الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الإيلاء > إذا ترك الوطء من غير يمين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةوذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَرأةَ إذا مضَتْ مدَّةُ الإيلاءِ وعفَتْ عن المُطالَبةِ بعدَ وُجوبِها سقَطَ حقُّها، وليسَ لها المُطالَبةُ بعدَه؛ لأنها رَضيَتْ بإسقاطِ حقِّها مِنْ الفَسخِ لعَدمِ الوَطءِ، فسقَطَ حقُّها منهُ، كامرَأةِ العِنِّينِ إذا رَضيَتْ بعُنَّتِه.
وإنْ سكتَتْ عن المُطالَبةِ ثمَّ طالبَتْ بعدُ فلها ذلكَ؛ لأنَّ حقَّها يَثبتُ على التَّراخِي، فلم يَسقطْ بتأخيرِ المُطالَبةِ كاستِحقاقِ النَّفقةِ (١).
إذا ترَكَ الوطءَ مِنْ غيرِ يَمينٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الزوجِ إذا امتَنعَ عن جِماعِ زَوجتِه بغيرِ يَمينٍ، هل يَصيرُ مُوليًا بذلكَ أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الزوجَ إذا ترَكَ وطْءَ زوْجتِه بغَيرِ يَمينٍ حلَفَها إضرارًا بها، أو تضرَّرَتْ هي بتَركِ الوَطءِ وإنْ لم يَقصدْ ذلكَ أُمِرَ بوَطئِها، فإنْ أبَى وأقامَ على امتِناعِه مُضرًّا بها طلَّقَ الحاكمُ عليهِ فَورًا مِنْ غيرِ ضَربِ أجَلٍ، سَواءٌ كانَ التَّاركُ للوَطءِ حاضِرًا أم غائبًا، وإلا أمهَلَه باجتِهادِه، فلعَلَّه يَتركُ ما هو عليه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، ولأنَّ الذي
(١) «المغني» (٧/ ٤٣٠، ٤٣١)، و «المبدع» (٨/ ٢٧)، و «الإنصاف» (٩/ ١٨٩)، و «كشاف القناع» (٥/ ٤٢٦).
لأجْلِه وجَبَ ضَربُ المدَّةِ للحالِفِ ووَقفُه بعدَها هو امتِناعُه مِنْ وَطئِها المدَّةَ التي هي غايةُ ما يَصبِرُ النِّساءُ عن الوَطءِ في مِثلِها معَ قَصدِ الإضرارِ وانتِفاءِ الأعذارِ، وهذا مَوجودٌ في مَسألتِنا، فوجَبَ حَسمُ البابِ بإجرائِه مَجرى الحالِفِ.
ولأنَّ الحُكمَ إنَّما لَزمَه باعتِقادِه ترْكَ الوَطءِ، وسواءٌ شَدَّ ذلكَ الاعتقادَ بيَمينٍ أو بغيرِ يَمينٍ؛ لأنَّ الضررَ يُوجَدُ في الحالتَينِ جَميعًا.
قالَ الإمامُ مالكٌ رحمة الله عليه: مَنْ ترَكَ وطْءَ زَوجتِه لغَيرِ عُذرٍ ولا إيلاءٍ لم يُتركْ، إمَّا وَطئَ أو طلَّقَ، يُريدُ: ويتلوَّمُ له بمِقدارِ أجَلِ الإيلاءِ وأكثَرَ.
قالَ مالكٌ: وقدْ كتَبَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ إلى قَومٍ غابُوا بخُراسانَ وخلَّفُوا أهليهِم، فكتَبَ إلى أُمرائِهم: إمَّا أنْ يَقدُموا أو يُرحِّلُوا نِساءَهم أو يُطلِّقُوا، قالَ مالكٌ: وذلكَ رأيٌ، وأرَى أنْ يُقضَى بذلكَ.
قالَ أصبَغُ: فإنْ لم يُطلِّقُوا طلِّقَ عليهِم، إلا أنْ تَرضَى بذلكَ.
وكذا قَطعُ ذَكرِه لعِلَّةٍ نزَلَتْ له، أو قَطعهُ خطَأً فلها القِيامُ على المُعتمَدِ، فإنْ تَعمَّدَ قطْعَه أو شَربَ دَواءً ليَقطعَ بهِ لذَّةَ النِّساءِ أو شَربَه لعِلاجِ علَّةٍ وهو عالِمٌ أنه يُذهِبُ شَهوةَ النِّساءِ أو شَاكٌّ كانَ لها الفِراقُ إنْ لم ترْضَ بالإقامةِ معهُ.
ولكنْ لا يُطلَّقُ على الغائبِ إلا أنْ تَطولَ غَيبتُه سنَةً فأكثَرَ على المُعتمَدِ في المَذهبِ، وهذا إذا كانَتْ نَفقتُها دائِمةً، وإلا طلِّقَ عليهِ حالًا لعَدمِ النَّفقةِ.
وفي قَولٍ: يُضرَبُ له أجَلٌ أربعَةُ أشهُرٍ، فإنْ جامَعَها وإلا فرَّقَ الحاكمُ بيْنَهما (١).
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: ومَن امتَنعَ مِنْ وَطءِ امرَأتِه بغَيرِ يَمينٍ حلَفَها إضرارًا بها أُمرَ بوَطئِها، فإنْ أبَى فأقامَ على امتِناعِه مُضرًّا بها فرِّقَ بينَه وبينَها بغَيرِ أجَلٍ، وقَد قيلَ: يُضرَبُ له أجَلُ الإيلاءِ، وقَد قيلَ: لا يَدخلُ على الرَّجلِ إيلاءٌ في هِجرتِه زوْجتَه وإنْ أقامَ سِنينَ لا يَغْشاها، ولكنَّهُ يُؤمرُ بتَقوى اللهِ في أنْ لا يُمسِكَها ضِرارًا، وإذا أَطالَ المُسافِرُ الغَيبةَ عامِدًا للضررِ أُمرَ بالقُدومِ على امرأتِه، فإنْ أبَى فرَّقَ الحاكمُ بينَهُما؛ لأنَّ العلَّةَ عدمُ الوَطءِ، فسَواءٌ وُجدَ ذلكَ بيَمينٍ أو بغَيرِ يَمينٍ، كما يُطلِّقُ على المُولي وعلى المُعسِرِ بالنَّفقةِ والعِنِّينِ (٢).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَكونُ مُوليًا بتَركِ الوَطءِ بدونِ يَمينٍ؛ لأنَّ الإيلاءَ الحَلفُ، وهو لم يَحلفْ، فلم يَكنْ مُوليًا كما لو لم يَقصدِ الإضرارَ بها بالامتِناعِ.
ولا تُضربُ له مدَّةٌ عندَ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ في رِوايةٍ؛ لأنه
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٤٧١) رقم (١٢٨٧)، و «القوانين الفقهية ص (١٦٠)، و «التاج والإكليل» (٣/ ١٢٩)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٩٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٥١)، و «شرح الزرقاني» (٤/ ٢٧٣)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٢٤٦، ٢٤٧)،.
(٢) «الكافي» ص (٢٨٢)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ١٠٦).
ليسَ بمُولٍ، فلم تُضربْ له مدَّةٌ كما لو لم يَقصدِ الإضرارَ، ولأنَّ تَعليقَ الحُكمِ بالإيلاءِ يَدلُّ على انتِفائِه عندَ عدَمِه؛ إذْ لو ثبَتَ هذا الحُكمُ بدُونِه لم يَكنْ لهُ أثرٌ (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ في أشهَرِ الرِّوايتَينِ -وهيَ الصَّوابُ- إلى أنه تُضربُ له مدَّةُ الإيلاءِ أربَعةُ أشهُرٍ، فإنْ وَطئَها وإلا دُعيَ بعدَها إلى الوَطءِ، فإنِ امتَنعَ منه أُمرَ بالطلاقِ كما يُفعلُ في الإيلاءِ سَواءٌ؛ لأنه أضَرَّ بها بتَركِ الوَطءِ في مدَّةِ الإيلاءِ، فيُلزَمُ حُكمَه كما لو حلَفَ، ولأنَّ ما وجَبَ أداؤُه إذا حلَفَ على تَركِه وجَبَ أداؤُه إذا لم يَحلفْ كالنَّفقةِ وسائِرِ الواجِباتِ، يُحقِّقُه أنَّ اليَمينَ لا تَجعلُ غيرَ الواجِبِ واجِبًا إذا أقسَمَ على تَركِه، فوُجوبُه معها بَدلٌ على وُجوبِه قبلَها، ولأنَّ وُجوبَه في الإيلاءِ إنَّما كانَ لدَفعِ حاجَةِ المَرأةِ وإزالةِ الضَّررِ عنها، وضَررُها لا يَختلفُ بالإيلاءِ وعَدمِه، فلا يَختلِفُ الوُجوبُ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنْ قيلَ: فلا يَبقَى للإيلاءِ أثرٌ، فلِمَ أفرَدْتُم لهُ بابًا؟
قُلنا: بل لهُ أثرٌ؛ فإنه يَدلُّ على قَصدِ الإضرارِ فيَتعلَّقُ الحُكمُ به، وإنْ لم يَظهرْ منه قَصدُ الإضرارِ اكتُفيَ بدَلالتِه، وإذا لم تُوجَدِ اليَمينُ احتَجْنا إلى دَليلٍ سِواهُ يَدلُّ على المُضارَّةِ، فيُعتبَرُ الإيلاءُ لدَلالتِه على المُقتضَى لا لعَينِه (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٦١)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ٢٦١)، و «البيان» (١٠/ ٣٠٣)، و «المغني» (٧/ ٤٤٠)، و «الكافي» (٣/ ٢٥٣، ٢٥٤).
(٢) «المغني» (٧/ ٤٤٠)، و «المبدع» (٨/ ٤)، و «الإنصاف» (٩/ ١٦٩، ١٧٠).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل الجمع في الوطء بملك اليمين
عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنهم (وَجْهُ) قَوْلِهِ: إنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي النِّكَاحِ، وَالنِّكَاحُ قَدْ زَالَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِوُجُودِ الْمُزِيلِ لَهُ - وَهُوَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ أَوْ الْبَائِنُ - وَلِهَذَا لَوْ وَطِئَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ مَعَ الْعِلْمِ بِالْحُرْمَةِ لَزِمَهُ الْحَدُّ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْجَمْعُ فِي النِّكَاحِ فَلَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ، وَلَنَا أَنَّ مِلْكَ الْحَبْسِ بِالْعَقْدِ قَائِمٌ، فَإِنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ مَنْعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ وَالْبُرُوزِ، وَحُرْمَةُ التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ ثَابِتَةٌ وَالْفِرَاشُ قَائِمٌ حَتَّى لَوْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ إلَى سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ، وَقَدْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا يَثْبُتُ النَّسَبُ، فَلَوْ جَازَ النِّكَاحُ لَكَانَ النِّكَاحُ جَمْعًا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ النَّصِّ، وَلِأَنَّ هَذِهِ أَحْكَامُ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ وَسِيلَةً إلَى أَحْكَامِ النِّكَاحِ فَكَانَ النِّكَاحُ قَائِمًا مِنْ وَجْهٍ بِبَقَاءِ بَعْضِ أَحْكَامِهِ، وَالثَّابِتُ مِنْ وَجْهٍ مُلْحَقٌ بِالثَّابِتِ مِنْ وَجْهٍ فِي بَابِ الْحُرْمَةِ احْتِيَاطًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ أُلْحِقَتْ الْأُمُّ وَالْبِنْتُ مِنْ وَجْهٍ بِالرَّضَاعَةِ بِالْأُمِّ وَالْبِنْتِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِالْقَرَابَةِ، وَأُلْحِقَتْ الْمَنْكُوحَةُ مِنْ وَجْهٍ - وَهِيَ الْمُعْتَدَّةُ - بِالْمَنْكُوحَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِي حُرْمَةِ النِّكَاحِ كَذَا هَذَا؛ وَلِأَنَّ الْجَمْعَ قَبْلَ الطَّلَاقِ إنَّمَا حُرِّمَ؛ لِكَوْنِهِ مُفْضِيًا إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، لِأَنَّهُ يُوَرِّثُ الضَّغِينَةَ، وَإِنَّهَا تُفْضِي إلَى الْقَطِيعَةِ،…
ارجع إلى أركان الإيلاء للاطلاع على جميع المسائل.