وأما المسألة الأخرى، وهي: إذا استقرض فلوسا فنقصت قيمتها، هل يرد المثل أو القيمة؟

الإسلام > المعاملات المالية > قرض النقود والفلوس > وأما المسألة الأخرى، وهي: إذا استقرض فلوسا فنقصت قيمتها، هل يرد المثل أو القيمة؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 22 دقيقة قراءة

وأما المسألة الأخرى، وهي: إذا استقرض فلوسا فنقصت قيمتها، هل يرد المثل أو القيمة؟ - الأقوال والأدلة

وقال أبو حَنيفةَ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ: لو استَقرَضَ فُلوسًا فكَسَدتْ فعليه مِثلُها، وليس له إلا النَّقدُ الذي أقرَضَه؛ لأنَّ رَدَّ المِثلِ كان واجِبًا، ولأنَّ الفائِتَ بالكَسادِ ليس إلا وَصفَ الثَّمَنيَّةِ، وهذا وَصفٌ لا تَعلُّقَ لِجَوازِ القَرضِ به، ألا تَرى أنَّه يَجوزُ استِقراضُه بعدَ الكَسادِ ابتِداءً -وإنْ خَرَج مِنْ كَونِه ثَمَنًا-؟ فلَأنْ يَجوزَ بَقاءُ القَرضِ فيه أوْلى؛ لأنَّ البَقاءَ أسهَلُ، وكذلك الجَوابُ في الدَّراهِمِ التي يَغلِبُ عليها الغِشُّ؛ لأنَّها في حُكمِ الفُلوسِ.

وأمَّا المَسألةُ الأُخرى، وهي: إذا استَقرَضَ فُلوسًا فنَقَصتْ قيمَتُها، هل يَرُدُّ المِثلَ أو القيمةَ؟

فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسُفَ في قَولِه الأوَّلِ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إذا استَقرَضَ فُلوسًا فنَقَصتْ قيمَتُها -بأنْ رَخُصَ السِّعرُ، مِثلَ أنْ كان عَشَرةً بدانَقٍ، فصارَتْ عِشرينَ بدانَقٍ- فإنَّه يَلزَمُه مِثلُها، لا قيمَتُها، سَواءٌ نَقَصتْ قيمَتُها قَليلًا أو نَقَصتْ كَثيرًا ما دامَ يَتعامَلُ بها؛ لأنَّه لَم يَحدُثْ فيها شَيءٌ، إنَّما تَغيَّرَ السِّعرُ فأشبَهَ الحِنطةَ إذا رَخُصتْ أو غَلَتْ (١).

(١) يُنظر: «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٩٥)، و «شرح فتح القدير» (٧/ ١٥٧)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ١٤٣)، و «البحر الرائق» (٦/ ٢٢٠)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٥٥)، و «الشرح الكبير» (٤/ ٣٦٠)، و «مواهب الجليل» (٦/ ١٦٣)، و «البهجة في شرح التحفة» (٢/ ٢٠)، و «الشرح الصغير» (٦/ ٢٨٩)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٢٥٨)، و «البيان» (٥/ ٤٦١)، و «حواشي الشرواني» (٥/ ٤٤)، و «المغني» (٤/ ٢١٤)، و «كشاف القناع» (٣/ ٣٦٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٣٢٥)، و «الإنصاف» (٥/ ١٢٦، ١٢٧)، و «الروض المربع» (٢/ ٦).

جاء في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: قُلتُ: أرأيتَ إنْ أتَيتُ إلى رَجُلٍ فقُلتُ له: أسلِفْني دِرهَمَ فُلوسٍ، ففَعَل والفُلوسُ يَومَئِذٍ مِئةُ فِلْسٍ بدِرهَمٍ، ثم حالَتِ الفُلوسُ ورَخُصتْ حتى صارَتْ مِئتا فِلسٍ بدِرهَمٍ؟ قال: إنَّما يُرَدُّ مِثلُ ما أُخِذَ ولا يُلتَفتُ إلى الزِّيادةِ. قال: وقال مالِكٌ: الشَّرطُ باطِلٌ وإنَّما عليه مِثلُ ما أخَذَ (١).

وقال الإمامُ السُّيوطيُّ رحمة الله عليه: قد تَقرَّرَ أنَّ القَرضَ الصَّحيحَ يُرَدُّ فيه المِثلُ مُطلَقًا، فإذا اقتَرَض منه رِطلَ فُلوسٍ فالواجِبُ رَدُّ رِطلٍ مِنْ ذلك الجِنسِ، سَواءٌ زادَتْ قيمَتُه أو نَقَصتْ، أمَّا في صُورةِ الزِّيادةِ فلأنَّ القَرضَ كالسَّلَمِ، وسيأتي النَّقلُ فيه، وأمَّا في صُورةِ النَّقصِ فقد قال في الرَّوضةِ مِنْ زَوائِدِه: ولو أقرَضَه نَقدًا فأبطَلَ السُّلطانُ المُعامَلةَ به فليس له إلا النَّقدُ الذي أقرَضَه، نَصَّ عليه الشافِعيُّ رحمة الله عليه، فإذا كان هذا مع إبطالِه فمع نَقصِ قيمَتِه مِنْ بابِ أوْلى (٢).

وقال الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: المُستَقرِضُ يَرُدُّ المِثلَ في المِثليَّاتِ، سَواءٌ رَخُصَ سِعرُه أو غَلا أو كان بحالِه.

ولو كان ما أقرَضَه مَوجودًا بعَينِه فرَدَّه مِنْ غيرِ عَيبٍ يَحدُثُ فيه لَزِمَ قَبولُه، سَواءٌ تَغيَّرَ سِعرُه أو لَم يَتغيَّرْ، وإنْ حَدَث به عَيبٌ لَم يَلزَمْه قَبولُه، وإنْ كان القَرضُ فُلوسًا، أو مُكسَّرةً، فحَرَّمها السُّلطانُ وتُرِكتِ المُعامَلةُ بها كان

(١) «المدونة الكبرى» (١٤/ ٣٢١).
(٢) «الحاوي» لِلفتاوى (١/ ٩٥).

لِلمُقرِضِ قيمَتُها، ولَم يَلزَمْه قَبولُها، سَواءٌ كانت قائمةً في يَدِه أو استَهلَكَها؛ لأنَّها تَعيَّبتْ في مِلكِه، نَصَّ عليه أحمدُ في الدَّراهِمِ المُكسَّرةِ، وقال: يُقوِّمُها كَمْ تُساوي يَومَ أخَذَها ثم يُعطيه، وسَواءٌ نَقَصتْ قيمَتُها قَليلًا أو كَثيرًا.

قالَ القاضي: هذا إذا اتَّفَق الناسُ على تَركِها، فأمَّا إنْ تَعامَلوا بها مع تَحريمِ السُّلطانِ لَها لَزِمَ أخذُها، وقال مالِكٌ واللَيثُ بنُ سَعدٍ والشافِعيُّ: ليس له إلا مِثلُ ما أقرَضَه؛ لأنَّ ذلك ليس بعَيبٍ حَدَث فيها، فجَرى مَجرى نَقصِ سِعرِها.

ولنا: أنَّ تَحريمَ السُّلطانِ لها مَنَع إنفاقَها وأبطَلَ ماليَّتَها، فأشبَهَ كَسرَها أو تَلَفَ أجزائِها، وأما رُخصُ السِّعرِ فلا يَمنَعُ رَدَّها، سَواءٌ كان كَثيرًا -مِثلَ أنْ كانتْ عَشَرةً بدانَقٍ، فصارَتْ عِشرينَ بدانَقٍ- أو قَليلًا؛ لأنَّه لَم يَحدُثْ فيها شَيءٌ إنَّما تَغيَّرَ السِّعرُ فأشبَهَ الحِنطةَ إذا رَخُصتْ أو غَلَتْ (١).

وذهَب الإمامُ أبو يُوسُفَ مِنَ الحَنفيَّةِ وعليه الفَتوى عندَهم إلى أنَّ الفُلوسَ إذا غَلَتْ أو نَقَصتْ فعليه قيمَتُها مِنَ الدَّراهِمِ يَومَ البَيعِ والقَبضِ.

وللإمامِ ابنِ عابدينَ رحمة الله عليه كَلامٌ مُهِمٌّ في هذا، قال: مَطلَبٌ مُهِمٌّ في أحكامِ النُّقودِ إذا كَسَدتْ أو انقَطَعتْ أو غَلَتْ أو رَخُصتْ:

قَولُه: قُلتُ: «ومما يَكثُرُ وُقوعُه … » إلخ، اعلَمْ أنَّه إذا اشتَرى بالدَّراهِمِ التي غَلَب غِشُّها، أو بالفُلوسِ ولَم يُسلِّمْها لِلبائِعِ ثم كَسَدتْ بَطَل البَيعُ والانقِطاعُ عن أيدي الناسِ كالكَسادِ، ويَجبُ على المُشتَري رَدُّ المَبيعِ لو

(١) «المغني» (٤/ ٢١٤).

كان قائِمًا، ومِثلِه أو قيمَتِه لو كان هالِكًا، وإنْ لَم يَكُنْ مَقبوضًا فلا حُكمَ لِهذا البَيعِ أصلًا، وهذا عندَه وعندَهما لا يُبطِلُ البَيعَ؛ لأنَّ المُتعذَّرَ التَّسليمُ بعدَ الكَسادِ، وذلك لا يُوجِبُ الفَسادَ؛ لِاحتِمالِ الزَّوالِ بالرَّواجِ، لكنْ عندَ أبي يُوسُفَ تَجِبُ قيمَتُه يَومَ البَيعِ، وعندَ مُحمدٍ يَومَ الكَسادِ، وهو آخِرُ ما تَعامَلَ الناسُ بها، وفي الذَّخيرةِ الفَتوى على قَولِ أبي يُوسُفَ، وفي المُحيطِ والتَّتِمَّةِ والحَقائِقِ وبقَولِ مُحمدٍ يُفتى؛ رِفقًا بالناسِ. اه.

والكَسادُ أنْ تُترَكَ المُعامَلةُ بها في جَميعِ البِلادِ، فلو في بَعضِها لا يَبطُلُ لِكنَّها تَتعَيَّبُ إذا لَم تُرجَ في بَلَدِهم، فيَتخيَّرُ البائِعُ إنْ شاء أخَذَه وإنْ شاءَ أخَذَ قيمَتَه.

وحَدُّ الانقِطاعِ ألَّا يُوجَدَ في السُّوقِ، وإنْ وُجِدَ في يَدِ الصَّيارِفةِ والبُيوتِ، هكذا في الهِدايةِ، والانقِطاعُ كالكَسادِ، كما في كَثيرٍ مِنَ الكُتُبِ، لكنْ قال في المُضمَراتِ: فإنِ انقَطَع ذلك فعليه مِنَ الذهَب والفِضَّةِ قيمَتُه في آخِرِ يَومٍ انقَطَع، وهو المُختارُ. اه.

هذا إذا كَسَدتْ وانقَطَعتْ، أمَّا إذا غَلَتْ قيمَتُها أو انتَقَضتْ فالبَيعُ على حالِه ولا يَتخيَّرُ المُشتَري ويُطالَبُ بالنَّقدِ بذلك العيارِ الذي كان وَقتَ البَيعِ كذا في فَتحِ القَديرِ وفي البَزازيةِ عن المُنتَقى: غَلَتِ الفُلوسُ أو رَخُصتْ، فعندَ الإمامِ الأوَّلِ والثاني أو لا ليس عليه غَيرُها.

وقال الثاني: ثانيًا: عليه قيمَتُها مِنَ الدَّراهِمِ يَومَ البَيعِ والقَبضِ، وعليه الفَتوى، وهكذا في الذَّخيرةِ والخُلاصةِ عن المُنتَقى، ونَقَله في البَحرِ وأقَرَّه.

فحيث صرَّح بأنَّ الفَتوى عليه في كَثيرٍ مِنَ المُعتَبَراتِ، فيَجِبُ أنْ يُعوَّلَ عليه إفتاءٍ وقَضاءٍ، ولَم أرَ مَنْ جَعَل الفَتوى على قَولِ الإمامِ.

هذا خُلاصةُ ما ذَكَره المُصنِّفُ رحمة الله عليه تَعالَى- في رِسالَتِه «بَذْلُ المَجهودِ في مَسألةِ تَغيُّرِ النُّقودِ».

وفي الذَّخيرةِ عن المُنتَقى: إذا غَلَتِ الفُلوسُ قبلَ القَبضِ أو رَخُصتْ قال أبو يُوسُفَ: قَولي وقَولُ أبي حَنيفةَ في ذلك سَواءٌ، وليس له غَيرُها، ثم رجَع أبو يُوسُفَ وقال: عليه قيمَتُها مِنَ الدَّراهِمِ يَومَ وَقَع البَيعُ، ويَومَ وَقَع القَبضُ. اه.

وقَولُه: يَومَ وَقَع البَيعُ، أي: في صُورةِ البَيعِ.

وقَولُه: ويَومَ وَقَع القَبضُ، أي: في صُورةِ القَرضِ، كما نَبَّه عليه في النَّهرِ في بابِ الصَّرفِ.

وحاصِلُ ما مَرَّ أنَّه على قَولِ أبي يُوسُفَ المُفتى به لا فَرقَ بينَ الكَسادِ والانقِطاعِ والرُّخصِ والغَلاءِ في أنَّه تَجِبُ قيمَتُها يَومَ وَقَع البَيعُ أو القَرضُ، لا مِثلُها.

وفي دَعوى البَزازيةِ مِنَ النَّوعِ الخامِسَ عَشَرَ عن فَوائِدِ الإمامِ أبي حَفصٍ الكَبيرِ: استَقرَضَ منه دانَقَ فُلوسٍ حالَ كَونِها عَشَرةً بدانَقٍ فصارَتْ سِتَّةً بدانَقٍ أو رَخُصَ وصارَ عِشرونَ بدانَقٍ، يأخُذُ منه عَدَد ما أعطى ولا يَزيدُ ولا يَنقُصُ. اه.

قُلتُ: هذا مَبنيٌّ على قَولِ الإمامِ، وهو قَولُ أبي يُوسُفَ أوَّلَّا، وقد

عَلِمتُ أنَّ المُفتى به قَولُه: ثانيًا بوُجوبِ قيمَتِها يَومَ القَرضِ وهو دانَقٌ، أي: سُدُسِ دِرهَمٍ، سَواءٌ صارَ الآنَ سِتَّةَ فُلوسٍ بدانَقٍ أو عِشرينَ بدانَقٍ، فتأمَّلْ.

ومِثلُه ما سيَذكُرُه المُصنِّفُ في فَصلِ القَرضِ مِنْ قَولِه: استَقرَضَ مِنَ الفُلوسِ الرائِجةِ والعَدالى فكَسَدتْ فعليه مِثلُها كاسدةً، لا قيمَتُها. ا هـ. فهو على قَولِ الإمامِ.

وسيأتي في بابِ الصَّرفِ مَتنًا وشَرحًا اشتَرى شَيئًا به، أي: بغالِبِ الغِشِّ، وهو نافِقٌ، أو بفُلوسٍ نافِقةٍ، فكَسَد ذلك قبلَ التَّسليمِ لِلبائِعِ بطَل البَيعُ، كما لو انقَطَعتْ عن أيدي الناسِ؛ فإنَّه كالكَسادِ، وكذا حُكمُ الدَّراهِمِ لو كَسَدتْ أو انقَطَعتْ بَطَل وصَحَّحاه بقيمةِ المَبيعِ، وبه يُفتى رِفقًا بالناسِ. اه.

وقَولُه: «بقيمةِ المَبيعِ»، صَوابُه بقيمةِ الثَّمَنِ الكاسِدِ، وفي غايةِ البَيانِ، قال أبو الحَسنِ: لَم تَختلِفِ الرِّوايةُ عن أبي حَنيفةَ في قَرضِ الفُلوسِ إذا كَسَدتْ أنَّ عليه مِثلَها.

قال بِشرٌ: قال أبو يُوسُفَ: عليه قيمَتُها مِنَ الذهَب يَومَ وَقَع القَرضُ في الدَّراهِمِ التي ذَكَرتُ لكَ أصنافَها، يَعني البُخاريَّةَ والطَّبَريَّةَ واليَزيديَّةَ.

وقال مُحمدٌ: عليه قيمَتُها في آخِرِ إنفاقِها.

قال القُدوريُّ: وإذا ثَبَت مِنْ قَولِ أبي حَنيفةَ في قَرضِ الفُلوسِ ما ذَكَرنا فالدَّراهِمُ البُخاريَّةُ فُلوسٌ على صِفةٍ مَخصوصةٍ، والطَّبَريةُ واليَزيديَّةُ هي التي غلَب الغِشُّ عليها، فتَجري مَجرى الفُلوسِ، فلذلك قاسَها أبو يُوسُفَ على الفُلوسِ. اه.

وما ذَكَره في القَرضِ جازَ في البَيعِ أيضًا، كما قَدَّمناه عن الذَّخيرة مِنْ قَولِه: «يَومَ وَقَع البَيعُ … » إلخ.

ثم اعلَمْ أنَّ الذي فُهِمَ مِنْ كَلامِهم أنَّ الخِلافَ المَذكورَ إنما هو في الفُلوسِ والدَّراهِمِ الغالِبةِ الغِشِّ، ويَدلُّ عليه أنَّه في بَعضِ العِباراتِ اقتَصَر على ذِكرِ الفُلوسِ في بَعضِها ذَكَر العَدالِيَّ معها، وهي كما في البَحرِ عن البِنايةِ بفتح العَينِ المُهمَلةِ والدالِ وكَسرِ اللَّامِ: دَراهِمُ فيها غِشٌّ، وفي بَعضِها تَقييدُ الدَّراهِمِ بغالِبةِ الغِشِّ، وكذا تَعليلُهم قَولَ الإمامِ ببُطلانِ البَيعِ بأنَّ الثَّمَنيَّةَ بَطَلتْ بالكَسادِ؛ لأنَّ الدَّراهِمَ التي غلَب غِشُّها إنما جُعِلتْ ثَمَنًا بالاصطِلاحِ، فإذا تَرَكَ الناسُ المُعامَلةَ بها بَطَل الاصطِلاحُ، فلم تَبْقَ ثَمَنًا، فبَقيَ البَيعُ بلا ثَمَنٍ فبَطَل.

ولم أرَ مَنْ صرَّح بحُكمِ الدَّراهِمِ الخالِصةِ أو المَغلوبةِ الغِشِّ سِوى ما أفادَه الشارِحُ هنا.

ويَنبَغي أنَّه لا خِلافَ في أنَّه لا يَبطُلُ البَيعُ بكَسادِها، ويَجبُ على المُشتَري مِثلُها في الكَسادِ والانقِطاعِ والرُّخصِ والغَلاءِ، أمَّا عَدَمُ بُطلانِ البَيعِ فلأنَّها ثَمَنُ خِلقةٍ، فتَركُ المُعامَلةِ بها لا يُبطِلُ ثَمنيَّتَها، فلا يَتأتَّى تَعليلُ البُطلانِ المَذكورِ، وهو بَقاءُ البَيعِ بلا ثَمَنٍ، وأمَّا وُجوبُ مِثلِها -وهو ما وَقَع عليه العَقدُ، كمِئةِ ذهَب مُشخَّصٍ، أو مِئةِ ريالٍ أفرَنجيٍّ- فلِبَقاءِ ثَمَنيَّتِها أيضًا وعَدَمِ بُطلانِ تَقوُّمِها، وتَمامُ بَيانِ ذلك في رِسالَتِنا (تَنبيهُ الرُّقودِ في أحكامِ النُّقودِ) (١).

(١) «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٥٣٣، ٥٣٥)، ويُنظر: «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٣٧٣، ٣٧٨)، و «المحيط البرهاني» (٢/ ٢٧٦)، و «البحر الرائق» (٦/ ٢١٩)، و «الفتاوى الهندية» (٣/ ١٠٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب القرض
ركن القرض

ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الثُّلُثِ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا تَبْطُلُ بِهِ الْوَصِيَّةُ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا بَيَانُ مَا تَبْطُلُ بِهِ الْوَصِيَّةُ فَالْوَصِيَّةُ تَبْطُلُ بِالنَّصِّ عَلَى الْإِبْطَالِ، وَبِدَلَالَةِ الْإِبْطَالِ، وَبِالضَّرُورَةِ (أَمَّا) النَّصُّ فَنَحْوَ أَنْ يَقُولَ: أَبْطَلْتُ الْوَصِيَّةَ الَّتِي أَوْصَيْتُهَا لِفُلَانٍ أَوْ فَسَخْتُهَا أَوْ نَقَضْتُهَا فَتَبْطُلَ إلَّا التَّدْبِيرَ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى الْإِبْطَالِ مُطْلَقًا كَانَ التَّدْبِيرُ أَوْ مُقَيَّدًا إلَّا أَنَّ الْمُقَيَّدَ مِنْهُ يَبْطُلُ مِنْهُ بِدَلَالَةِ الْإِبْطَالِ بِالتَّمْلِيكِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، كَذَا إذَا قَالَ: رَجَعْتُ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْ الْوَصِيَّةِ إبْطَالٌ لَهَا فِي الْحَقِيقَةِ.

(وَأَمَّا) الدَّلَالَةُ، وَالضَّرُورَةُ فَعَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي الرُّجُوعِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَكُونُ رُجُوعًا عَنْ الْوَصِيَّةِ.

وَمَا لَا يَكُونُ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَتَبْطُلُ بِجُنُونِ الْمُوصِي جُنُونًا مُطْبَقًا؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ عَقْدٌ جَائِزٌ كَالْوَكَالَةِ، فَيَكُونُ لِبَقَائِهِ حُكْمُ الْإِنْشَاءِ كَالْوَكَالَةِ فَتُعْتَبَرُ أَهْلِيَّةُ الْعَقْدِ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ، كَمَا تُعْتَبَرُ أَهْلِيَّةُ الْأَمْرِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ.

وَالْجُنُونُ الْمُطْبَقُ هُوَ أَنْ يَمْتَدَّ شَهْرًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ سَنَةً،، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 25 - 31

ارجع إلى قرض النقود والفلوس للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده