الإسلام > المعاملات المالية > شروط المصالح عنه > بيان حكم الصلح
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 18 دقيقة قراءةالتَّوكيلُ بالإجازةِ، وإنْ رَدَّه بطَل؛ لأنَّ التَّصرُّفَ على الإنسانِ لا يَصحُّ مِنْ غيرِ إذْنِه وإجازَتِه.
ثم إنَّما يَصحُّ صُلحُ الفُضوليِّ إذا كان حُرًّا بالِغًا (١).
بَيانُ حُكمِ الصُّلحِ:
قال الحَنفيَّةُ: لِلصُّلحِ أحكامٌ، بَعضُها أصليٌّ لا يَنفَصِلُ عنه جِنسُ الصُّلحِ المَشروعِ، وبَعضُها دَخيلٌ يَدخُلُ في بَعضِ أنواعِ الصُّلحِ دونَ بَعضٍ.
١ - أمَّا الأصلُ فهو انقِطاعُ الخُصومةِ والمُنازَعةِ بينَ المُتداعيَيْنِ شَرعًا حتى لا تُسمَعَ دَعواهما بعدَ ذلك، وهذا حُكمٌ لَازَمَ جِنسَ الصُّلحِ.
٢ - أمَّا الدَّخيلُ فأنواعٌ: منها:
أ- حقُّ الشُّفعةِ لِلشَّفيعِ وجُملَتُه أنَّ المُدَّعَى لو كان دارًا وكان بَدَلُ الصُّلحِ سِوى الدارِ مِنَ الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ وغَيرِهما فإنْ كان الصُّلحُ عن إقرارِ المُدَّعَى عليه يَثبُتُ لِلشَّفيعِ فيها حَقُّ الشُّفعةِ؛ لأنَّه في مَعنى البَيعِ مِنَ الجانبَيْنِ، فيَجِبُ حَقُّ الشُّفعةِ، وإنْ كان الصُّلحُ عن إنكارٍ لا يَثبُتُ؛ لأنَّه ليس في مَعنى البَيعِ مِنْ جانِبِ المُدَّعَى عليه، بل هو بَذْلُ المالِ لِدَفعِ الخُصومةِ واليَمينِ، لكنْ لِلشَّفيعِ أنْ يَقومَ مَقامَ المُدَّعِي فيُدلي بحُجَّتِه على المُدَّعَى عليه، فإنْ كانت لِلمُدَّعِي بَيِّنةٌ أقامَها الشَّفيعُ عليه، وأخَذَ الدارَ بالشُّفعةِ؛ لأنَّ بإقامةِ البَيِّنةِ تَبيَّنَ له أنَّ الصُّلحَ كان في مَعنى البَيعِ، وكذلك إنْ لَم تَكُنْ له بَيِّنةٌ فحَلَفَ المُدَّعَى عليه فنَكَلَ.
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٤٠، ٥٣)، و «الفتاوى الهندية» (٤/ ٢٣٠).
وإنْ كان بَدَلُ الصُّلحِ دارًا والصُّلحُ عن إقرارِ المُدَّعَى عليه يَثبُتُ لِلشَّفيعِ حَقُّ الشُّفعةِ في الدارَيْنِ جَميعًا؛ لِما مَرَّ أنَّ الصُّلحَ هنا في مَعنى البَيعِ مِنَ الجانبَيْنِ، فصارَ كأنَّهما تَبايَعا دارًا بدارٍ، فيأخُذُ شَفيعُ كلِّ دارٍ الدارَ المَشفوعةَ بقيمةِ الدارِ الأُخرى.
وإنْ تَصالَحا على أنْ يَأخُذَ المُدَّعِي الدارَ المُدَّعاةَ ويُعطيَ المُدَّعَى عليه دارًا أُخرى فإنْ كان الصُّلحُ عن إنكارٍ وَجَبتْ فيهما الشُّفعةُ بقيمةِ كلِّ واحِدةٍ منهما؛ لأنَّ هذا الصُّلحَ في مَعنى البَيعِ مِنَ الجانبَيْنِ، وإنْ كان الصُّلحُ عن إقرارٍ لا يَصحُّ؛ لأنَّ الدارَيْنِ جَميعًا مِلكُ المُدَّعِي؛ لِاستِحالةِ أنْ يَكونَ مِلكُه بَدَلًا عن مِلكِه، وإذا لَم يَصحَّ الصُّلحُ لا تَجِبُ الشُّفعةُ.
ولو صالَحَ عن الدارِ على مَنافِعَ لا تَثبُتُ الشُّفعةُ، وإنْ كان الصُّلحُ عن إقرارٍ؛ لأنَّ المَنفَعةَ ليستْ بعَينِ مالٍ، فلا يَجوزُ أخْذُ الشُّفعةِ بها، وإنْ كان الصُّلحُ عن إنكارٍ يَثبُتُ لِلشَّفيعِ حَقُّ الشُّفعةِ في الدارِ التي هي بَدَلُ الصُّلحِ، ولا يَثبُتُ في الدارِ المُدَّعاةِ؛ لأنَّ الأخْذَ بالشُّفعةِ يَستَدعي كَونَ المأخوذِ مَبيعًا في حَقِّ مَنْ يُؤخَذُ منه؛ لأنَّ الصُّلحَ عن إنكارٍ في جانِبِ المُدَّعِي مُعاوَضةٌ، فكان بَدَلُ الصُّلحِ بمَعنى البَيعِ في حَقِّه إذا كان عَينًا، فكان لِلشَّفيعِ حَقُّ الأخْذِ منه بالشُّفعةِ، وفي جانِبِ المُدَّعَى عليه ليس بمُعاوَضةٍ، بل هو إسقاطُ الخُصومةِ ودَفعُ اليَمينِ عن نَفْسِه، فلَم يَكُنْ لِلدارِ المُدَّعاةِ حُكمُ المَبيعِ في حَقِّه فلَم يَكُنْ لِلشَّفيعِ أنْ يأخُذَها بالشُّفعةِ إلا أنْ يُدليَ بحُجَّةِ المُدَّعِي فيُقيمَ البَيِّنةَ أو يَحلِفَ المُدَّعَى عليه فيَنكُلَ على ما ذَكَرْنا.
٣ - ومنها حَقُّ الرَّدِّ بالعَيبِ، وأنَّه يَثبُتُ مِنَ الجانبَيْنِ جَميعًا، إنْ كان الصُّلحُ عن إقرارٍ؛ لأنَّه بمَنزِلةِ البَيعِ.
وإنْ كان عن إنكارٍ يَثبُتُ في جانِبِ المُدَّعِي، ولا يَثبُتُ في جانِبِ المُدَّعَى عليه؛ لأنَّ هذا بمَنزِلةِ البَيعِ في حَقِّه لا في حَقِّ المُدَّعَى عليه، والعَيبُ على المُدَّعَى عليه في دَعواه، فإنْ أقامَ البَيِّنةَ أخَذَ حِصَّةَ العَيبِ، وإذا لَم يَثبُتْ لِلمُدَّعَى عليه حَقُّ الرَّدِّ بالعَيبِ لَم يَرجِعْ في شَيءٍ.
وكذا لو استَحَقَّ عليه الدارَ وقد بَنى فيها بِناءً فنُقِضَ، لا يَرجِعُ على المُدَّعِي بقيمةِ البِناءِ.
وكذا لو كان المُدَّعَى جاريةً فاستَولَدَها لَم يَكُنْ مَغرورًا، ولا يَرجِعُ بقيمةِ الوَلَدِ؛ لأنَّ ما أخَذَه المُدَّعِي ليس بَدَلَ المُدَّعَى في حَقِّه، إلا أنَّه إذا استُحِقَّتِ الدارُ المُدَّعاةُ يَرجِعُ على المُدَّعِي بما أدَّى إليه؛ لأنَّ المُؤدَّى بَدَلُ الخُصومةِ في حَقِّه، وقد تَبيَّنَ أنَّه لا خُصومةَ له فيه، فكان له حَقُّ الرُّجوعِ بالمُؤدَّى.
ولو وَجَدَ ببَدَلِ الصُّلحِ عَيبًا فلَم يَقدِرْ على رَدِّه لِلهَلاكِ أو لِلزِّيادةِ أو لِلنُّقصانِ في يَدِ المُدَّعِي فإنْ كان الصُّلحُ عن إقرارٍ يَرجِعُ على المُدَّعَى عليه بحِصَّةِ العَيبِ في المُدَّعَى، وإنْ كان عن إنكارٍ يَرجِعُ بحِصَّةِ العَيبِ على المُدَّعَى عليه في دَعواه، فإنْ أقامَ البَيِّنةَ أخَذَ حِصَّةَ العَيبِ، وكذا إذا حَلَّفَه فنَكَلَ وإنْ حلَف فلا شَيءَ عليه.
٤ - ومنها الرَّدُّ بخيارِ الرُّؤيةِ في نَوعَيِ الصُّلحِ؛ لأنَّ الخيارَ ثَبَتَ لِلمُدَّعِي
فيَستَدعي كَونَه مُعاوَضةً عن حَقِّه، وقد وُجِدَ، وكذلك الأحكامُ تَشهَدُ بصِحَّةِ هذا.
٥ - ومنها أنَّه لا يَجوزُ التَّصرُّفُ في بَدَلِ الصُّلحِ قبلَ القَبضِ إذا كان مَنقولًا في نَوعَيِ الصُّلحِ، فلا يَجوزُ لِلمُدَّعِي بَيعُه وهِبَتُه ونَحوُ ذلك.
وإنْ كان عقارًا يَجوزُ عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسُفَ، وعندَ مُحمدٍ لا يَجوزُ، ويَجوزُ ذلك في الصُّلحِ عن القِصاصِ لِلمُصالَحِ أنْ يَبيعَه ويُبرَأَ عنه قبلَ القَبضِ، وكذلك المَهرُ والخُلعُ.
والفَرقُ أنَّ المانِعَ مِنَ الجَوازِ في سائِرِ المَواضِعِ التَّحرُّزُ عن انفِساخِ العَقدِ على تَقديرِ الهَلاكِ، ولَم يُوجَدْ هنا؛ لأنَّ الصُّلحَ عن القِصاصِ بما لا يَحتمِلُ الانفِساخَ، فلا حاجةَ إلى الصِّيانةِ بالمَنعِ، كالمَوروثِ.
ولو صالَحَ عن القِصاصِ على عَينٍ فهَلَكتْ قبلَ التَّسليمِ فعليه قيمَتُها؛ لأنَّ الصُّلحَ لَم يَنفَسِخْ فبَقيَ وُجوبُ التَّسليمِ وهو عاجِزٌ عن تَسليمِ العَينِ لِلمُصالَحِ فيَجِبُ تَسليمُ القيمةِ.
٦ - ومنها أنَّ الوَكيلَ بالصُّلحِ إذا صالَحَ ببَدَلِ الصُّلحِ يَلزَمُه أو يَلزَمُ المُدَّعَى عليه، فهذا في الأصلِ لا يَخلو مِنْ وَجهَيْنِ: إمَّا أنْ يَكونَ الصُّلحُ في مَعنى المُعاوَضةِ، وإمَّا أنْ يَكونَ في مَعنى استِيفاءِ عَينِ الحَقِّ.
فإنْ كان في مَعنى المُعاوَضةِ يَلزَمُه دونَ المُدَّعَى عليه؛ لأنَّه يَكونُ جاريًا مَجرَى البَيعِ، وحُقوقُ البَيعِ راجِعةً إلى الوَكيلِ، وإنْ كان في مَعنى استِيفاءِ عَينِ الحَقِّ فهذا على وَجهَيْنِ أيضًا: إمَّا أنْ يَضمَنَ بَدَلَ الصُّلحِ، وإمَّا ألَّا
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلح
فصل في بيان حكم الصلح
أَسْنَانِ الدِّيَةِ، وَضَمِنَهَا فَهُوَ جَائِزٌ، وَلَا خِيَارَ لِلطَّالِبِ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ عَلَى مِائَةٍ عَلَى أَسْنَانِ الدِّيَةِ اسْتِيفَاءُ عَيْنِ الْحَقِّ، وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي عَيَّنَ الْوَاجِبَ فَقَضَى عَلَيْهِ بِالدَّرَاهِمَ، فَصَالَحَ الْمُتَوَسِّطَ عَلَى أَلْفَيْ دِينَارٍ؛ جَازَ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ، كَمَا لَوْ فَعَلَهُ الْقَاتِلُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ، فَيُرَاعَى لَهُ شَرَائِطُهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ الصُّلْحِ
(فَصْلٌ) :
(وَأَمَّا) بَيَانُ حُكْمِ الصُّلْحِ.
فَنَقُولُ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ إنَّ لِلصُّلْحِ أَحْكَامًا بَعْضُهَا أَصْلِيٌّ لَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ جِنْسُ الصُّلْحِ الْمَشْرُوعِ، وَبَعْضُهَا دَخِيلٌ يَدْخُلُ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الصُّلْحِ دُونَ الْبَعْضِ أَمَّا الْأَصْلُ، فَهُوَ انْقِطَاعُ الْخُصُومَةِ وَالْمُنَازَعَةِ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ شَرْعًا حَتَّى لَا تُسْمَعَ دَعْوَاهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا حُكْمٌ لَازَمَ جِنْسَ الصُّلْحِ.
فَأَمَّا.
الدَّخِيلُ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الصلح)
(مسألة)
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَرَّ بِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ يُلَازِمُ غَرِيمًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ وَقَدِ ارْتَفَعَتْ بَيْنَهُمَا خُصُومَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِكَعْبٍ " خُذْ مِنْهُ الشَّطْرَ وَدَعِ الشَّطْرَ.
وَأَمَّا الْأَثَرُ فَمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ قَالَ فِي عَهْدِهِ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا.
وَرَوِيَ أَنَّ أَكْثَرَ قَضَايَا عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَتْ صُلْحًا.
وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} ص: ٢٠ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ:
أَحَدُهَا: الصُّلْحُ بَيْنَ الْخُصُومِ.
وَالثَّانِي: فَصْلُ الْحُكْمِ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِخْلَافٍ فِيهِ.
وَالثَّالِثُ: سُرْعَةُ الْقَضَاءِ وَبَتِّ الْحُكْمِ.
وَأَمَّا الِاتِّفَاقُ فَهُوَ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جَوَازِ الصُّلْحِ وَإِبَاحَتِهِ بِالشَّرْعِ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ هُوَ: رُخْصَةٌ لِاسْتِثْنَائِهِ مِنْ جُمْلَةٍ مَحْظُورَةٍ. أَوْ هُوَ: مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَصْلًا بِذَاتِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّهُ رُخْصَةٌ لِأَنَّهُ فَرْعٌ لِأُصُولٍ يُعْتَبَرُ بِهَا فِي صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ وَلَيْسَ بِأَصْلٍ بِذَاتِهِ فَصَارَ لِاعْتِبَارِهِ بِغَيْرِ رُخْصَةٍ مُسْتَثْنَاةٍ مِنْ جُمْلَةٍ مَحْظُورَةٍ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلح
٨١٨ - مسألة؛ قال: (ومن اعترف بحق، فصالح على بعضه، لم يكن ذلك صلحا؛ لأنه هضم للحق)
هاهُنا لم يَمْتَنِعْ مِن أدَائِه، بلِ اعْتَرَفَ به، وصَالَحَهُ عليه، مع بَذْلِه له، فأَشْبَهَ ما لو لم يَجْحَدْهُ.
٨١٨ - مسألة؛ قال: (ومَنِ اعْتَرَف بِحَقٍّ، فصَالَحَ عَلَى بَعْضِهِ، لَمْ يَكُنْ ذلِكَ صُلْحًا؛ لِأَنَّهُ هَضْمٌ لِلْحَقِّ)
ارجع إلى شروط المصالح عنه للاطلاع على جميع المسائل.