الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الإيلاء > إذا قال الزوج: «إن قربتك فأنت علي كظهر أمي، أو أنت علي حرام»
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةفي «الشَّرح» وغيرِه؛ لأنه يَصيرُ مُؤليًا بالوَطءِ أو دُخولِ الدارِ؛ لأنها تَبقى يَمينًا بمَنعِ الوَطءِ على التَّأبيدِ، ويُحتملُ أنْ يَصيرَ مُؤليًا في الحالِ؛ لأنه لا يُمكِنُه الوَطءُ إلا بأنْ يَصيرَ مُؤليًا بالوَطءِ أو دُخولِ الدارِ فيَلحقُه بالوَطءِ ضَررٌ، أشبَهَ ما لو منَعَ نفسَه مِنْ وَطئِها في الحالِ في المدَّةِ المُعتبَرةِ، وجوابُه بأنه يُمكِنُه الوَطءُ مِنْ غَيرِ حِنثٍ، فلم يَكنْ مُؤليًا كما لو لم يَقلْ شَيئًا، وإنْ قالَ: «إنْ وَطئتُكِ فواللهِ لا أطؤُكِ» فأولَجَ الحشَفةَ ثمَّ زادَ حنَثَ بالزِّيادةِ، وقيلَ: لا، كمَن نَوى (١).
إذا قالَ الزَّوجُ: «إنْ قَربتُكِ فأنتِ عليَّ كظهرِ أمِّي، أو أنتِ عليَّ حَرامٌ»:
نَصَّ فُقهاءُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ على أنَّ الزوجَ إذا قالَ لزَوجتِه: «إنْ قَربتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» أنه مُولٍ.
قالَ الحَنفيةُ: إذا قالَ الزوجُ لزَوجتِه: «إنْ قَربتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» فهوَ مُولٍ؛ لأنه لا يَملكُ قُربانَها في المدَّةِ إلا بظِهارٍ يَلزمُه.
فعلى هذا: لو قالَ: «إنْ قَربتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» كانَ مُوليًا، إنْ ترَكَها أربعةَ أشهُرٍ بانَتْ بالإيلاءِ، وإنْ قَربَها في الأربعةِ الأشهُرِ لَزمَه الظِّهارُ، وإذا بانَتْ بالإيلاءِ ثمَّ تزوَّجَها فقَربَها فهو مُظاهِرٌ.
ولو قالَ: «إنْ قَربتُكِ فأنتِ عليَّ حرامٌ» فإنْ نَوى الطلاقَ فهو مُولٍ
(١) «المبدع» (٨/ ١٢)، ويُنظَر: «المحرر في الفقه» (٢/ ٨٥)، و «الشرح الكبير» (٨/ ٥١٥)، و «الإنصاف» (٩/ ١٧٦، ١٧٧).
عندَهم جَميعًا؛ لأنه إذا نَوى بهِ الطلاقَ فقَدْ جعَلَ الطلاقَ جَزاءً مانِعًا مِنْ القُربانِ، فيَصيرُ كأنهُ قالَ: «إنْ قَربتُكِ فأنتِ طالقٌ»، ولو قالَ ذلكَ لَصارَ مُوليًا، كذا هذا.
وإنْ نَوى اليَمينَ فهو مُولٍ للحالِ عندَ أبي حَنيفةَ؛ لأنه منَعَ نفسَه مِنْ قُربانِ امرَأتِه في المدَّةِ بما لا يَصلحُ مانِعًا وهو التَّحريمُ، وهو حَدُّ المُولِي، فيَصيرُ مُوليًا كما لو قالَ: «إنْ قَربتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي».
وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ: لا يَكونُ مُوليًا ما لم يَقربْها.
وجهُ قَولِهما: أنَّ قَولَه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» إذا نَوى بهِ اليَمينَ أو لا نيَّةَ له يَكونُ إيلاءً بلا خِلافٍ بينَ أصحابِنا، كأنهُ قالَ: «واللهِ لا أقرَبُكِ»، فصارَ الإيلاء مُعلَّقًا بالقُربانِ، كأنهُ قالَ: «إنْ قَربتُكِ فواللهِ لا أقرَبُكِ»، ولو قالَ ذلكَ لا يَكونُ مُوليًا حتى يَقربَها، كذا هذا (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا قالَ لزَوجتِه: «إنْ وَطئتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» فإنه يُمنَعُ مِنْ وَطئِها أبَدًا؛ لأنَّ وطْأَه لها يُؤدِّي لوَطءِ المُظاهرِ مِنها، فإذا تَضرَّرتْ زَوجتَه رفعَتْ أمْرَها للقاضي، فيَضربُ له أجَلَ الإيلاءِ مِنْ يَومِ الحلِفِ، فإذا تمَّ الأجَلُ فلا تُطالِبُه بالفَيئةِ، وإنَّما تُطالِبُه بالطلاقِ أو تَبقى معَه بلا وَطءٍ.
وفائِدةُ ضَربِ الأجَلِ -معَ أنه مَمنوعٌ مِنها- احتِمالُ أنْ تَرضى بالإقامةِ معهُ بلا وَطءٍ.
(١) «المبسوط» (٧/ ٣٣)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ١٦٧)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ٥٠٩).
فإنْ تَجرَّأَ ووَطئَ انحَلَّ عنه الإيلاءُ ولَزمَتْه كفَّارةُ الظِّهارِ، فلا يَقربُها بعدَ ذلكَ حتى يُكفِّرَ، فإنِ امتَنعَ مِنْ الكفَّارةِ وتَضرَّرتْ بتَركِ الوطءِ طلّقَ عليهِ بالضَّررِ حالًا (١).
وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: (قُلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ: «إنْ قَربتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» متى يَكونُ مُظاهِرًا؟ أساعَةَ تَكلَّمَ بذلكَ أو حتى يطَأَ؟ (قال): هو مُولٍ في قَولٍ مالِكٍ حينَ تكلَّمَ بذلكَ، فإنْ وَطئَ سقَطَ الإيلاءُ عنه ولَزمَه الظِّهارُ بالوَطءِ، ولا يَقربُها بعدَ ذلكَ حتى يُكفِّرَ كفَّارةَ الظِّهارِ، فإنْ ترَكَها ولم يُكفِّرْ كفَّارةَ الظِّهارِ كانَ سَبيلُه سَبيلَ ما وَصفْتُ لكَ في قَولٍ مالِكٍ في المُظاهِرِ المُضارِّ، (قُلتُ): لمَ قالَ مالِكٌ: إذا ظاهَرَ مِنْ امرَأتِه فقالَ لها: «أنتِ عليَّ كظَهرٍ أمِّي» أنه مُولٍ إنْ ترَكَها ولم يُكفِّرْ كفَّارةِ الظِّهارِ وعُلِمَ أنه مُضارٌّ، وليس هذا بيَمينٍ؛ لأنه لم يَقلْ: «إنْ قَربتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي»، وإنما قالَ: «أنتِ عَليَّ كظَهرِ أمِّي»، فهذا لا يَكونُ يَمينًا، فلمَ جعَلَه مالِكٌ مُوليًا وجعَلَه يَمينًا؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: لا يَكونُ مُوليًا حتى يُعلَمَ أنه مُضارٌّ، فإذا عُلِمَ أنه مُضارٌّ حُمِلَ مَحملَ الإيلاءِ؛ لأنَّ مالِكًا قالَ: كلٌّ يَمينٍ مَنعَتِ الجِماعَ فهي إيلاءٌ، وهذا الظِّهارُ إنْ لم يكنْ يَمينًا عندَ مالِكٍ فهو إذا كَفَّ عن الوَطءِ وهو يَقدرُ على الكفَّارةِ عُلمَ أنه مُضارٌّ، فلا بُدَّ أنْ يُحمَلَ مَحملَ المُولي (٢).
(١) «التاج والإكليل» (٣/ ١٢٨)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٩٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٤٩، ٣٥٠).
(٢) «المدونة الكبرى» (٦/ ٦١).
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: إذا قالَ لامرَأتِه: «إنْ أصَبتُكِ فأنتِ عليَّ حَرامٌ» فإنْ نَوى بهِ الطلاقَ أو الظِّهارَ أو تَحريمَ عَينِها .. كانَ مُوليًا على قَولِه الجَديدِ، وإنْ قُلنا: إنه كِنايةٌ .. لم يَكنْ مُوليًا.
وإنْ قالَ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» ثمَّ قالَ: «نَويتُ إنْ أصَبتُكِ فأنتِ عليَّ حَرامٌ» .. فقدْ قالَ أكثَرُ أصحابِنا: لا يُقبَلُ منهُ في الحُكمِ، ويُديَّنُ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالَى؛ لأنَّ ظاهِرَ لَفظِه يُوجِبُ الكفَّارةَ في الحالِ، فلمْ يُقبَلْ قَولُه فيما يَقتضي تأخيرَها، كما لَو قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالِقٌ» ثمَّ قالَ: «أرَدتُ إذا دخَلتِ الدارَ».
وقالَ ابنُ الصبَّاغِ: «يُقبَلُ قَولُه»؛ لأنَّ الكفَّارةَ لا يُطالِبُ بها الحاكِمُ، فلا معنَى لإيجابِ ذلكَ في الحُكمِ وهو مُقِرٌّ بالإيلاءِ، فيَلزمُه حُكمُ إقرارِه، ويَثبتُ للمَرأةِ مُطالَبتُه بعدَ مدَّةِ التربُّصِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ قالَ: «إنْ وَطئتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» فقالَ أحمَدُ: لا يَقربُها حتى يُكفِّرَ، وهذا نصٌّ في تَحريمِها قبلَ التَّكفيرِ، وهو دليلٌ على تَحريمِ الوَطءِ في المَسألةِ التي قبلَها بطَريقِ التَّنبيهِ؛ لأنَّ المُطلَّقةَ ثلاثًا أعظَمُ تَحريمًا مِنْ المُظاهَرِ مِنها، وإذا وَطئَ هاهُنا فقدْ صارَ مُظاهِرًا مِنْ زَوجتِه وزالَ حُكمُ الإيلاءِ، ويُحتملُ أنَّ أحمَدَ إنما أرادَ: إذا وَطئَها مرَّةً فلا يَطؤُها حتى يُكفِّرَ؛ لكَونِه صارَ بالوطءِ مُظاهِرًا؛ إذْ لا يَصحُّ تَقديمُ الكفَّارةِ على الظِّهارِ؛ لأنه سبَبُها، ولا يَجوزُ تَقديمُ الحُكمِ على سَببِه، ولو كفَّرَ قبلَ الظِّهارِ لم
(١) «البيان في مذهب الإمام الشافعي» (١٠/ ٢٧٩).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الظهار
١٣٠٩ - مسألة؛ قال: (وإذا قال لزوجته: أنت على كظهر أمى، أو كظهر امرأة أجنبية، أو أنت على حر
فصل: ومَنْ لا يَصِحُّ طلاقُه لا يصحُّ ظهارُه، كالطِّفْلِ، والزَّائلِ العَقْلِ بجُنونٍ، أو إغماءٍ، أو نَوْمٍ، أو غيرِه. لا نَعْلَمُ فى هذا خِلافًا. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. ولا يصحُّ ظهارُ المُكْرَهِ. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو يوسفَ: يصحُّ ظهارُه. والخلافُ فى ذلك مَبْنِىٌّ على الخلافِ فى صِحَّةِ طلاقِه. وقد مَضَى ذلك .
فصل: ويصِحُّ الظِّهار من كُلِّ زوجةٍ، كبيرَةً كانتْ أو صغيرةً، مسلمةً كانتْ أو ذِمِّيَّةً، مُمْكِنًا وَطْؤُها أو غيرَ مُمْكِنٍ. وبه قال مالكٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال أبو ثَوْرٍ: لا يصحُّ الظِّهارُ مِنَ الَّتِى لا يُمْكِنُ وَطْؤُها؛ لأنَّه لا يمْكِنُ وَطْؤُها، والظِّهارُ لتَحْريمِ وَطْئِها. ولَنا، عُمُومُ الآيَةِ، ولأنَّها زوجةٌ يصِحُّ طلاقُها ، فَصَحَّ الظِّهارُ منها، كغيرِها.
١٣٠٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتِه: أَنْتِ عَلَىَّ كَظَهْرِ أُمِّى، أَوْ كَظَهْرِ امْرَأةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، أو أَنْتِ عَلَىَّ حَرَامٌ. أو حَرَّمَ عُضْوًا مِنْ أعْضَائِهَا، فَلَا يَطَأُهَا حَتَّى يَأْتِىَ بِالْكَفَّارَةِ)
فى هذه المسألةِ فصولٌ خَمْسَةٌ:
ارجع إلى أركان الإيلاء للاطلاع على جميع المسائل.