الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الإيلاء > إذا جامع بعد انقضاء مدة الإيلاء هل تلزمه الكفارة أم لا؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةإذا جامَعَ بعدَ انقِضاءِ مُدةِ الإيلاءِ هل تَلزمُه الكفَّارةُ أم لا؟
اختَلفَ أهلُ العِلمِ في الرَّجلِ إذا آلَى مِنْ زَوجتِه مدَّةً ثمَّ انقضَتِ المدَّةُ التي حلَفَ عليها وأرادَ أنْ يُجامِعَها بعدَ المدَّةِ، هل تَلزمُه كفَّارةٌ مع ذلكَ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ إلى أنَّ الزوجَ إذا آلَى مِنْ زَوجتِه بأنْ حلَفَ باللهِ أنْ لا يَطأَها أربعةَ أشهُرٍ أو أكثَرَ فوَطئَها في مدَّةِ التربُّصِ أو بعدَها فقَدْ حنَثَ في يَمينِه ووجبَتْ عليهِ الكفَّارةُ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
وقالَ سُبحانَه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢].
وقالَ النبيُّ ﷺ: «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ فرَأى غيرَها خَيرًا منها فلْيَأتِ الذي هو خَيرٌ ولْيُكفِّرْ عن يَمينِه» (١)، وهذا عامٌّ في المُولِي وغَيرِه.
ولأنه حالِفٌ حانِثٌ في يَمينِه، فلَزمَتْه الكفَّارةُ كما لو حلَفَ على تَركِ فَريضةٍ ثمَّ فعَلَها، والمَغفرةُ لا تُنافي الكفَّارةَ؛ فإنَّ اللهَ تعالى قدْ غفَرَ لرَسولِه ﷺ ما تقدَّمَ مِنْ ذَنبِه وما تأخَّرَ، وقد كانَ يَقولُ: «إنِّي واللهِ لا أَحلِفُ على يَمينٍ فأَرى غيرَها خَيرًا منها إلا أَتيْتُ الذي هو خَيرٌ وتَحلَّلتُها» متَّفقٌ عليهِ.
(١) رواه مسلم (١٦٥٠).
وإنْ كانَ الإيلاءُ بتَعليقِ عِتقٍ أو طَلاقٍ وقَعَ بنَفسِ الوَطءِ؛ لأنه مُعلَّقٌ بصِفةٍ وقد وُجدَتْ.
وإنْ كانَ على نَذرٍ أو عِتقٍ أو صَومٍ أو صَلاةٍ أو صَدقةٍ أو حَجٍّ أو غيرِ ذلكَ مِنْ الطَّاعاتِ أو المُباحاتِ فهو مُخيَّرٌ بينَ الوفاءِ بهِ وبينَ كفَّارةِ يَمينٍ؛ لأنه نَذرُ لَجاجٍ وغَضبٍ، وهذا ما نَصَّ عليهِ الشافِعيةُ والحَنابلةُ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في القَديمِ -وهو قَولُ الحسَنِ- إلى أنه لا تَجبُ عليهِ الكفَّارةُ إذا جامَعَ زَوجتَه بعدَ مدَّةِ الإيلاءِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ [البقرة: ٢٢٦] الآيَة، فذكَرَ اللهُ تَعالى التربُّصَ والفَيئةَ ولم يَذكُرِ الكفَّارةَ، فلو كانَتْ واجِبةً .. لَذكَرَها، ولأنَّ اللهَ تعالى قالَ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فوصَفَ نفْسَه بالغُفرانِ والرَّحمةِ عندَ الفَيئةِ، وهذا يَقتضي أنه إذا أفاءَ .. فلا تَبِعةَ عليه مِنْ كفَّارةٍ ولا غيرِها (٢).
(١) «التاج والإكليل» (٣/ ١٣٣)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٩٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٥٧)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٢٥٣)، و «الإشراف» (٥/ ٢٧٩)، و «البيان» (١٠/ ٣١٢، ٣١٤)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٥٧٣)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٤٤)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٣٠)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٦٥١، ٦٥٢)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٩٢)، و «الديباج» (٣/ ٥٠٢)، و «المغني» (٧/ ٤٣٢)، و «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٥٣).
(٢) «البيان» (١٠/ ٣١٢، ٣١٤)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٥٧٣)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٤٤)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٣٠)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٦٥١، ٦٥٢)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٩٢)، و «الديباج» (٣/ ٥٠٢).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في حكم الإيلاء
فِي الْجِمَاعِ لِيَكُونَ إزَالَةُ هَذَا الظُّلْمِ بِقَدْرِ الظُّلْمِ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِ الْعِلَّةِ.
وَأَمَّا وَقْتُ الْفَيْءِ فَالْفَيْءُ عِنْدَنَا فِي الْمُدَّةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَنَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْإِيلَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا حُرِّيَّةُ الْمُولِي فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ إيلَائِهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَمِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ حَتَّى لَوْ قَالَ الْعَبْدُ لِامْرَأَتِهِ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ، أَوْ قَالَ: إنْ قَرِبْتُك فَعَلَيَّ صَوْمٌ أَوْ حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ، أَوْ امْرَأَتِي طَالِقٌ يَصِحُّ إيلَاؤُهُ حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْرَبْهَا تَبِينُ مِنْهُ فِي الْمُدَّةِ وَلَوْ قَرِبَهَا فَفِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِالصَّوْمِ، وَفِي غَيْرِهَا يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ الْمَذْكُورُ؛ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ أَهْلٌ لِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَحْلِفُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ بِأَنْ قَالَ: إنْ قَرِبْتُكِ فَعَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، أَوْ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِكَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ مِلْكِ الْمَالِ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الطلاق)
(باب الإيلاء)
(باب الإيلاء)
(مختصر من الجامع من كتاب الإيلاء قديم وجديد والإملاء وما دخل فيه من الأمالي)
(على مسائل مالك ومن مسائل ابن القاسم من إباحة الطلاق وغير ذلك)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} الآية البقرة: ٢٢٦ ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْإِيلَاءُ فِي كَلَامِهِمْ فَهُوَ الْحَلِفُ، يُقَالُ آلَى يُولِي إِيلَاءً فَهُوَ مُولٍ إِذَا حَلَفَ فَالْإِيلَاءُ الْمَصْدَرُ، وَآلَى أَلِيَّةً الِاسْمُ.
قَالَ جَرِيرٌ:
(وَلَا خَيْرَ فِي مَالٍ عَلَيْهِ أَلِيَّةٌ ... وَلَا فِي يَمِينٍ عُقِدَتْ بِالْمَآثِمِ)
وَجَمْعُ الْأَلِيَّةِ آلَايَا، قَالَ الشَّاعِرُ.
(قَلِيلُ الْأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ ... وَإِنْ بَدَرَتْ مِنْهُ الْأَلِيَّةُ بَرَّتِ)
فَإِنِ اشْتَقَقْتَ الِافْتِعَالَ مِنَ الْأَلِيَّةِ قُلْتَ أَيْتَلَى يَأْتَلِي إِيتِلَاءً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى} النور: ٢٢ .
فالإيلاء فِي اللُّغَةِ هِيَ كُلُّ يَمِينٍ حَلَفَ بِهَا حَالِفٌ عَلَى زَوْجَةٍ، أَوْ غَيْرِ زَوْجَةٍ فِي طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ.
فَأَمَّا الْإِيلَاءُ فِي الشَّرْعِ: فَهُوَ الْحَلِفُ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لَا يَطَأَهَا مُدَّةً يَصِيرُ بِهَا مُولِيًا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
(فَصْلٌ:)
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الإيلاء
١٣٠٢ - مسألة؛ قال: (فمتى قدر، فلم يفعل، أمر بالطلاق)
وأنْكَرَ ذلك، لم يكُنْ لها المُطالبةُ بضرْبِ مُدَّةِ العُنَّةِ، لاعْترافِها بِعَدَمِ عُنَّتِه، والقولُ قولُه فى عَدَمِ الإِصابةِ.
١٣٠٢ - مسألة؛ قال: (فَمَتَى قَدَرَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، أُمِرَ بالطَّلَاقِ)
وجملةُ الأمرِ أَنَّ المُولِىَ إذا وُقِفَ، وطولِبَ بالْفَيْئةِ وهو قادرٌ عليها، فلم يفْعَلْ، أُمِرَ بالطَّلاقِ. وهذا قولُ كلِّ مَنْ يقولُ: يُوقَفُ المُولِى؛ لِأنَّ اللَّهَ تعالى قال: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} . فإذا امتنع مِن أداءِ الواجبِ عليه، فقد امتنعَ مِن الإِمْساكِ بالمعروفِ، فَيُؤْمَرُ بالتَّسْريحِ بالإِحْسانِ. وإِنْ كان مَعْذورًا، ففاءَ بلسانِه، ثم قَدَرَ على الوَطْءِ، أُمِرَ به، فإنْ فعلَ، وإلَّا أُمِرَ بالطَّلاقِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو بكرٍ: إذا فاءَ بلسانِه، لم يُطالَبْ بالفيئةِ مرَّةً أُخْرَى، وخَرَجَ من الإِيلاءِ. وهو قَوْلُ الحسنِ، وعِكْرِمَةَ، والأوْزاعِىِّ؛ لِأنَّه فاءَ مَرَّةً، فخَرَجَ من الإِيلاءِ، ولم تَلْزَمْه فَيْئةٌ ثانيةٌ، كما لو فاءَ بالوَطْءِ. وقال أبو حَنِيفَةَ: تُسْتَأنَفُ له مدَّةُ الإِيلاءِ؛ لِأنَّه وَفَّاها حقَّها بما أَمْكَنَه من الفَيْئَةِ، فلا يُطالَبُ إلَّا بعدَ اسْتِئْنافِ مُدَّةِ الإِيلاءِ، كما لو طَلَّقَها. ولَنا، أنَّه أَخَّرَ حقَّها لِعجزِه عنه، فإذا قدَرَ عليه، لَزِمَه أن يوفِّيَها إيَّاهُ، كالدَّيْنِ على المُعْسِرِ إذا قَدَرَ عليه. وما ذكروه فليس بحقِّها، ولا يزُولُ الضَّرَرُ عنها به، وإنَّما وَعَدَها بالوفاءِ، ولَزِمَها الصَّبْرُ عليه وإنْظارُه كالغريمِ المُعْسرِ.
فصل: وليس على مَنْ فاءَ بلسانِه كفَّارةٌ، ولا حِنْثٌ؛ لِأنَّه لم يفعل المَحْلوفَ عليه، وإنَّما وَعَدَ بفعلِه، فهو كَمَنْ عليه دَيْنٌ حَلَفَ أن لا يُوَفِّيَه، ثمَّ أَعْسَرَ به، فقال: متى قَدَرْتُ وَفَّيْتُه.
ارجع إلى أركان الإيلاء للاطلاع على جميع المسائل.