الإسلام > المعاملات المالية > قرض النقود والفلوس > هل يحق للمقرض أن يرجع في القرض إذا كان له مدة مشروطة أو لا؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةهل يَحِقُّ لِلمُقرِضِ أنْ يَرجِعَ في القَرضِ إذا كان له مُدَّةٌ مَشروطةٌ أو لا؟
اختَلَف الفُقهاءُ في المُقرِضِ هل يَحِقُّ له الرُّجوعُ في القَرضِ الذي أقرَضَه أو لا؟
فالمالِكيَّةُ يَقولونَ: لا يَلزَمُه رَدُّه.
والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ وأبو حَنيفةَ -كما حَكاه عنه ابنُ قُدامةَ- يَقولونَ: يَلزَمُه رَدُّه لِرَبِّه على التَّفصيلِ الآتي.
قال المالِكيَّةُ: القَرضُ يَملِكُه المُقترِضُ بمُجرَّدِ عَقدِ القَرضِ -وإنْ لَم يَقبِضْه-، ويَصيرُ مالًا مِنْ أموالِه ويُقضى له به، وإذا قَبَضه لا يَلزَمُه رَدُّه لِرَبِّه إلا بعدَ المُدَّةِ المَشروطةِ، وإذا لَم يَكُنْ بَينَهما شَرطٌ يُرجَعُ فيه إلى العادةِ لا يَرُدُّه إلا إذا انتَفَع به عادةً أمثالُه مع عَدَمِ الشَّرطِ على الراجِحِ في المَذهبِ، فإنْ مَضى الأجَلُ المُشترَطُ أو المُعتادُ يَلزَمُه رَدُّه.
وفي قَولٍ: إذا أطلَقَ مِنْ غيرِ تَقييدِ زَمَنٍ فإنَّه يُقضى بالحُلولِ ويأخُذُه رَبُّه إذا طَلَبَه.
ولو أراد تَعجيلَه قبلَ أجَلِه وجَب على رَبِّه قَبولُه، ولو غيرَ عَينٍ؛ لأنَّ الأجَلَ فيه مِنْ حَقِّ مَنْ هو عليه (١).
وقال الشافِعيَّةُ في الأصَحِّ: لِلمُقرِضِ الرُّجوعُ في عَينِه ما دام باقيًا في
(١) «تحبير المختصر» (٤/ ٧٤)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٢٣٢)، و «الشرح الكبير» (٤/ ٣٦٦)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٦١٣).
مِلكِ المُقترِضِ بحالِه؛ لأنَّ له طلَب بَدَلِه عندَ فَقدِه، فالمُطالَبةُ بعَينِه أوْلى؛ لأنَّه أقرَبُ منه ويَلزَمُ المُقترِضَ رَدُّه.
وفي مُقابِلِ الأصَحِّ: لا يَرجِعُ فيه؛ صيانةً لِمِلكِ المُستقرِضِ، بل لِلمُقترِضِ أنْ يُؤدِّيَ حَقَّه مِنْ مَوضِعٍ آخَرَ، كسائِرِ الدُّيونِ.
والخِلافُ على القَولِ بأنَّه يُملَكُ بالقَبضِ، وأمَّا على القَولِ الذي يَقولُ بأنَّه يُملَكُ بالتَّصرُّفِ رَجَع به جَزمًا.
ولو وَجَده مَرهونًا أو مُكاتَبًا أو جَنى فتَعلَّقَ الأرشُ برَقَبَتِه فإنَّه لا رُجوعَ له.
ولو رَدَّه المُقترِضُ بعَينِه لَزِمَ المُقرِضَ قَبولُه قَطعًا إنْ نَقَص فله قَبولُه مع الأرشِ أو مِثلُه سَليمًا.
ولو زادَ رَجَع في زيادتِه المُتَّصِلةِ دونَ المُنفَصِلةِ.
ولو زالَ مِلكُه ثم عادَ فوَجهانِ بالرُّجوعِ وعَدَمِه.
ولو أجَّرَه المُستقرِضُ كان لِلمُقرِضِ الرُّجوعُ فيه، ولا تَبطُلُ الإجارةُ، وإنْ شاءَ صَبَر لِانقِضاءِ المُدَّةِ، ولا أُجرةَ له؛ إذِ الأُجرةُ كزيادةٍ مُتَّصِلةٍ، وإنْ شاءَ أخَذَ بَدَلَه لِنُقصانِ مَنفَعَتِه (١).
فقال الحَنابِلةُ: القَرضُ عَقدٌ لَازِمٌ في حَقِّ المُقرِضِ، جائِزٌ في حَقِّ المُقترِضِ، فلو أرادَ المُقرِضُ الرُّجوعَ في عَينِ مالِه لَم يَملِكْ ذلك؛ لأنَّه
(١) «البيان» (٥/ ٤٥٨، ٤٥٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٥، ٣٦)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٢٦٦)، و «النجم الوهاج» (٤/ ٢٨٨، ٢٨٩)
أزالَ مِلكَه بعِوَضٍ مِنْ غيرِ خيارٍ، فلَم يَكُنْ له الرُّجوعُ فيه كالمَبيعِ.
فأمَّا المُقترِضُ فله رَدُّ ما اقتَرَضه على المُقرِضِ إذا كان على صِفَتِه لَم يَنقُصْ ولَم يَحدُثْ به عَيبٌ؛ لأنَّه على صِفةِ حَقِّه، فلَزِمَه قَبولُه، كالمُسلَمِ فيه، وكما لو أعطاه غَيرَه.
ولِلمُقرِضِ المُطالَبةُ ببَدَلِه مِنَ المُقترِضِ في الحالِ؛ لأنَّه سَبَبٌ يُوجِبُ رَدَّ المِثلِ في المِثليَّاتِ فأوجَبَه حالًّا كالإتلافِ.
ولو أقرَضَه تَفاريقَ ثم طالَبَه بها جُملةً فله ذلك؛ لأنَّ الجَميعَ حالٌّ، فأشبَهَ ما لو باعَه بُيوعًا حالَّةً ثم طالَبَه بثَمَنِها جُملةً.
وإنْ أجَّلَ القَرضَ لَم يَتأجَّلْ وكان حالًّا، وكُلُّ دَينٍ حَلَّ أجَلُه لَم يَصِرْ مُؤجَّلًا بتأجيلِه؛ لأنَّ الحَقَّ يَثبُتُ حالًّا، والتأجيلُ تَبرُّعٌ منه ووَعدٌ، فلا يَلزَمُ الوَفاءُ به كما لو أعارَه شَيئًا.
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولِلمُقرِضِ المُطالَبةُ ببَدَلِه في الحالِ؛ لأنَّه سَبَبٌ يُوجِبُ رَدَّ المِثلِ في المِثليَّاتِ فأوجَبَه حالًّا كالإتلافِ.
ولو أقرَضَه تَفاريقَ ثم طالَبَه بها جُملةً فله ذلك؛ لأنَّ الجَميعَ حالٌّ، فأشبَهَ ما لو باعه بُيوعًا حالَّةً ثم طالَبَه بثَمَنِها جُملةً.
وإنْ أجَّلَ القَرضَ لَم يَتأجَّلْ، وكان حالًّا، وكُلُّ دَينٍ حَلَّ أجَلُه لَم يَصِرْ مُؤجَّلًا بتَأجيلِه.
وبهذا قال الحارِثُ العُكْليُّ والأوزاعيُّ وابنُ المُنذرِ والشافِعيُّ.
وقال مالِكٌ واللَّيثُ: يَتأجَّلُ الجَميعُ بالتأجيلِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ:
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب القرض
فصل في حكم القرض
خَطَرِ الطَّرِيقِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ السَّفْتَجَةَ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوطَةً فِي الْقَرْضِ مُطْلَقًا، ثُمَّ تَكُونُ السَّفْتَجَةُ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا بَأْسَ بِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَالْأَجَلُ لَا يَلْزَمُ فِي الْقَرْضِ - سَوَاءٌ كَانَ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ أَوْ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ - بِخِلَافِ سَائِرِ الدُّيُونِ، وَالْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّ الْقَرْضَ تَبَرُّعٌ.
أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَا يُقَابِلُهُ عِوَضٌ لِلْحَالِ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب السلم
[باب القرض]
بابُ القرضِ
والقَرْضُ نَوْعٌ من السَّلَفِ، وهو جَائِزٌ بالسُّنَّةِ والإجْمَاعِ؛ أمَّا السُّنَّةُ، فرَوَى أبو رَافِعٍ، أنّ النَّبِىَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ علَى النَّبِىِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِبِلُ الصَّدَقَةِ، فأمَرَ أبا رَافِعٍ أن يَقْضِىَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ. فرَجَعَ إليه أبو رَافِعٍ، فقال يا رسولَ اللهِ، لم أجِدْ فيها إلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًّا . فقال: "أعْطِهِ، فَإنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً" . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وعن ابنِ مَسْعُودٍ: أنَّ النَّبِىَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- , قال: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ. إلَّا كَانَ كَصَدَقَةِ مَرَّةٍ" . وعَن أنَسٍ، قال: قال رسولُ اللَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بى عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِها، والْقَرْضُ بثَمَانِيَة عَشرَ. فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا بَالُ الْقَرْضِ أفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ؟ . قال: لأنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، والمُسْتَقْرِضُ لا يَسْتَقْرِضُ إلَّا مِن حَاجَةٍ" . رَوَاهُما ابنُ مَاجَه . وأجْمَع المسلمون على جَوَازِ القَرْضِ.
فصل: والقَرْضُ مَنْدُوبٌ إليه فى حَقِّ المُقْرِضِ، مُبَاحٌ لِلْمُقْتَرِضِ؛ لما رَوَيْنَا من الأحَادِيثِ، ولما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "مَنْ كَشَفَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، كَشَفَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَاللهُ فِى عَوْنِ
ارجع إلى قرض النقود والفلوس للاطلاع على جميع المسائل.