الإسلام > المعاملات المالية > عقد الاستصناع > دليل جواز الاستصناع
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةولو كان المَبيعُ العَمَلَ نَفْسَه لَما صَحَّ ذلك، ولأنَّ الاستِصناعَ طلبُ الصُّنعِ فما لَم يُشترَطْ فيه العَمَلُ لا يَكونُ استِصناعًا، فكان مأخَذُ الاسمِ دَليلًا عليه، ولأنَّ العَقدَ على مَبيعٍ في الذِّمَّةِ يُسمَّى سَلَمًا، وهذا العَقدُ يُسمَّى استِصناعًا، واختِلافُ الأسماءِ دَليلُ اختِلافِ المَعاني في الأصلِ.
وأمَّا إذا أتى الصانِعُ بعَينٍ صَنَعَها قبلَ العَقدِ ورَضيَ به المُستَصنِعُ فلَم يَجُزْ بالعَقدِ الأوَّلِ، بل جازَ بعَقدٍ آخَرَ وهو التَّعاطي بتَراضِيهما (١).
دَليلُ جَوازِ الاستِصناعِ:
يرى فُقهاءُ الحَنفيَّةِ أنَّ القياسَ يأبى جَوازَ الاستِصناعِ؛ لأنَّه بَيعُ ما ليس عندَ الإنسانِ، لا على وَجهِ السَّلَمِ، وقد نَهى رَسولُ اللهِ ﷺ عن بَيعِ ما ليس عندَ الإنسانِ، ورَخَّصَ في السَّلَمِ، ويَجوزُ استِحسانًا لِإجماعِ الناسِ على ذلك؛ لِأنَّهم يَعمَلونَ ذلك في سائِرِ الأعصارِ مِنْ غيرِ نَكيرٍ، والقياسُ يُترَكُ بالإجماعِ؛ ولِهذا تُرِكَ القياسُ في دُخولِ الحَمَّامِ بالأجْرِ مِنْ غيرِ بَيانِ المُدَّةِ ومِقدارِ الماءِ الذي يُستَعمَلُ، وفي قَطعِ الشارِبِ لِلسِّقاءِ مِنْ غيرِ بَيانِ قَدرِ المَشروبِ، وفي شِراءِ البَقلِ، وهذه المُحقَّراتُ، كذا هذا.
ولأنَّ الحاجةَ تَدعو إليه؛ لأنَّ الإنسانَ قد يَحتاجُ إلى خُفٍّ أو نَعلٍ مِنْ جِنسٍ مَخصوصٍ ونَوعٍ مَخصوصٍ على قَدْرٍ مَخصوصٍ وصِفةٍ مَخصوصةٍ، وقَلَّما يَتَّفِقُ وُجودُه مَصنوعًا فيَحتاجُ إلى أنْ يَستَصنِعَ فلو لَم يَجُزْ لَوَقَع
(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٢)، و «المبسوط» (١٢/ ١٣٩، ١٤٠)، و «المحيط البرهاني» (٨/ ٧٠٨)، و «البحر الرائق» (٦/ ١٨٥).
الناسُ في الحَرَجِ، ولأنَّ فيه مَعنى عَقدَيْنِ جائِزَيْنِ -وهُما السَّلَمُ والإجارةُ- لأنَّ السَّلَمَ عَقدٌ على مَبيعٍ في الذِّمَّةِ، واستِئجارُ الصُّنَّاعِ يُشترَطُ فيه العَمَلُ، وما اشتَمَلَ على مَعنى عَقدَيْنِ جائِزَيْنِ كان جائِزًا (١).
أمَّا جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ فلا يُجوِّزنَ عَقدَ الاستِصناعِ هذا، وإنَّما يَصحُّ عندَهم على أساسِ عَقدِ السَّلَمِ، ويُشترَطُ فيه ما يُشترَطُ في السَّلَمِ المُتقدِّمِ بَيانُه مِنْ وَصفِ العَمَلِ وضَربِ الأجَلِ وتَعجيلِ رأسِ المالِ وكَونِ المَعمولِ منه والعَملِ في الذِّمَّةِ كما سبَق بَيانُه.
قال المالِكيَّةُ: وفَسَد السَّلَمُ في نَحوِ عَمَلِ السَّيفِ بتَعيينِ الشَّيءِ المَعمولِ منه -كالحَديدِ-، أو تَعيينِ الشَّخصِ العامِلِ، وأوْلى بتَعيينِهما معًا؛ لِشِدَّةِ غَرَرِه فيهما، ومَنِ استَصنَعَ طَشتًا أو تَورًا أو قَلَنسُوةً أو خِفافًا أو غيرَ ذلك مما يُعمَلُ في الأسواقِ بصِفةٍ مَعلومةٍ، فإنْ كان مَضمومًا إلى مِثلِ أجَلِ السَّلَمِ، ولَم يَشترِطْ عَمَلَ رَجُلٍ بعَينِه ولا شَيئًا بعَينِه يُعمَلُ منه جازَ ذلك إذا قَدَّمَ رأسَ المالِ مَكانَه أو إلى يومٍ أو يومَيْنِ، فإنْ ضَرَبَ لِرأسِ المالِ أجَلًا بَعيدًا لَم يَجُزْ، وصارَ دَينًا بدَينٍ.
وإنِ اشتَرَط عَمَلَه مِنْ نُحاسٍ أو حَديدٍ بعَينِه، أو اشتَرَط ظَواهِرَ مُعَيَّنةً أو عَمَلَ رَجُلٍ بعَينِه لَم يَجُزْ وإنْ نَقَدَه؛ لأنَّه غَرَرٌ لا يَدري أيُسَلَّمُ إلى ذلك الأجَلِ أم لا، ولا يَكونُ السَّلَفُ في شَيءٍ بعَينِه.
(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٢)، و «المبسوط» (١٢/ ١٣٩، ١٤٠)، و «المحيط البرهاني» (٧/ ٢٩٧)، و «البحر الرائق» (٦/ ١٨٥)، و «الفتاوى الهندية» (٣/ ٢٠٧).
وإنِ اشتَرى شَخصٌ الشَّيءَ المَعمولَ منه -كالحَديدِ والنُّحاسِ والجِلدِ ونَحوِها- مِنْ صانِعٍ واستأجَرَه -أي: المُشتَري البائِعَ- على عَمَلِه سَيفًا أو تَورًا أو سَرْجًا مَثَلًا جازَ على المَشهورِ مِنْ جَوازِ الجَمعِ بينَ البَيعِ والإجارةِ في عَقدٍ واحِدٍ إنْ شَرَعَ البائِعُ في العَمَلِ -ولو حُكمًا- بتأخيرِه ثلاثةَ أيامٍ، وسَواءُ عَيَّنَ المُشتَري عامِلَه أو لا.
قال الشَّيخُ عُلَيشٌ رحمة الله عليه: وفارَقَتْ هذه المَسألةُ المَسألةَ التي قَبلَها بأنَّ التي قَبلَها لَم يَدخُلْ فيها المَبيعُ في مِلكِ المُشتَري أوَّلًا، وهذه دَخَلَ في مِلكِه ثم أجَّرَه على عَمَلِه.
وعِندَ ابنِ عَبدِ السَّلامِ وغَيرِه: الفَرقُ بينَ هذه والتي قَبلَها أنَّ العَقدَ فيما قَبلَها وَقَع على المَصنوعِ على وَجهِ السَّلَمِ، ولَم يَدخُلِ المَعمولُ منه في مِلكِ المُشتَري، وهذه وَقَع العَقدُ فيها على المَبيعِ المَعمولِ منه ومَلَكَه المُشتَري ثم استأجَرَه بالشَّرطِ في العَقدِ على عَمَلِه، وهذه الأُخرى هي مَسألةُ ابنِ رُشدٍ، وأمَّا التي قَبلَها فمَسألةُ المُدوَّنةِ، وفيها أربَعُ صُوَرٍ لِتَعيينِ المَعمولِ منه والعامِلِ، وعَدَمِ تَعيينِهما، وتَعيينِ المَعمولِ منه فَقَطْ، وتَعيينِ العامِلِ فَقَطْ (١).
وقال الدَّميريُّ مِنَ الشافِعيَّةِ: أمَّا استِصناعُ النِّعالِ … فلا يَجوزُ إلا كما نَصَّ عليه الشافِعيُّ رحمة الله عليه في «الأُمِّ» وهو: أنْ يَشتَريَ النَّعلَيْنِ
(١) «منح الجليل» (٥/ ٣٨٥، ٣٨٦)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٢، ٦٤)، و «مواهب الجليل» (٦/ ٤٠٠، ٤٠١)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٥٩٤، ٥٩٦)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٢٢٣)، و «بلغة السالك» (٣/ ١٨٠).
ارجع إلى عقد الاستصناع للاطلاع على جميع المسائل.