الإسلام > المعاملات المالية > ما يبطل به عقد الرهن قبل القبض > وضع الرهن في يد عدلين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 42 دقيقة قراءةولو كان الرَّهنُ على يَدِ عَدلٍ فأخَذَه المُرتَهَنُ مِنْ يَدِه لَزِمه ضَمانُه، كما لو رَدَّه إلى يَدِ الراهِنِ، فإنْ رَدَّه على العَدلِ سَقَطَ عنه الضَّمانُ، كما لو رَدَّه إلى يَدِ المُرتَهَنِ؛ لأنَّ العَدلَ وَكيلُ الراهِنِ.
إذا رَضيَ الراهِنُ بتَركِ الرَّهنِ في يَدِ المُرتَهَنِ ثم سألَ إخراجَه مِنْ يَدِه إلى غَيرِه فإنْ تَغيَّرَ حالُ المُرتَهَنِ وَجَب إخراجُه مِنْ يَدِه ووَضعُه على يَدِ عَدلٍ يَرضيانِ به أو يَرضاه الحاكِمُ لهما إنِ اختَلَفا، وإنْ لَم يَتغيَّرْ حالُ المُرتَهَنِ وَجَب إقرارُه في يَدِه، كما يَجبُ إقرارُه في يَدِ العَدلِ لو لَم يَتغيَّرْ حالُه (١).
وَضعُ الرَّهنِ في يَدِ عَدلَيْنِ:
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنْ جُعِلَ الرَّهنُ في يَدِ عَدلَيْنِ جازَ، ولهما إمساكُه، ولا يَجوزُ لِأحَدِهما الانفِرادُ بحِفظِه، وإنْ سَلَّمَه أحَدُهما إلى الآخَرِ فعليه ضَمانُ النِّصفِ؛ لأنَّه القَدرُ الذي تَعَدَّى فيه، وهذا أحَدُ الوَجهَيْنِ لِأصحابِ الشافِعيِّ.
وفي الآخَرِ إذا رَضيَ أحَدُهما بإمساكِ الآخَرِ جازَ، وبهذا قال أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ.
وقال أبو حَنيفةَ: إنْ كان مما يَنقَسِمُ اقتَسَماه، وإلا فلكُلِّ واحِدٍ منهما إمساكُ جَميعِه؛ لأنَّ اجتِماعَهما على حِفظِه يَشُقُّ عليهما، فحُمِلَ الأمرُ على أنَّ لكلِّ واحِدٍ منهما الحِفظَ.
(١) المَصادِر السابقَة.
ولنا: أنَّ المُتَراهِنَيْنِ لَم يَرضَيا إلا بحِفظِهما، فلَم يَجُزْ لِأحَدِهما الانفِرادُ بذلك، كالوَصيَّيْنِ، لا يَنفَرِدُ أحَدُهما بالتَّصرُّفِ، وقَولُهم: «إنَّ الاجتِماعَ على الحِفظِ يَشُقُّ»، ليس كذلك، فإنَّه يُمكِنُ جَعلُه في مَخزَنٍ لكلِّ واحِدٍ منهما عليه قُفلٌ.
وقال أيضًا: ولو أرادَ العَدلُ رَدَّه عليهما فله ذلك، وعليهما قَبولُه، وبهذا قال الشافِعيُّ؛ لأنَّه أمينٌ مُتطوِّعٌ بالحِفظِ، فلا يَلزَمُه المُقامُ عليه، فإنِ امتَنَعا أجبَرَهما الحاكِمُ عليه، فإنْ تَغيَّبا نَصَّبَ الحاكِمُ أمينًا بقَبضِه لهما؛ لأنَّ لِلحاكِمِ وِلايةً على المُمتَنِعِ مِنَ الحَقِّ الذي عليه، ولو دَفَعه إلى الأمينِ مِنْ غيرِ امتِناعِهما ضمِن وضمِن الحاكِمُ؛ لأنَّه لا وِلايةَ له على غيرِ المُمتَنِعِ، وكذا لو تَرَكَه العَدلُ عندَ آخَرَ مع وُجودِهما ضمِن وضمِن القابِضُ، وإنِ امتَنَعا ولَم يَجِدْ حاكِمًا فتَرَكه عندَ عَدلٍ آخَرَ لَم يَضمَنْ، وإنِ امتَنَع أحَدُهما لَم يَكُنْ له دَفْعُه إلى الآخَرِ، فإنْ فَعَلَ ضمِن والفَرقُ بَينَهما أنَّ أحَدَهما يُمسِكُه لِنَفْسِه، والعَدلَ يُمسِكُه لَهما، هذا فيما إذا كانا حاضِرَيْنِ، فأمَّا إنْ كانا غائبَيْنِ نُظِرَ، فإنْ كان لِلعَدلِ عُذرٌ مِنْ مَرَضٍ أو سَفَرٍ أو نَحو ذلك رَفَعه إلى الحاكِمِ فقبَضه منه أو نَصَبَ له عَدلًا يَقبِضُه لَهما، فإنْ لَم يَجِدْ حاكِمًا أودَعَه عندَ نَفْسِه، وليس له دَفعُه إلى ثِقةٍ يُودِعُه عندَه مع وُجودِ الحاكِمِ، فإنْ فَعَل ضمِن، فإنْ لَم يَكُنْ له عُذرٌ وكانت الغَيبةُ بَعيدةً إلى مَسافةِ القَصرِ قبَضه الحاكِمُ منه، فإنْ لَم يَجِدْ حاكِمًا دَفَعَه إلى عَدلٍ، وإنْ كانتِ الغَيبةُ دونَ مَسافةِ القَصرِ فهو كما لو كانا حاضرَيْنِ؛ لأنَّ ما دونَ مَسافةِ القَصرِ في حُكمِ الإقامةِ، وإنْ كان أحَدُهما حاضِرًا والآخَرُ غائِبًا فحُكمُهما حُكمُ الغائبَيْنِ،
وليس له دَفعُه إلى الحاضِرِ منهما، وفي جَميعِ هذه الأقسامِ متى دَفَعه إلى أحَدِهما لَزِمَه رَدُّه إلى يَدِه، وإنْ لَم يَفعَلْ فعليه ضَمانُ حَقِّ الآخَرِ (١).
ويَتعَلَّقُ بوَضعِ المَرهونِ على يَدِ العَدلِ أحكامٌ، هي:
١ - اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربعةِ على أنَّه ليس لِلعَدلِ أنْ يَدفَعَ العَينَ المَرهونةَ إلى الراهِنِ أو المُرتَهَنِ بلا إذْنِ الآخَرِ؛ لأنَّ كلًّا منهما لَم يَرضَ بوَضعِه في يَدِ صاحِبِه أوَّلًا، ولأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما قد تَعلَّقَ حَقُّه بالمَرهونِ: فحَقُّ الراهِنِ حِفظُ مِلْكِه في يَدِ مَنْ ائتَمَنه، وحَقُّ المُرتَهَنِ التَّوثُّقُ مِنْ أجَلِ استِيفاءِ الدَّيْنِ، فليس له أنْ يُبطِلَ حَقَّ واحِدٍ منهما بدَفعِه إلى الآخَرِ بغَيرِ إذْنِه، فإذا أذِنَ في ذلك جازَ.
فإذا دَفَعه إلى أحَدِهما بدُونِ إذْنِ الآخَرِ كان مُتعدِّيًا وصارَ ضامِنًا لِلعَينِ المَرهونةِ؛ لِتَعلُّقِ حَقِّهما به؛ لأنَّه مُودَعُ الراهِنِ في حَقِّ العَينِ ومُودَعُ المُرتَهَنِ في حَقِّ الماليَّةِ، وكِلاهما أجنبيٌّ عن صاحِبِه، والمُودَعُ يُضمَنُ بالدَّفعِ إلى الأجنبيِّ (٢).
٢ - إذا هَلَكتِ العَينُ المَرهونةُ في يَدِ العَدلِ بلا تَعَدٍّ ولا تَقصيرٍ لَم
(١) «المغني» (٤/ ٢٣٠، ٢٣١).
(٢) «الجوهرة النيرة» (٣/ ١٩٥، ١٩٧)، و «اللباب» (١/ ٤٢٨)، و «الهداية» بشروحها (٩/ ١٠٥)، و «تبين الحقائق» (٦/ ٨٠)، و «مجمع الضمانات» (١/ ٢٨٠)، و «الدر المختار» (٦/ ٥٠٣)، و «المدونة» (٥/ ٣٠٧)، و «الجامع لِمسائل المدونة» (١٢/ ٥٤٨)، و «الإشراف» (٣/ ١٦) رقم (٨٧٣)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٣٠٣)، و «البيان» (٦/ ٥٠، ٥١)، و «المغني» (٤/ ٢٢٩).
يَضمَنِ اتِّفاقًا؛ لأنَّه أمينٌ، فهو كالوَكيلِ، فإذا تَعدَّى أو قَصَّرَ ضمِن كالمُرتَهَنِ باتِّفاقِ الفُقهاءِ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا هل يَكونُ مِنْ ضَمانِ الراهِنِ؟ أم مِنْ ضَمانِ المُرتَهَنِ؟
فقال الحَنفيَّةُ: يَهلِكُ مِنْ ضَمانِ المُرتَهَنِ؛ لأنَّ يَدَ العَدلِ في حَقِّ الماليَّةِ يَدُ المُرتَهَنِ؛ لِقيامِه مَقامَه، وهي يَدُ ضَمانٍ، فإذا هَلَك هَلَك في ضَمانِ المُرتَهَنِ (١).
وقال جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: إذا تلِف الرَّهنُ بيَدِ العَدلِ يَكونُ مِنْ ضَمانِ الراهِنِ؛ لأنَّه وَكيلُ الراهِنِ، وهو أمينٌ له في قَبضِه، فإذا تلِف كان مِنْ ضَمانِ مُوكِّلِه كسائِرِ الأُمناءِ.
وعَلَّلَه المالِكيَّةُ بأنَّ الراهِنَ لَم يَرضَ بأمانةِ المُرتَهَنِ لمَّا جَعَله على يَدِ غَيرِه، وكان ذلك رِضًا بألَّا يَدخُلَ في ضَمانِه (٢).
٣ - ليس لِلعَدلِ أنْ يَبيعَ العَينَ المَرهونةَ عندَ حُلولِ أجَلِ الدَّيْنِ وتَعذُّرِ وَفائِه؛ لأنَّهما جَعَلا له حَقَّ الإمساكِ لا التَّصرُّفِ إلا إذا سَلَّطاه على ذلك أو شَرَطًا في العَقدِ أنْ يَبيعَه العَدلُ، وعِندَها يَجوزُ له بَيعُه، ولا يَجبُ عليه
(١) «الجوهرة النيرة» (٣/ ١٩٦)، و «اللباب» (١/ ٤٢٨)، و «الهداية» بشروحها (٩/ ١٠٥)، و «تبين الحقائق» (٦/ ٨٠)، و «مجمع الضمانات» (١/ ٢٨٠)، و «الدر المختار» (٦/ ٥٠٣)، و «البحر الرائق» (٨/ ٢٧١)، و «بداية المبتدي» (١/ ٢٣٤).
(٢) «الإشراف» (٣/ ١٧)، و «الحاوي الكبير» (٦/ ١٥٠)، و «حاشية البجيرمي» (٢/ ٣٨٤)، و «إعانة الطالبين» (٣/ ٥٩)، و «المغني» (٤/ ٢٣٢)، و «جواهر العقود» (١/ ١٢٣).
مُراجَعةُ الراهِنِ؛ لأنَّ الأَصلَ بَقاءُ الإذْنِ الأوَّلِ؛ لأنَّ الإذْنَ قد وُجِدَ مَرَّةً فيَكفي كما في الوَكالةِ في سائِرِ الحُقوقِ.
٤ - عَزلُ العَدلِ:
العَدلُ إمَّا أنْ يَعزِلَ نَفْسَه وإمَّا أنْ يَعزِلَه الراهِنُ أو المُرتَهَنُ:
أ- إذا عَزَلَ العَدلُ نَفْسَه وَرَدَّ المَرهونَ إلى العاقدَيْنِ الراهِنِ والمُرتَهَنِ انتَهَتْ وَكالَتُه عندَ الفُقهاءِ؛ لأنَّه أمينٌ بالحِفظِ، ولأنَّ الوَكالةَ في حَقِّه عَقدٌ جائِزٌ، يَجوزُ له الرُّجوعُ عنها متى شاءَ ولا يَلزَمُه الاستِمرارُ عليها، فإنْ رَفَضا رَفَعَ أمرَه إلى القاضي فيأمُرُهما بأخْذِ المَرهونِ.
وهذا إذا لَم يَكُنْ مُوكَّلًا ببَيعِ الرَّهنِ، فإنْ كان مُوكَّلًا ببَيعِ الرَّهنِ فقد اختَلَف الفُقهاءُ فيه:
فذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ العَدلَ يَخرُجُ عن وَكالةِ بَيعِ المَرهونِ بعَزلِ نَفْسِه، سَواءٌ أكانتِ الوَكالةُ مَشروطةً في عَقدِ الرَّهنِ أم بَعدَه؛ لأنَّ العَدلَ وَكيلٌ مُنفَصِلٌ، فلا يُجبَرُ على المُضيِّ في الوَكالةِ.
وقال الحَنفيَّةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ: لو كانتِ الوَكالةُ مَشروطةً في عَقدِ الرَّهنِ فعَزَلَ العَدلُ المُوكِّلَ ببَيعِ الرَّهنِ نَفْسَه بحَضرةِ المُرتَهَنِ إنْ رَضيَ بالعَزلِ صَحَّ، وإلا فلا؛ لِتَعلُّقِ حَقِّه به.
وإنْ كان التَّوكيلُ بالبَيعِ بعدَ تَمامِ العَقدِ لا يُجبِرُ العَدلَ على البَيعِ؛ لأنَّ رِضا المُرتَهَنِ على الرَّهنِ قد تَمَّ بدُونِه، هذا وهو تَوكيلٌ مُستأنَفٌ ليس في ضِمنِ عَقدٍ لَازِمٍ.
وقال أبو يُوسُفَ والمالِكيَّةُ: لا يُخرِجُ العَدلُ المُوكِّلَ ببَيعِ الرَّهنِ بعَزلِ نَفْسِه.
ب- أمَّا إذا عَزَلَ الراهِنُ أو المُرتَهَنُ العَدلَ عن البَيعِ فقد اختَلَف الفُقهاءُ فيه، هل يَصحُّ هذا العَزلُ أم لا؟
فقد نَصَّ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ على أنَّ الراهِنَ إذا وَكَّلَ العَدلَ أو المُرتَهَنَ ببَيعِ الرَّهنِ عندَ حُلولِ الأجَلِ لا يَنعَزِلُ بالعَزلِ.
قال الحَنفيَّةُ: إذا وَكَّلَ الراهِنُ المُرتَهَنَ أو العَدلَ أو غَيرَهما ببَيعِ الرَّهنِ عندَ حُلولِ الأجَلِ فالوَكالةُ جائِزةٌ؛ لأنَّه تَوكيلُ بَيعِ مالِه، فإنْ شرَط الوَكالةَ في عَقدِ الرَّهنِ فليس لِلراهِنِ عَزلُه عنها، فإنْ عَزَلَه لَم يَنعزِلْ؛ لأنَّ الوَكالةَ لمَّا شُرِطتْ في عَقدِ الرَّهنِ صارَتْ وَصفًا مِنْ أوصافِه وحَقًّا مِنْ حُقوقِه، ألَا تَرى أنَّها لِزيادةِ الوَثيقةِ فتَلزَمُ بلُزومِ أصلِه؟ ولأنَّه تَعلَّقَ به حَقُّ المُرتَهَنِ، وفي العَزلِ إبطالُ حَقِّه، وصارَ كالوَكالةِ بالخُصومةِ بطَلَبِ المُدَّعي، ولو وَكَّلَه بالبَيعِ مُطلَقْا حتى مَلَكَ البَيعَ بالنَّقدِ والنَّسيئةِ ثم نَهاه عن البَيعِ بالنَّسيئةِ لَم يَعمَلْ نَهيُه؛ لأنَّه لَازِمٌ بأصلِه، فكذا بوَصفِه، وكذا لا يَنعزِلُ بالعَزلِ الحُكميِّ كمَوتِ المُوكِّلِ وارتِدادِه ولُحوقِه بدارِ الحَربِ؛ لأنَّ الرَّهنَ لا يَبطُلُ بمَوتِه، ولو بطَل إنَّما كان يَبطُلُ لِحَقِّ الوَرَثةِ، وحَقُّ المُرتَهَنِ مُقدَّمٌ عليه، كما يَتقدَّمُ على حَقِّ الراهِنِ بخِلافِ الوَكالةِ المُفرَدةِ حيثُ تَبطُلُ بالمَوتِ ويَنعَزِلُ بعَزلِ المُوكِّلِ لِما عُرِفَ في مَوضِعِه، وهذه الوَكالةُ تُخالِفُ المُفردةَ مِنْ وُجوهٍ: منها ما ذَكَرنا.
ومنها: أنَّ الوَكيلَ هنا إذا امتَنَع مِنَ البَيعِ يُجبَرُ عليه بخِلافِ الوَكالةِ المُفردةِ.
ومنها: أنَّ هذا يَبيعُ الوَلَدَ والأرشَ بخِلافِ المُفردةِ.
ومنها: أنَّه إذا باعَ بخِلافِ جِنسِ الدَّينِ كان له أنْ يَصرِفَه إلى جِنسِ الدَّينِ بخِلافِ المُفرَدةِ.
ومنها: أنَّ الرَّهنَ إذا كان عَبدًا وقَتَلَه عَبدٌ خَطَأً فدَفَعَ القاتِلُ بالجِنايةِ كان لِهذا الوَكيلِ أنْ يَبيعَه بخِلافِ المُفردةِ.
ولا يَنعزِلُ العَدلُ بعَزلِ المُرتَهَنِ؛ لأنَّه لَم يُوكِّلْه، فكانَ أجنَبيًّا عنه بالنِّسبةِ إلى الوَكالةِ، وهو إذا عَزَلَه المُوكِّلُ لا يَنعَزِلُ، فبعَزلِ غَيرِه أوْلى ألَّا يَنعزِلَ (١).
وأمَّا المالِكيَّةُ فيَرَوْنَ أنَّه ليس لِلراهِنِ عَزلُ وَكيلِه الذي هو المُرتَهَنُ؛ لِتعلُّقِ الحَقِّ في هذه الوَكالةِ.
قال العَلَّامةُ العَدَويُّ رحمة الله عليه في «حاشيَتِه على الخِرشيِّ»: ثم إنَّ المُرتَهَنَ إذا وَكَّلَ على البَيعِ فليس لِلراهِنِ عَزلُه كالأمينِ. اه. ونَقَلَ المَوَّاقُ عن ابنِ رُشدٍ أنَّه قال: لو طاعَ الراهِنُ لِلمُرتَهَنِ بعدَ البَيعِ وقَبلَ حُلولِ الأجَلِ، بأنْ
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٤٩)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٢٠٥)، و «المبسوط» (٢١/ ٧٩)، و «الدر المختار» (٦/ ٥٠٣، ٥٠٤، ٥٣٨)، و «العناية» (١١/ ٢٣٤)، و «البحر الرائق» (٧/ ١٨٩)، و «تبيين الحقائق» (٦/ ٨١، ٨٢)، و «مرشد الحيران» (٣/ ١٣٨٤، ١٣٨٥)، و «مجمع الأنهر» (٣/ ٣٤٠)، و «الأوسط» (٥/ ٦٨٥، ٦٨٦).
رهَنه رَهنًا ووَكَّلَه على بَيعِه عندَ حُلولِ الأجَلِ دونَ مُؤامَرةِ سُلطانٍ جازَ اتِّفاقًا؛ لأنَّه مَعروفٌ منه، ولو شرَط المُرتَهَنُ على الراهِنِ في عَقدِ البَيعِ أنَّه مُوكَّلٌ على بَيعِه دونَ مُؤامَرةِ سُلطانٍ فقيلَ: إنَّ ذلك جائِزٌ لَازِمٌ، وقاله القاضي إسماعيلُ وابنُ القَصَّارِ وعَبدُ الوَهَّابِ وأشهَبُ، وكرِه ذلك في «المُدَوَّنةِ». اه. انظُرِ: الحَطَّابَ (١).
وذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الراهِنَ إذا عَزَلَ العَدلَ قبلَ البَيعِ صَحَّ عَزلُه ولَم يَملِكِ البَيعَ عندَئِذٍ، وكذلك لِلعَدلِ أنْ يَعزِلَ نَفْسَه عن ذلك ويَترُكَ أمرَ البَيعِ لَهما؛ لأنَّ الوَكالةَ عَقدٌ جائِزٌ، فلَم يَلزَمِ المُقامُ عليها كسائِرِ الوَكالاتِ.
فأمَّا إنْ عَزَلَه المُرتَهَنُ لا يَنعَزِلُ عندَ الحَنبَليَّةِ والشافِعيَّةِ في أصَحِّ الوَجهَيْنِ؛ لأنَّ العَدلَ وَكيلُ الراهِنِ؛ إذِ الرَّهنُ مِلكُه، ولو انفَرَد بتَوكيلِه صَحَّ، فلَم يَنعزِلْ بعَزلِ غَيرِه، لكنْ لا يَجوزُ بَيعُه بغَيرِ إذْنِه، وهكذا لو لَم يَعزِلاه فحَلَّ الحَقُّ لَم يَبِعْه حتى يَستأذِنَ المُرتَهَنَ؛ لأنَّ البَيعَ لِحَقِّه فلَم يَجُزْ حتى يأذَنَ فيه، ولا يَحتاجُ إلى تَجديدِ إذْنٍ مِنَ الراهِنِ.
والوَجهُ الآخَرُ لِلشافِعيَّةِ: يَنعَزِلُ إذا عَزَلَه المُرتَهَنُ، كما لو عَزَلَه الراهِنُ؛ لأنَّه يَتصرَّفُ لهما.
(١) «أسهل المدارك» (٢/ ٣٧٦)، و «تحبير المختصر» (٤/ ١٠٦)، و «الإشراف» (٣/ ١٥، ١٧) رقم (٨٧٢، ٨٧٥)، و «روضة المستبين في شرح كتاب التلقين» (٢/ ١١٠٢)، و «حاشية ميارة» (١/ ١٨٣)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٢٥٤).
وفي وَجهٍ لِلحَنابِلةِ: لا يَصحُّ عَزلُه؛ لأنَّه يَفتَحُ بابَ الحِيلةِ لِلراهِنِ؛ فإنَّه يُشترَطُ ذلك لِلمُرتَهَنِ لِيُجيبَه إليه، ثم يَعزِلَه (١).
٥ - تَلَفُ الثَّمنِ بعدَ البَيعِ في يَدِ العَدلِ:
وإذا باعَ العَدلُ الرَّهنَ بإذْنِهما وقبَض الثَّمَنَ فتلِف في يَدِه مِنْ غيرِ تَعَدٍّ فلا ضَمانَ عليه باتِّفاقِ المَذاهِبِ الأربعةِ؛ لأنَّه أمينٌ، فهو كالوَكيلِ.
ويَكونُ مِنْ ضَمانِ الراهِنِ عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّه وَكيلُ الراهِنِ في البَيعِ، والثَّمَنُ مِلكُه، وهو أمينٌ له في قَبضِه، فإذا تلِف كان مِنْ ضَمانِ مُوكِّلِه كسائِرِ الأُمناءِ.
ولأنَّ الرَّهنَ غيرُ مَضمونٍ على مُرتَهَنِه عندَهما، ثم مِنَ الدَّليلِ أنَّ يَدَ العَدلِ كيَدِ الراهِنِ، لأنَّ جَوازَ بَيعِه وتَصرُّفِه مَوقوفٌ على إذْنِ الراهِنِ، ثم ثَبَتَ أنَّ الراهِنَ إذا باع الرَّهنَ كان ثَمَنُه مِنْ ضَمانِ الراهِنِ دونَ المُرتَهَنِ؛ لِبَقاءِ الرَّهنِ على مِلكِه، فوَجَب إذا باعه العَدلُ أنْ يَكونَ ثَمَنُه مِنْ ضَمانِ الراهِنِ دونَ المُرتَهَنِ؛ لِبَقاءِ الرَّهنِ على مِلكِه، وتَحريرُه أنَّه مَبيعٌ في الرَّهنِ أنْ يَكونَ ثَمَنُه مِنْ ضَمانِ الراهِنِ، أصلُه: إذا باعَه الراهِنُ، ولأنَّه ثَمَنُ مَبيعٍ فوَجَبَ أنْ يَكونَ مِنْ ضَمانِ المالِكِ كالوَكيلِ.
وقال الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ: يَكونُ مِنْ ضَمانِ المُرتَهَنِ؛ لأنَّ يَدَه كيَدِ
(١) «المهذب» (١/ ٣٥٧)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٣٠٥)، و «البيان» (٦/ ٥٦)، و «جواهر العقود» (١/ ١٢٣)، و «المغني» (٤/ ٢٣١)، و «كشاف القناع» (٣/ ٤٠٨)، و «الإفصاح» (١/ ٤١٩).
المُرتَهَنِ عندَ الحَنفيَّةِ، وهي يَدُ ضَمانٍ؛ لأنَّه بَدَلٌ مِنَ الرَّهنِ، فكان هَلاكُه كهَلاكِ الرَّهنِ.
وعَلَّلَه المالِكيَّةُ بأنَّ العَدلَ أمينٌ لَهما جَميعًا، لِلراهِنِ بحِفظِ الرَّهنِ، ولِلمُرتَهَنِ بحَقِّ التَّوثقِ، وهو بَيعُه وتَوفيةُ المُرتَهَنِ دَينَه، فإذا باعه فقد باعه في حَقِّ أمانَتِه لِلمُرتَهَنِ، فوَجَب إذا تلِف الثَّمَنُ أنْ يَتلَفَ منه؛ لأنَّ الثَّمَنَ مِلكُه؛ لأنَّ ببَيعِه قد خَرَج مِنْ مِلكِ الراهِنِ وبَرِئتْ ذِمَّتُه.
وقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: وإنِ ادَّعى التَّلَفَ فالقَولُ قَولُه مع يَمينِه؛ لأنَّه أمينٌ، ويَتعذَّرُ عليه إقامةُ البَيِّنةِ على ذلك، وإنْ كُلِّفَ البَيِّنةَ شَقَّ عليه ورُبَّما أدى إلى ألَّا يَدخُلَ الناسُ في الأماناتِ.
فإنْ خالَفاه في قَبضِ الثَّمَنِ قالا: ما قَبَضه مِنَ المُشتَري وادَّعى أنَّه قبَض الثَّمَنَ مِنَ المُشتَري فيه وَجهانِ عندَ الحَنابِلةِ:
أحَدُهما: القَولُ قَولُه؛ لأنَّه أمينٌ، والآخَرُ: لا يُقبَلُ؛ لأنَّ هذا إبراءٌ لِلمُشتَري مِنَ الثَّمَنِ، فلا يُقبَلُ قَولُه فيه، كما لو أبرأه مِنْ غيرِ الثَّمَنِ.
٦ - إذا خرَج المَبيعُ مُستَحقًّا بعدَ تَلَفِ الثَّمَنِ في يَدِ العَدلِ:
وإذا باعَ العَدلُ الرَّهنَ وقبَض الثَّمَنَ في يَدِه ثم خرَج المَبيعُ مُستَحقًّا فلا عُهدةَ على العَدلِ عندَ الجُمهورِ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ إلا أنَّهم اختَلَفوا فيمَن تَكونُ عليه:
فقال المالِكيَّةُ: يأخُذُ المُستحِقُّ ما استَحَقَّه، ويَرجِعُ المُشتَري على مَنْ بِيعَ له، وهو المُرتَهَنُ، ويأخُذُ الثَّمَنَ منه ويَعودُ دَينُه في ذِمَّةِ الراهِنِ كما كان.
وقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: إنْ خرَج المَبيعُ مُستَحقًّا فالعُهدةُ على الراهِنِ دونَ العَدلِ، قال الحَنابِلةُ: هذا إذا كان قد أعلَمَ المُشتَريَ بأنَّه وَكيلٌ، وكذلك كلُّ وَكيلٍ باعَ مالَ غَيرِه.
فإنْ عَلِمَ المُشتَري بعدَ تَلَفِ الثَّمَنِ في يَدِ العَدلِ رَجَع على الراهِنِ ولا شَيءَ على العَدلِ.
فأمَّا إنْ خرَج مُستَحقًّا بَعدَما دَفَع الثَّمَنَ إلى المُرتَهَنِ رَجَع المُشتَري على المُرتَهَنِ؛ لأنَّ عَينَ مالِه صارَتْ إلى المُرتَهَنِ بغَيرِ حَقٍّ، فكان رُجوعُه عليه كما لو قبَضه منه.
فأمَّا إنْ كان المُشتَري رَدَّه بعَيبٍ لَم يَرجِعْ على المُرتَهَنِ؛ لأنَّه قبَض الثَّمَنَ بحَقٍّ، ولا على العَدلِ؛ لأنَّه أمينٌ ووَكيلٌ، وإنَّما يَرجِعُ على الراهِنِ.
وإنْ كان العَدلُ حينَ باعَه لَم يُعلِمِ المُشتَريَ أنَّه وَكيلٌ، كان لِلمُشتَري الرُّجوعُ عليه، ويَرجِعُ هو على الراهِنِ إنْ أقَرَّ بذلك أو قامَتْ به بَيِّنةٌ.
وقال الشافِعيَّةُ: لو تلِف ثَمَنُه في يَدِ العَدلِ بدونِ تَفريطٍ، ثم استَحَقَّ المَرهونُ المَبيعَ فإنْ شاءَ المُشتَري رَجَع على العَدلِ لِوَضعِ يَدِه عليه، وإنْ شاءَ رجَع على الراهِنِ لِإلجائِه المُشتَريَ شَرعًا إلى التَّسليمِ لِلعَدلِ بحُكمِ تَوكيلِه، والقَرارُ على الراهِنِ، فيَرجِعُ العَدلُ بعدَ غُرمِه عليه.
والمُرادُ بالتَّلَفِ في يَدِ العَدلِ أنْ يَكونَ ذلك بغَيرِ تَفريطٍ، فإنْ فَرَّطَ اقتَصَرَ الضَّمانُ على العَدلِ.
وقال الحَنفيَّةُ: العُهدةُ تَكونُ على الوَكيلِ فيُغرَّمُ العَدلُ الثَّمَنَ مِنْ مالِه ثم يَرجِعُ على مالِكِه وهو الراهِنُ (١).
٧ - حِفظُ المَرهونِ: لِلعَدلِ ولِلمُرتَهَنِ أنْ يَحفَظَ كلٌّ منهما الرَّهنَ بنَفْسِه وزَوجَتِه ووَلَدِه الكَبيرِ الذي في عيالِه وخادِمِه الحُرِّ الذي في عيالِه؛ لأنَّ عَينَه أمانةٌ في يَدِه، فصارَ كالوَديعةِ، وإنْ حَفِظَه بغَيرِ مَنْ في عيالِه أو أودَعَه ضمِن؛ لأنَّ يَدَه ليستْ كأيديهم، فصارَ بالدَّفعِ مُتعدِّيًا.
٨ - بَيعُ العَدلِ بثَمَنِ المِثلِ:
إذا أذِنَ الراهِنُ والمُرتَهَنُ في بَيعِ الرَّهنِ اختَلَف العُلماءُ: هل يَجوزُ له أنْ يَبيعَ بأقَلَّ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ أم لا؟
فقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: مَتى قَدَّرا له -أي: العَدلِ- ثَمَنًا لَم يَجُزْ له بَيعُه بدُونِه، وإنْ أطلَقا فله بَيعُه بثَمَنِ مِثلِه أو بزيادةٍ عليه، فإنْ أطلَقا فباعَ بأقَلَّ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ مما يَتغابَنُ الناسُ به صَحَّ ولا ضَمانَ عليه؛ لِأنَّهم يَتسامَحونَ فيه، ولأنَّ ذلك لا يُضبَطُ في الأغلَبِ.
وإنْ كان النَّقصُ مما لا يَتغابَنُ الناسُ به، أو باعَ بأنقَصَ مما قَرَّرا له صَحَّ البَيعُ وضمِن النَّقصَ كلَّه في أحَدِ القَولَيْنِ لِلحَنابِلةِ.
(١) «الجوهرة النيرة» (٣/ ١٩٨)، و «اللباب» (١/ ٤٢٨)، و «الهداية» (٤/ ١٤٢)، و «تبين الحقائق» (٦/ ٨٠)، و «العناية» (١٥/ ٣٠)، و «الدر المختار» (٦/ ٥٠٣)، و «البحر الرائق» (٨/ ٢٩٢)، و «الحاوي الكبير» (٦/ ١٤٠)، و «المهذب» (١/ ٣١٦)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٣٠٦)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٦٠)، و «النجم الوهاج» (٤/ ٣٢٤، ٣٢٥)، و «جواهر العقود» (١/ ١٢٣)، و «المغني» (٤/ ٢٣٣)، و «كشاف القناع» (٣/ ٤٠٤، ٤٠٥).
وقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في القَولِ الثاني: لا يَصحُّ البَيعُ؛ لأنَّه بَيعٌ لَم يُؤذَنْ له فيه، فأشبَهَ ما لو خالَفَ في النَّقدِ.
وقال الشافِعيَّةُ: لو باعَ بثَمَنِ المِثلِ وزادَ راغِبٌ قبلَ انقِضاءِ الخيارِ - خيارِ المَجلِس أو خيارِ الشَّرطِ- فليَفسَخِ البَيعَ ولْيَبِعْه له، فإذا لَم يَفعَلْ فوَجهانِ:
أحَدُهما: لا يَنفسِخُ البَيعُ؛ لأنَّ الزِّيادةَ غيرُ مَوثوقٍ بها.
وأصَحُّهما: الانفِساخُ؛ لأنَّ المَجلِسَ كحالِ العَقدِ، فعلى هذا لو بدا لِلراغِبِ قبلَ التَّمكُّنِ مِنْ بَيعِه فالبَيعُ الأوَّلُ بحالِه، وإنْ كان بَعدَه بطَل ولا بُدَّ مِنْ عَقدٍ جَديدٍ مِنْ غيرِ افتِقارٍ إلى إذْنٍ جَديدٍ إنْ كان الخيارُ لَهما أو لِلبائِعِ؛ لِعَدَمِ انتِقالِ المِلكِ؛ وإلا فلا بُدَّ مِنْ إذْنٍ جَديدٍ (١).
وأمَّا الحَنفيَّةُ فاختَلَفوا فقالوا: إنْ كان العَدلُ مُسلَّطًا على البَيعِ وإيفاءِ الدَّينِ منه، فيَجوزُ بَيعُه عندَ أبي حَنيفةَ بما عَزَّ وهانَ مِنَ الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ أو غَيرِها وبأيَّ ثَمَنٍ كان كالوَكيلِ بالبَيعِ المُطلَقِ، فإنْ باعه بجِنسِ الدَّينِ فإنَّه يَقضي ثَمَنَه عن الدَّينِ، وإنْ باعَه بخِلافِ جِنسِه فإنَّه يَبيعُه أيضًا بجِنسِ الدَّينِ ويُوفِّي الدَّينَ؛ لأنَّه مُسلَّطٌ على ذلك.
وقال أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ: يَبيعُه بالنَّقدِ أو أقَلَّ بقَدرِ ما يُتغابَنُ فيه، فإنْ
(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٣٠٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٦٠، ٦١)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٣١٨، ٣١٩)، و «النجم الوهاج» (٤/ ٣٢٥)، و «الديباج» (٢/ ١٩٤)، و «المغني» (٤/ ٢٣٣).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الرهن
فصل في حكم الرهن
أَيْضًا يَخْرُجُ الرَّهْنُ بِالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛؛ لِأَنَّ الْمَكْفُولَ بِهِ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ الرَّهْنِ.
فَصْلٌ فِي حُكْمِ الرَّهْنِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا حُكْمُ الرَّهْنِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الرَّهْنُ نَوْعَانِ: صَحِيحٌ، وَفَاسِدٌ.
(أَمَّا) الْأَوَّلُ فَلَهُ أَحْكَامٌ بَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ قِيَامِ الْمَرْهُونِ وَبَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ هَلَاكِهِ.
(أَمَّا) الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِحَالِ قِيَامِهِ فَعِنْدَنَا ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ مِلْكُ حَبْسِ الْمَرْهُونِ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَامِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، أَوْ مِلْكِ الْعَيْنِ فِي حَقِّ الْحَبْسِ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَامِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، وَكَوْنُ الْمُرْتَهِنِ أَحَقَّ بِحَبْسِ الْمَرْهُونِ عَلَى سَبِيلِ اللُّزُومِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، وَالْعِبَارَاتُ مُتَّفِقَةُ الْمَعَانِي فِي مُتَعَارَفِ الْفُقَهَاءِ.
(وَالثَّانِي) اخْتِصَاصُ الْمُرْتَهِنِ بِبَيْعِ الْمَرْهُونِ أَوْ اخْتِصَاصُهُ بِثَمَنِهِ، وَهَذَانِ الْحُكْمَانِ أَصْلِيَّانِ لِلرَّهْنِ عِنْدَنَا.
(وَالثَّالِثُ) وُجُوبُ تَسْلِيمِ الْمَرْهُونِ عِنْدَ الِافْتِكَاكِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمة الله عليه الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ لِلرَّهْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ كَوْنُ الْمُرْتَهِنِ أَحَقَّ بِبَيْعِ الْمَرْهُونِ وَأَخَصَّ بِثَمَنِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الرهن)
(باب اختلاف الراهن والمرتهن)
(باب اختلاف الراهن والمرتهن)
قال الشافعي رضي الله عنه: " ومعقول إذا أذن الله جل وعز بِالرَّهْنِ أَنَّهُ زِيَادَةٌ وَثِيقَةٌ لِصَاحِبِ الْحَقِّ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِالْحَقِّ بِعَيْنِهِ وَلَا جُزْءًا مِنْ عَدَدِهِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَهَذِهِ جُمْلَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى تَفْصِيلٍ وَشَرْحٍ.
أَمَّا قَوْلُهُ وَمَعْقُولٌ فَيَعْنِي أَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يُعْلَمْ كَوْنُهُ وَثِيقَةً بِنَصِّ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَإِنَّمَا عُقِلَ اسْتِنْبَاطًا مِنْ إِبَاحَتِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكُلِّ مَوْضِعٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمَعْقُولٌ، فَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ مَعْقُولَ الشَّرْعِ، لَا مَعْقُولَ الْبَدِيهَةِ وَالْعَقْلِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ إِذَا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى بِالرَّهْنِ فَلْيُعْلَمْ أَنَّهُ مُبَاحٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ رَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ فِي السَّفَرِ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ بِهِ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَ بِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهُ زِيَادَةٌ وَثِيقَةٌ لِصَاحِبِ الْحَقِّ فَقَدْ قِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَثِيقَةٌ، وَقَوْلُهُ زِيَادَةٌ صِلَةٌ فِي الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} النساء: ١١ وَكَقَوْلِهِ: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ} الأنفال: ١٢ وَقِيلَ: بَلْ هُوَ زِيَادَةٌ وَثِيقَةٌ حَقِيقَةٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ صِلَةً، وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ زِيَادَةٌ وَثِيقَةٌ عَلَى الذِّمَّةِ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الرهن
٧٨٦ - مسألة؛ قال: (وإذا قبض الرهن من تشارطا أن الرهن يكون على يده، صار مقبوضا)
لا يكونُ مَقْبُوضًا بذلك؛ لأنَّ القَبْضَ مِن تَمَامِ العَقْدِ، فتَعَلَّقَ بأحَدِ المُتَعَاقِدَيْنِ، كالإِيجابِ والقَبُولِ. ولَنا، أنَّه قَبْضٌ فى عَقْدٍ، فجازَ فيه التَّوْكِيلُ، كسَائِرِ القُبُوضِ، وفَارَقَ القَبُولَ؛ لأنَّ الإِيجَابَ إذا كان لِشَخْصٍ كان القَبُولُ منه، لأنَّه يُخَاطَبُ به، ولو وَكَّلَ فى الإِيجَابِ والقَبُولِ قبلَ أن يُوجِبَ له، صَحَّ أيضا، وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالقَبْضِ فى البَيْعِ، فيما يُعْتَبَرُ القَبْضُ فيه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يجوزُ أن يَجْعَلَا الرَّهْنَ على يَدَىْ مَن يجوزُ تَوْكِيلُه، وهو الجائِزُ التَّصَرُّفِ، مُسْلِمًا كان أو كَافِرًا، عَدْلًا أو فَاسِقًا، ذَكَرًا أو أُنْثَى، ولا يجوزُ أن يكونَ صَبِيًّا؛ لأنَّه غيرُ جائِزِ التَّصَرُّفِ مُطْلَقًا، فإن فَعَلَا كان قَبْضُه وعَدَمُ القَبْضِ واحِدًا ، ولا عَبْدًا بغيرِ إِذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّ مَنَافِعَ العَبْدِ لِسَيِّدِه، فلا يجوزُ تَضْيِيعُها فى الحِفْظِ بغير إِذْنِهِ ، فإن أَذِنَ له السَّيِّدُ، جَازَ. وأما المُكَاتَبُ، فإن كان بِجُعْلٍ، جازَ؛ لأنَّ له الكَسْبَ، وبَذْلَ مَنَافِعِه بغيرِ إِذْنِ السَّيِّدِ، وإن كان بغيرِ جُعْلٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه ليس له التَّبَرُّعُ بمَنَافِعِه.
ارجع إلى ما يبطل به عقد الرهن قبل القبض للاطلاع على جميع المسائل.