المسألة الثالثة: هل المتعة واجبة أم مستحبة؟

الإسلام > النكاح والأسرة > أحكام المفوضة > المسألة الثالثة: هل المتعة واجبة أم مستحبة؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

المسألة الثالثة: هل المتعة واجبة أم مستحبة؟ - الأقوال والأدلة

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا لم يُسَمِّ للمَرأةِ مَهرًا في عَقدِ النِّكاحِ أو عقَدَ على نَفي المَهرِ أو إسقاطِه ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ أنهُ يَجبُ لها المُتعةُ، ولا يَجبُ نِصفُ صَداقِ المِثلِ؛ لقَولهِ تعالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] (١).

وذهَبَ المالكيَّةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في روايةٍ إلى أنهُ يَجبُ نِصفُ صَداقِ المِثلِ؛ لأنهُ نِكاحٌ صَحيحٌ يُوجِبُ مَهرَ المِثلِ بعْدَ الدُّخولِ، فيُوجِبُ نِصفَه بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ كما لو سَمَّى مَهرًا (٢).

المَسألةُ الثَّالثةُ: هلِ المُتعةُ واجِبةٌ أم مُستحَبةٌ؟

اختَلفَ الفُقهاءُ في المرأةِ المُطلَّقةِ قبْلَ الدُّخولِ ولَم يُفرَضْ لها صَداقٌ أو نُفِيَ الصَّداقُ أو أُسقطَ مِنْ عَقدِ النِّكاحِ، هل يَجبُ لها المُتعةُ؟ أم يُستَحبُّ فقَطْ؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى

(١) «الموطأ» برواية محمد بن الحسن (٢/ ٥٢٩)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٢٦٥، ٢٦٦)، و «المبسوط» (٦/ ٦١)، و «أحكام القرآن» للجصاص (٢/ ١٣٧)، و «الهداية» (١/ ٢٠٥)، و «العناية» (٤/ ٤٨١، ٤٨٢)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣١٧)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٥٧)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٥٢٣، ٥٣٣)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٤٧)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣٣٢)، و «الديباج» (٣/ ٣٢٧)، و «المغني» (٧/ ١٨٣، ١٨٤)، و «الكافي» (٣/ ١٠٧)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٧٥).
(٢) «المغني» (٧/ ١٨٣، ١٨٤)، و «الكافي» (٣/ ١٠٧).

أنهُ يَجبُ لها المُتعةُ إذا طُلقَتْ قبْلَ الدُّخولِ ولم يُسَمِّ لها مَهرًا أو نفَى المَهرَ أو أسقَطَه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، تَقديرُه: (ما لمْ تَمسُّوهُنَّ ولمْ تَفرِضُوا لهُنَّ فَريضةً)، وهذا أمرٌ، والأمرُ يَقتَضي الوُجوبَ.

وقالَ تعالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)[البقرة: ٢٤١]، وقالَ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)[الأحزاب: ٤٩]، ولأنهُ طلاقٌ في نكاحٍ يَقتَضي عِوَضًا، فلَم يَعْرَ عن العِوضِ كما لو سَمَّى مَهرًا، وأداءُ الواجِبِ مِنْ الإحسانِ، فلا تَعارُضَ بيْنَهما، ولأنهُ قد ملَكَ بُضعَها، وهي لا تَستَحقُّ شيئًا مِنَ المَهرِ إذا لم يُسمَّ قبْلَ الدُّخولِ، فلو لم يَجبْ لها المُتعةُ لَخَلا بُضعُها مِنْ بَدلٍ، فصارَتْ كالمَوهوبةِ الَّتي خُصَّ بها رَسولُ اللهِ دُونَ غيرِه مِنْ أمَّتِه، ولأنها قد ابتَذلَتْ بالعَقدِ الَّذي لم تَملِكْ لهُ بَدلًا، فاقتَضى أنْ تكونَ المُتعةُ فيهِ بدلًا؛ لِئلَّا تَصيرَ مُبتذِلةً بغَيرِ بَدلٍ (١).

(١) «الموطأ» برواية محمد بن الحسن (٢/ ٥٢٩)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٢٦٥، ٢٦٦)، و «المبسوط» (٦/ ٦١)، و «أحكام القرآن» للجصاص (٢/ ١٣٥، ١٣٧)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٧٤)، و «الهداية» (١/ ٢٠٥)، و «العناية» (٤/ ٤٨١، ٤٨٢)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣١٧)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٥٧)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٥٢٣، ٥٣٣)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٤٧)، و «المغني» (٧/ ١٨٣، ١٨٤)، و «الكافي» (٣/ ١٠٧).

وذهَبَ المالكيَّةُ إلى أنَّ المُتعةَ مُستحَبَّةٌ وليسَتْ واجِبةٌ؛ لظاهِرِ قَولِه تعالَى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)[البقرة: ٢٤١]، وفي مَوضِعٍ آخَرَ: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)[البقرة: ٢٣٦]، وفي هذا إشارةٌ إلى أنها مُستحَبةٌ؛ إذْ لو كانَتْ واجِبةً لَأطلَقَها على الخَلقِ أجمعِينَ، فإنَّ الواجِبَ يكونُ حَتمًا على المُتَّقينَ وغَيرِ المُتقِينَ، فقَولُه تعالَى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾، أي: على المُتفضِّليِنَ المُتجمِّلِينَ، وما كانَ مِنْ بابِ الإجمالِ والإحسانِ فليسَ بواجِبٍ؛ ولأنَّ الطَّلاقَ تأثيرُه الإسقاطُ لا الإيجابُ، بدَليلِ أنهُ إذا سَمَّى مَهرًا ثمَّ طلَّقَ سقَطَ نِصفُه ولم يَلزمْهُ شيءٌ آخَرُ، فلَم يَجبْ بهِ شيءٌ؛ لأنَّ ما كانَ واجِبًا قبْلَه قد سقَطَ، فهو عن أنْ يَجبَ به شيءٌ آخَرُ لم يكنْ واجِبًا أبعَدُ، ولأنَّ الطَّلاقَ نوعٌ مِنَ البَينونةِ فلم يَجبْ بهِ مُتعةٌ كالمَوتِ، ولأنَّ كلَّ امرأةٍ لو ماتَتْ لم يَكنْ لها مُتعةٌ، كذلكَ إذا طُلقَتْ، أصلُهُ إذا طُلقَتْ قبْلَ الدُّخولِ وقد سُمِّيَ لها، ولأنَّا لم نَرَ في النِّكاحِ شيئًا وجَبَ للمَرأةِ بزوالِ العَقدِ اعتِبارًا بسائِرِ الواجِباتِ، ولأنها عَطيَّةٌ غَيرُ مُعتبَرٍ بها على وجهٍ، فلَم تَكنْ واجِبةً كالهِبةِ والصَّدقةِ (١).

وسيأتي إنْ شاء اللهُ مُفصَّلاً مِقدارُ المُتعةِ، وهل هي لكُلِّ مُطلَّقةٍ أم لا في فَصلِ المُتعةِ.

(١) «الاستذكار» (٦/ ١٢١، ١٢٢)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٥٣، ٣٥٤)، رقم (١١٨٨)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ٢٠٠)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٧٣، ٧٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب النكاح
باب المتعة

قال المصنف رحمه الله تعالى:

باب المتعة

إذا طلقت المرأة لم يخل إما أن يكون قبل الدخول أو بعده فإن كان قبل الدخول نظرت، فإن لم يفرض لها مهر وجب لها المتعة لقوله تَعَالَى (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، ومتعوهن) ولانه

لحقها بالنكاح ابتذال، وقلت الرغبة فيها بالطلاق، فوجب لها المتعة، وإن فرض لها المهر لم تجب لها المتعة، لانه لما أوجب بالايه لمن لم يفرض لها دل على أنه لا يجب لمن فرض لها، ولانه حصل لها في مقابلة الابتذال نصف المسمى، فقام ذلك مقام المتعة.

وإن كان بعد الدخول ففيه قولان، قال في القديم: لا تجب لها المتعة، لانها مطلقة من نكاح لم يخل من عوض، فلم تجب لها المتعة كالمسمى لها قبل الدخول.

وقال في الجديد: تجب لقوله تعالى (فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا) وكان ذلك في نساء دخل بهن، ولان ما حصل من المهر لها بدل عن الوطئ، وبقى الابتذال بغير بدل، فوجب لها المتعة كالمفوضة قبل الدخول، وإن وقعت الفرقة بغير الطلاق نظرت فإن كانت بالموت لم تجب لها المتعة لان النكاح قد تم بالموت وبلغ منتهاه فلم تجب لها متعة.

وإن كانت بسبب من جهة أجنبي كالرضاع فحكمه حكم الطلاق في الاقسام الثلاثة، لانها بمنزلة الطلاق في تنصيف المهر فكانت كالطلاق في المتعة.

وإن كانت بسبب من جهة الزوج كالاسلام والردة واللعان فحكمه حكمم الطلاق في الاقسام الثلاثه، لانها فرقة حصلت من جهته فأشبهت الطلاق، وإن كانت بسبب من جهة الزوجة كالاسلام والردة والرضاع والفسخ بالاعسار والعيب بالزوجين جميعا لم تجب لها المتعة، لان المتعة وجبت لها لما يلحقها من الابتذال بالعقد وقلة الرغبة فيها بالطلاق، وقد حصل ذلك بسبب من جهتها فلم تجب.

وإن كانت بسبب منهما نظرت فإن كانت بخلع أو جعل الطلاق إليها فطلقت

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 11 - 13

ارجع إلى أحكام المفوضة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله