَعْضِهِ، لَمْ يَكُنْ ذلِكَ صُلْحًا؛ لِأَنَّهُ هَضْمٌ لِلْحَقِّ)

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلح
فصل في الشرائط التي ترجع إلى المصالح عليه

عَلَى نَفْسِ الصَّغِيرِ بِالْإِحْيَاءِ، وَتَحْصِيلِ التَّشَفِّي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ البقرة: ١٧٩ ، وَكَذَا مَنْفَعَةُ التَّشَفِّي رَاجِعَةٌ إلَى نَفْسِهِ، وَلِلْأَبِ، وِلَايَةٌ عَلَى نَفْسِ الصَّغِيرِ، وَلَا وِلَايَةَ لِلْوَصِيِّ عَلَيْهَا، وَلِهَذَا مَلَكَ إنْكَاحَهُ دُونَ الْوَصِيِّ إلَّا أَنَّهُ يَمْلِكُ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ النَّفْسِ يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَك الْأَمْوَالِ لِشَبَهِهِ بِالْأَمْوَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَجْرِي بَيْنَ طَرَفِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَلَا بَيْنَ طَرَفِ الذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى مَعَ جَرَيَانِ الْقِصَاصِ بَيْنَهُمْ فِي الْأَنْفُسِ، وَيُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فِي الْحُرِّ كَمَا يُسْتَوْفَى فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ فِيهِ، وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ فِيهِ، وَيُقْضَى بِالنُّكُولِ فِي الْأَطْرَافِ، كَمَا يُقْضَى بِهِ فِي الْأَمْوَالِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا يُقْضَى بِهِ فِي الْأَنْفُسِ، وَلَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي الْحَالِ، وَالْمَآلِ فَيَلِي التَّصَرُّفَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، وَيَمْلِكُ الْأَبُ الصُّلْحَ عَنْ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ، وَمَا دُونَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ الِاسْتِيفَاءَ، فَلَأَنْ يَمْلِكَ الصُّلْحَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ، وَكَذَا الْوَصِيُّ يَمْلِكُ الصُّلْحَ عَنْ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الِاسْتِيفَاءَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، فَكَذَا الصُّلْحُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ، وَهَلْ يَمْلِكُ الصُّلْحَ عَنْ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ، وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ…

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 598 - 601

ارجع إلى شروط المصالح عنه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد