مبطلات عقد الصلح وحكمه بعد البطلان

الإسلام > المعاملات المالية > شروط المصالح عنه > مبطلات عقد الصلح وحكمه بعد البطلان

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

مبطلات عقد الصلح وحكمه بعد البطلان - الأقوال والأدلة

يَضمَنَ، فإذا لَم يَضمَنْ لا يَلزَمُه؛ لأنَّه يَكونُ سَفيرًا بمَنزِلةِ الرَّسولِ، فلا تَرجِعُ إليه الحُقوقُ، وإنْ ضمِن لَزِمَه بحُكمِ الكَفالةِ، لا بحُكمِ العَقدِ.

وأمَّا الفُضوليُّ: فإنْ نَفَذَ صُلحُه فالبَدَلُ عليه، ولا يَرجِعُ به على المُدَّعَى عليه؛ لأنَّه مُتبرِّعٌ، وإنْ وَقَفَ صُلحُه فإنْ رَدَّه المُدَّعَى عليه بطَل ولا شَيءَ على واحِدٍ منهما، وإنْ أجازَه جازَ، والبَدَلُ عليه دونَ الفُضوليِّ (١).

مُبطِلاتُ عَقدِ الصُّلحِ وحُكمُه بعدَ البُطلانِ:

نَصَّ فُقهاءُ الحَنفيَّةِ على بَيانِ ما يَبطُلُ به الصُّلحُ بعدَ وُجودِه فقالوا:

ما يَبطُلُ به الصُّلحُ أشياءُ:

١ - الإقالةُ فيما سِوى القِصاصِ؛ لأنَّ ما سِوى القِصاصِ لا يَخلو عن مَعنى مُعاوَضةِ المالِ بالمالِ، فكان مُحتَمِلًا لِلفَسخِ كالبَيعِ ونَحوِه، فأمَّا في القِصاصِ فالصُّلحُ فيه إسقاطٌ مَحضٌ؛ لأنَّه عَفوٌ، والعَفوُ إسقاطٌ، فلا يَحتمِلُ الفَسخَ كالطَّلاقِ ونَحوِه.

٢ - لِحاقُ المُرتَدِّ بدارِ الحَربِ أو مَوتُه على الرِّدَّةِ عندَ أبي حَنيفةَ، بِناءً على أنَّ تَصرُّفاتِ المُرتَدِّ مَوقوفةٌ عندَه على الإسلامِ أو اللُّحوقِ بدارِ الحَربِ والمَوتِ، فإنْ أسلَمَ نَفَذَ، وإنْ لَحِقَ بدارِ الحَربِ وقَضى القاضي به أو قُتِلَ أو ماتَ على الرِّدَّةِ تَبطُلُ، وعِندَ أبي يُوسُفَ ومُحمدٍ: نافِذةٌ.

والمُرتَدَّةُ إذا لَحِقتْ بدارِ الحَربِ يَبطُلُ مِنْ صُلحِها ما يَبطُلُ مِنْ صُلحِ الحَربيَّةِ؛ لأنَّ حُكمَها حُكمُ الحَربيَّةِ.

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٥٣، ٥٧).

٣ - الرَّدُّ بخيارِ العَيبِ والرُّؤيةِ؛ لأنَّه يَفسَخُ العَقدَ؛ لِما عُلِمَ.

٤ - ويَبطُلُ الصُّلحُ بمَوتِ أحَدِ المُتعاقِدَيْنِ في الصُّلحِ على المَنافِعِ قبلَ انقِضاءِ المُدَّةِ؛ لأنَّه إجارةٌ، فإذا كان مَوتُه قبلَ الانتِفاعِ بما وَقَعَ عليه الصُّلحُ رجَع المُدَّعِي على دَعواه، وإنْ كان قد انتَفَعَ بنِصفِ المُدَّةِ أو ثُلُثِها: بَطَل مِنْ دَعواه بقَدْرِ ذلك، ورجَع على دَعواه فيما بَقيَ، وهذا قَولُ مُحمدٍ، جعَله كالإجارةِ.

وقال أبو يُوسُفَ: الصُّلحُ مُخالِفٌ لِلإجارةِ، فإذا ماتَ المُدَّعَى عليه لا يَبطُلُ الصُّلحُ، ولِلمُدَّعِي أنْ يَستَوفيَ الذِّمَّةَ بعدَ مَوتِه، وكذا إذا ماتَ المُدَّعِي لا يَبطُلُ الصُّلحُ أيضًا في خِدمةِ العَبدِ وسُكنى الدارِ وزِراعةِ الأرضِ، ويَقومُ وَرَثتُه مَقامَه في الاستِيفاءِ، ويَبطُلُ في رُكوبِ الدَّابَّةِ ولُبسِ الثَّوبِ، ولا يَقومُ وَرَثتُه مَقامَه في الاستِيفاءِ؛ لأنَّ الناسَ يَتفاوَتونَ فيه.

وإنْ هَلَك الشَّيءُ الذي وَقَع الصُّلحُ على مَنفَعتِه أو استُحِقَّ بطَل الصُّلحُ بالإجماعِ.

وصُورتُه: ادَّعى رَجُلٌ على رَجُلٍ شَيئًا فاعتَرَف به ثم صالَحَه على سُكنى دارٍ سَنةً ورُكوبِ دابَّةٍ مَعلومةٍ أو على لُبسِ ثَوبِه أو زِراعةِ أرضِه مُدَّةً مَعلومةً، فهذا الصُّلحُ جائِزٌ فيَكونُ في مَعنى الإجارةِ، فيَجري فيه أحكامُ الإجارةِ، وهو تَمليكُ المَنافِعِ بمالٍ، فكُلُّ مَنفَعةٍ يَجوزُ استِحقاقُها بعَقدِ الإجارةِ يَجوزُ استِحقاقُها بعَقدِ الصُّلحِ (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٥٣، ٥٤)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٦، ٣٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلح
فصل في بيان ما يبطل به الصلح بعد وجوده

عَلَى مَا نَذْكُرُ.

وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي بَدَلِ الصُّلْحِ قَبْلَ الْقَبْضِ إذَا كَانَ مَنْقُولًا فِي نَوْعَيْ الصُّلْحِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُدَّعِي بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ عَقَارًا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي الصُّلْحِ عَنْ الْقِصَاصِ لِلْمُصَالِحِ أَنْ يَبِيعَهُ، وَيَبْرَأَ عَنْهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَكَذَلِكَ الْمَهْرُ وَالْخُلْعُ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْجَوَازِ فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ التَّحَرُّزُ عَنْ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ عَلَى تَقْدِيرِ الْهَلَاكِ، وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ عَنْ الْقِصَاصِ بِمَا لَا يَحْتَمِلُ الِانْفِسَاخَ، فَلَا حَاجَةَ إلَى الصِّيَانَةِ بِالْمَنْعِ كَالْمَوْرُوثِ، وَبِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ إلْحَاقَ الْعَقْدِ بِالْعُقُودِ الَّتِي هِيَ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِغَيْرِ مَالٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ غَيْرُ سَدِيدٍ.

وَلَوْ صَالَحَ عَنْ الْقِصَاصِ عَلَى عَيْنٍ، فَهَلَكَتْ قَبْلَ التَّسْلِيمِ؛ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ لَمْ يَنْفَسِخْ فَبَقِيَ وُجُوبُ التَّسْلِيمِ، وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِ الْعَيْنِ لِلْمُصْلِحِ فَيَجِبُ تَسْلِيمُ الْقِيمَةِ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلح
٨١٨ - مسألة؛ قال: (ومن اعترف بحق، فصالح على بعضه، لم يكن ذلك صلحا؛ لأنه هضم للحق)

هاهُنا لم يَمْتَنِعْ مِن أدَائِه، بلِ اعْتَرَفَ به، وصَالَحَهُ عليه، مع بَذْلِه له، فأَشْبَهَ ما لو لم يَجْحَدْهُ.

٨١٨ - مسألة؛ قال: (ومَنِ اعْتَرَف بِحَقٍّ، فصَالَحَ عَلَى بَعْضِهِ، لَمْ يَكُنْ ذلِكَ صُلْحًا؛ لِأَنَّهُ هَضْمٌ لِلْحَقِّ)

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الصلح)
(مسألة)

وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَرَّ بِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ يُلَازِمُ غَرِيمًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ وَقَدِ ارْتَفَعَتْ بَيْنَهُمَا خُصُومَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِكَعْبٍ " خُذْ مِنْهُ الشَّطْرَ وَدَعِ الشَّطْرَ.

وَأَمَّا الْأَثَرُ فَمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ قَالَ فِي عَهْدِهِ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا.

وَرَوِيَ أَنَّ أَكْثَرَ قَضَايَا عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَتْ صُلْحًا.

وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} ص: ٢٠ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ:

أَحَدُهَا: الصُّلْحُ بَيْنَ الْخُصُومِ.

وَالثَّانِي: فَصْلُ الْحُكْمِ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِخْلَافٍ فِيهِ.

وَالثَّالِثُ: سُرْعَةُ الْقَضَاءِ وَبَتِّ الْحُكْمِ.

وَأَمَّا الِاتِّفَاقُ فَهُوَ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جَوَازِ الصُّلْحِ وَإِبَاحَتِهِ بِالشَّرْعِ.

وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ هُوَ: رُخْصَةٌ لِاسْتِثْنَائِهِ مِنْ جُمْلَةٍ مَحْظُورَةٍ. أَوْ هُوَ: مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَصْلًا بِذَاتِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّهُ رُخْصَةٌ لِأَنَّهُ فَرْعٌ لِأُصُولٍ يُعْتَبَرُ بِهَا فِي صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ وَلَيْسَ بِأَصْلٍ بِذَاتِهِ فَصَارَ لِاعْتِبَارِهِ بِغَيْرِ رُخْصَةٍ مُسْتَثْنَاةٍ مِنْ جُمْلَةٍ مَحْظُورَةٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 592 - 593

ارجع إلى شروط المصالح عنه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر