الحكم إذا مضت مدة الإيلاء الأربعة أشهر أو أكثر ولم يفئ

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الإيلاء > الحكم إذا مضت مدة الإيلاء الأربعة أشهر أو أكثر ولم يفئ

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 30 دقيقة قراءة

الحكم إذا مضت مدة الإيلاء الأربعة أشهر أو أكثر ولم يفئ - الأقوال والأدلة

الحُكمُ إذا مضَتْ مُدةُ الإيلاءِ الأربَعة أشهُرٍ أو أكثرَ ولم يَفِئْ:

الحُكمُ إذا مضَتْ مدَّةُ الإيلاءِ الأربعَةُ أشهُرٍ أو أكثَرُ، هَلْ تُطلَّقُ عليهِ في الحالِ بمُجرَّدِ مُضيِّ المدَّةِ؟ أم يُوقَفُ ويَخيَّرُ بيْنَ الفَيءِ -أي الجِماعِ- أو الطَّلاقِ؟

اختَلفَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ فيما لو مضَتْ مدَّةُ الإيلاءِ -كمَن آلَى مِنْ زوْجتِه أكثَرَ مِنْ أربَعةِ أشهُرٍ وانتهَتْ مدَّةُ الإيلاءِ-، هل يُفرَّقُ بيْنَ الزوجَينِ وتَبِينُ منه زَوجتُه بطَلقةٍ بمُجرَّدِ مُضيِّ مدَّةِ الإيلاءِ؟ أم يُوقَفُ حتى تَطلبَ الزوجةُ ويُخيَّرُ بينَ الفَيءِ -أي الجِماعِ- أو التَّطليقِ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ وبعضُ المالِكيةِ -كعَبدِ المَلكِ ابنِ الماجشُونِ (١) - إلى أنَّ الرَّجلَ إذا آلَى مِنْ زَوجتِه أربعةَ أشهُرٍ فأكثَرَ ولم يَفئْ في المدَّةِ -أي لم يُجامِعْ زَوجتَه فيها- فإنها تُطلَّقُ عليهِ بمُضيِّ المدَّةِ وتَبِينُ منهُ بتَطليقةٍ مِنْ غَيرِ فَيءٍ؛ لأنه بالإيلاءِ عزَمَ على مَنعِ نَفسِه مِنْ إيفاءِ حقِّها في الجِماعِ في المدِّةِ وأكَّدَ العَزمَ باليَمينِ، فإذا مضَتِ المدَّةُ ولم يَفئْ إليها مع القُدرةِ على الفَيءِ فقدْ حقَّقَ العَزمَ المُؤكَّدَ باليَمينِ بالفِعلِ، فتأكَّدَ الظُّلمُ في حقِّها، فتَبِينُ منه عُقوبةً عليه جَزاءً على ظُلمِه ومَرحَمةً عليها ونظَرًا لها بتَخليصِها مِنْ حِبالِه لتَتوصَّلَ إلى إيفاءِ حقِّها مِنْ زَوجٍ آخَرَ.

(١) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٣/ ٣٤٦).

وهذا مَرويٌّ عن جَماعةٍ مِنْ الصحابةِ، قالَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ وزَيدُ بنُ ثابتٍ رضي الله عنهما: «إذا مضَتْ أربَعةُ أشهُرٍ ولم يَفئْ فيها طلقَتْ منه بمُضيِّها».

ولأنَّ الآيةَ تَدلُّ على ذلكَ مِنْ ثلاثةِ أوجُهٍ:

أحَدُها: أنَّ عبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ رضي الله عنه قرَأَ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فِيهِنَّ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فإضافةُ الفَيئةِ إلى المُدَّةِ تَدلُّ على استِحقاقِ الفَيئةِ فيها، وهذه القِراءةُ -وإنْ تَفرَّدَ ابنُ مَسعودٍ بها- تَجرِي مَجرَى خبَرِ الواحِدِ في وُجوبِ العَملِ به وإنْ لم تُوجِبْ كَونَها مِنْ القُرآنِ، وإمَّا أنْ تَكونَ قُرآنًا نُسخَ لَفظُه وبَقيَ حُكمُه، لا يَجوزُ فيها غيرُ هذا ألبتَّةَ.

الثَّاني: أنَّ اللهَ سُبحانَه جعَلَ مدَّةَ الإيلاءِ أربَعةَ أشهُرٍ، فلو كانَتِ الفَيئةُ بعدَها لَزادَتْ على مدَّةِ النَّصِّ وذلكَ غيرُ جائِزٍ.

الثالثُ: أنه لو وَطئَها في مدَّةِ الإيلاءِ لَوقعَتِ الفَيئةُ مَوقعَها، فدلَّ على استِحقاقِ الفَيئةِ فيها.

قالوا: ولأنَّ اللهَ جعَلَ لهُم تَربُّصَ أربعةِ أشهُرٍ ثمَّ قالَ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧]، وظاهِرُ هذا أنَّ هذا التَّقسيمَ في المدَّةِ التي لهُم فيها التربُّصُ، كما إذا قالَ لغَريمِه: «أصبِرُ عليكَ بدَيني أربعةَ أشهُرٍ، فإنْ وفَّيتَني وإلَّا حبَستُكَ»، ولا يُفهَمُ مِنْ هذا إلا «إنْ وفَّيتَني في هذهِ المدَّةِ»، ولا يُفهَمُ منه «إنْ وفَّيتَني بعدَها»، وإلا كانَتْ مدَّةُ الصبْرِ أكثَرَ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ، وقِراءةُ ابنِ مَسعودٍ صَريحةٌ في تَفسيرِ الفَيئةِ بأنها في المدَّةِ، وأقَلُّ مَراتبِها أنْ تكونَ تَفسيرًا.

قالوا: ولأنه أجَلٌ مَضروبٌ للفُرقةِ، فتَعقُبُه الفُرقةُ كالعدَّةِ وكالأجَلِ الذي ضُربَ لوُقوعِ الطلاقِ، كقَولِه: «إذا مضَتْ أربعةُ أشهُرٍ فأنتِ طالقٌ».

ولأنَّ الإيلاءَ كانَ طلاقًا مُعجَّلًا في الجَاهليةِ، فجعَلَه الشَّرعُ طلاقًا مُؤجَّلًا، والطلاقُ المُؤجَّلُ يَقعُ بنَفسِ انقِضاءِ الأجَلِ مِنْ غيرِ إيقاعِ أحَدٍ بعدَه، كما إذا قالَ لها: «أنتِ طالقٌ رأسَ الشَّهرِ».

فالشَّرعُ جعَلَ الإيلاءَ طلاقًا مُعلَّقًا بشَرطِ البِرِّ، فيَصيرُ الزوجُ بالإصرارِ على مُوجَبِ هذه اليَمينِ مُعلِّقًا طلاقًا بائنًا بتَركِ القُربانِ أربعةَ أشهُرٍ، كأنه قالَ: «إذا مضَتْ أربَعةُ أشهُرٍ ولم أقرَبْكِ فيها فأنتِ طالقٌ بائنٌ».

وقد عرَفْنا ذلكَ بإشارةِ النَّصِّ، وهو قولُه تعالَى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)[البقرة: ٢٢٧]، سمَّى ترْكَ الفَيءِ في المدَّةِ عزْمَ الطلاقِ، وأخبَرَ أنه سَميعٌ للإيلاءِ، فدلَّ أنَّ الإيلاءَ السابقَ يَصيرُ طَلاقًا عندَ مُضيِّ المدَّةِ مِنْ غيرِ فيءٍ، وبما ذكَرْنا مِنْ المَعنى المَعقولِ (١).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الزوجَ إذا آلَى مِنْ زَوجتِه أكثَرَ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ ومضَتْ مدَّةُ الإيلاءِ وهو مَلتزِمٌ بيَمينِه

(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٧٦، ١٧٧)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤٧٣، ٤٧٤)، و «أحكام القرآن» (٢/ ٤٦)، و «المبسوط» (٧/ ٢٢)، و «الهداية» (٢/ ١٢)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥٠١)، و «الاختيار» (٣/ ١٨٩)، و «اللباب» (٢/ ١٠٩)، و «زاد المعاد» (٥/ ٣٤٦، ٣٤٧).

فإنها لا تَبِينُ منه، بل يُوقَفُ بعدَ هذهِ المدَّةِ إلى أنْ تَطلبَ الزوجةُ بعدَها بأنْ يَفيءَ إنْ لم يَكنْ له عُذرٌ، ويُلزَمُ بأحَدِ أمرَينِ:

١ - أنْ يَفيءَ -أي يَرجِعَ- عن يَمينِه ويُجامِعَها، سمِّيَ جِماعُ المُولي فَيئةً لأنه رُجوعٌ إلى فِعلِ ما ترَكَ بحَلفِه مِنْ الفَيءِ؛ لزَوالِ اليَمينِ والضررِ عنها بالوَطءِ، وعليه الكفَّارةُ؛ لقَولِه : «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ فرَأى غيرَها خَيرًا منها فلْيَأتِ الذي هو خَيرٌ ولْيُكفِّرْ عَنْ يَمينِه» (١) إنْ كانَ قَدْ أقسَمَ باللهِ أو بعضِ صِفاتِه، أو يأتي بما أقسَمَ عليه إنْ كانَ قد حلَفَ على أنْ يَفعلَ عَملًا أو يَتصدَّقَ بصَدقةٍ.

٢ - أو يُطلِّقَ إنْ أبَى إلا التمسُّكَ بيَمينِه؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)[البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧] وقولِهِ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ومَن امتَنعَ مِنْ بَذلِ ما وجَبَ عليهِ لم يُمسِكْ بمَعروفٍ، فيُؤمَرُ بالتسريحِ بإحسانٍ.

وعلى هذا لا يَستحِقُّ المُطالَبةَ حتى تَمضيَ الأربَعةُ الأشهُرُ وتَطلبُه الزوجةُ، وما لم تَطلُبْ لا يُؤمَرُ الزوجُ بشَيءٍ، ولا يَسقطُ حقُّها بالتأخيرِ، ولا تَستحِقُّ الزوجةُ المُطالَبةَ عليه في مدَّةِ التربُّصِ بفَيئةٍ ولا طَلاقٍ إلى أنْ تَنقضيَ المدَّةُ، فحِينئذٍ يُقالُ: «إمَّا أنْ تَفيءَ -أي تُجامِعَ- وإمَّا أنْ تُطلِّقَ»، وإنْ لم يَفئْ وامتَنعَ عن ذلكَ طلَّقَ عليه الحاكمُ؛ لقِيامِه مَقامَ المُمتنِعِ، ولأنه حَقٌّ تَدخلُه النِّيابةُ كقَضاءِ دَينِه.

(١) رواه مسلم (١٦٥٠).

وعَن ابنِ عمَرَ رضي الله عنهما قالَ: «إذا مضَتْ أربَعةُ أشهُرٍ يُوقَفُ حتى يُطلِّقَ، ولا يَقعُ عليه الطلاقُ حتى يُطلِّقَ، يَعني: المُؤلِي» (١)، رواهُ البُخاريُّ، قالَ: ويُذكَرُ ذلكَ عن عُثمانَ (٢) وعليٍّ (٣) وأبي الدَّرداءِ (٤) وعائِشةَ (٥) واثنَي عَشرَ رَجلًا مِنْ أصحابِ النَّبيِّ »، وعن سُليمانَ بنِ يَسارٍ قالَ: «أدرَكْتُ بِضعةَ عَشرَ مِنْ أصحابِ النبيِّ كلُّهُم يُوقِفونَ المُؤلي» (٦).

واستَدلَّ الجُمهورُ على ذلكَ بقَولِه تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وقالوا: إنَّ فيها عدَّةَ أدلَّةٍ على ما قُلناهُ:

أحَدُها: أنه أضافَ مدَّةَ الإيلاءِ إلى الأزواجَ وجعَلَها لهُم ولم يَجعلْها عليهم، فوجَبَ ألا يستحقَّ المُطالَبة فيها، بل بعدَها كأجَلِ الدَّينِ، ومَن أوجَبَ المُطالَبةَ فيها لم يَكنْ عندَه أجَلٌ لهم، ولا يُعقلُ كَونُها أجَلًا لهم ويُستحَقُّ عليهم فيها المُطالَبةُ.

(١) صَحِيحُ: رواه البخاري (٥٢٩١).
(٢) صَحِيحُ: رواه الشافعي في «المسند» (١/ ٣١٤).
(٣) صَحِيحُ: رواه الشافعي في «المسند» (١/ ٣١٤)، وسعيد بن منصور في «سننه» (١/ ٢٥٠)، رقم (١٨٧٩).
(٤) ضَعِيفٌ: رواه سعيد بن منصور في «سننه» (١/ ٢٥٠)، رقم (١٨٧٩)، وفي إسنادِهِ جَهالةٌ، قالَ هُشيمٌ: (عن بَعضِ أصحابِه عن قَتادةَ).
(٥) صَحِيحُ: رواه الشافعي في «المسند» (١/ ٣١٤).
(٦) صَحِيحُ: رواه الشافعي (١/ ٣١٤).

الدليلُ الثاني: قَولُه: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)[البقرة: ٢٢٦]، فذكَرَ الفَيئةَ بعدَ المدَّةِ بفَاءِ التَّعقيبِ، وهذا يَقتضي أنْ يَكونَ بعدَ المدَّةِ، ونَظيرُه قولُه سُبحانَه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وهذا بعدَ الطلاقِ قَطعًا.

فإنْ قيلَ: فاءُ التَّعقيبِ تُوجِبُ أنْ يكونَ بعدَ الإيلاءِ لا بعْدَ المدَّةِ.

قيلَ: قد تقدَّمَ في الآيةِ ذِكرُ الإيلاءِ ثمَّ تَلاهُ ذِكرُ المدَّةِ ثمَّ أعقَبَها بذِكرِ الفَيئةِ، فإذا أوجَبَتِ الفاءُ التَّعقيبَ بعدَما تقدَّمَ ذِكرُه لم يَجُزْ أنْ يَعودَ إلى أبعَدِ المَذكورينَ، ووجَبَ عَودُها إليهما أو إلى أقرَبِهما.

والدليلُ الثالِثُ: قولُه: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، فجعَلَه واقِعًا بعَزمِ الأزواجِ لا بمُضيِّ المدَّةِ، وليسَ انقِضاءُ المدَّةِ عَزيمةً، وإنَّما العَزمُ ما عدَّهُ مِنْ فِعلِه، كما قالَ تَعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].

الدليلُ الرابعُ: أنَّ اللهَ سُبحانَه خيَّرَه في الآيةِ بينَ أمرَينِ: الفَيئةِ أو الطلاقِ، والتَّخييرُ بينَ أمرَينِ لا يَكونُ إلا في حالةٍ واحِدةٍ كالكفَّاراتِ، ولو كانَ في حالتَينِ لَكانَ تَرتيبًا لا تَخييرًا، وإذا تقرَّرَ هذا فالفَيئةُ عندَكم في نَفسِ المدَّةِ، وعَزمُ الطلاقِ بانقِضاءِ المدَّةِ، فلم يقَعِ التَّخييرُ في حالةٍ واحِدةٍ.

الدليلُ الخامِسُ: أنَّ التَّخييرَ بينَ أمرَينِ يَقتضي أنْ يكونَ فِعلُهما إليه لِيَصحَّ منه اختيارُ فِعلِ كلٍّ مِنهُما وتَركِه، وإلا لَبطَلَ حُكمُ خِيارِه، ومُضيُّ المدَّةِ ليسَ إليهِ.

الدليلُ السادسُ: أنه سُبحانَه قالَ: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)[البقرة: ٢٢٧]، فاقتَضى أنْ يكونَ الطلاقُ قَولًا يُسمَعُ؛ ليَحسُنَ خَتمُ الآيةِ بصفَةِ السَّمعِ.

الدليلُ السابعُ: أنه لو قالَ لغَريمِه: «لكَ أجَلٌ أربَعةُ أشهُرٍ، فإنْ وفَّيتَني قَبلْتُ منكَ، وإنْ لم تُوفِّني حبَستُكَ» كانَ مُقتضاهُ أنَّ الوفاءَ والحَبسَ بعدَ المدَّةِ لا فيها، ولا يَعقلُ المُخاطَبُ غيرَ هذا.

الدليلُ الثامنُ: أنه سُبحانَه جعَلَ للمُؤلِينَ شَيئًا وعليهم شَيئَينِ، فالذي لهُم تَربُّصُ المدَّةِ المَذكُورةِ، والذي عَليهم إمَّا الفَيئةُ وإمَّا الطلاقُ، وعندَ الحَنفيةِ ليسَ عَليهم إلا الفَيئةُ فقطْ، وأمَّا الطلاقُ فليسَ عليهم، بل ولا إلَيهم، وإنَّما هو إليهِ سُبحانَه عندَ انقِضاءِ المدَّةِ، فيُحكَمُ بطَلاقِها عَقِيبَ انقِضاءِ المدَّةِ، شاءَ أو أبَى، ومَعلومٌ أنَّ هذا ليسَ إلى المُؤلي ولا عليهِ، وهو خِلافُ ظاهِرِ النَّصِّ.

قالوا: ولأنها يَمينٌ باللهِ تَعالى تُوجِبُ الكفَّارةَ، فلم يَقعْ بها الطلاقُ كَسائرِ الأيمانِ، ولأنها مدَّةٌ قدَّرَها الشَّرعُ لم تَتقدَّمْها الفُرقةُ، فلا يَقعُ بها بَينونةٌ كأجَلِ العِنِّينِ، ولأنه لَفظٌ لا يَصحُّ أنْ يَقعَ بهِ الطلاقُ المعجَّلُ، فلم يَقعْ به المؤجَّلُ كالظِّهارِ، ولأنَّ الإيلاءَ كانَ طلاقًا في الجَاهليةِ فنُسِخَ كالظِّهارِ، فلا يَجوزُ أنْ يَقعَ بهِ الطلاقُ؛ لأنه استِيفاءٌ للحُكمِ المَنسوخِ ولِمَا كانَ عليهِ أهلُ الجَاهليةِ.

قالَ الشَّافعيُّ رحمة الله عليه: «كانَتِ الفِرَقُ الجَاهليةُ تَحلفُ بثَلاثةِ أشياءَ: بالطلاقِ والظِّهارِ والإيلاءِ، فنقَلَ اللهُ الإيلاءَ والظِّهارِ عمَّا كانا عليه في الجاهليَّةِ مِنْ إيقاعِ الفُرقةِ على الزوجةِ إلى ما استَقرَّ عليهِ حُكمُهما في الشَّرعِ، وبَقيَ حُكمُ الطلاقِ على ما كانَ عليهِ».

قالوا: ولأنَّ الطلاقَ إنَّما يقَعُ بالصَّريحِ والكِنايةِ، وليسَ الإيلاءُ واحِدًا منهُما؛ إذْ لو كانَ صَريحًا لَوقَعَ مُعجَّلًا إنْ أطلَقَه، أو إلى أجَلٍ مسمًّى إنْ قيَّدَه، ولو كانَ كِنايةً لَرُجعَ فيه إلى نيَّتِه، ولا يَرِدُ على هذا اللِّعانُ؛ فإنه يُوجِبُ الفَسخَ دُونَ الطلاقِ، والفَسخُ يَقعُ بغَيرِ قَولٍ، والطلاقُ لا يَقعُ إلا بالقَولِ.

قالوا: وأمَّا قِراءةُ ابنِ مَسعودٍ فغايَتُها أنْ تَدلَّ على جَوازِ الفَيئةِ في مدَّةِ التربُّصِ، لا على استِحقاقِ المُطالَبةِ بها في المدَّةِ، وهذا حَقٌّ لا نُنكِرُه.

وأمَّا قَولُكم: «جَوازُ الفَيئةِ في المدَّةِ دَليلٌ على استِحقاقِها فيها» فهو باطِلٌ بالدَّينِ المؤجَّلِ.

وأمَّا قَولُكم: «إنه لو كانَتِ الفَيئةُ بعدَ المدَّةِ لَزادَتْ على أربَعةِ أشهُرٍ» فلَيسَ بصَحيحٍ؛ لأنَّ الأربَعةَ الأشهُرَ مدَّةٌ لِزَمنِ الصَّبْرِ الذي لا يستحقُّ فيه المُطالَبة، فبُمجرَّدِ انقِضائِها يُستحقُّ عليهِ الحقُّ، فلهَا أنْ تُعجِّلَ المُطالَبةَ به، وإمَّا أنْ تُنظِرَه، وهذا كسائِرِ الحُقوقِ المُعلَّقةِ بآجالٍ مَعدُودةٍ إنَّما تُستحقُّ عندَ انقِضاءِ آجالِها، ولا يُقالُ: إنَّ ذلكَ يَستلزمُ الزِّيادةَ على الأجَلِ، فكذا أجَلُ الإيلاءِ سَواءٌ (١).

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٤٦٤، ٤٦٥)، و «التاج والإكليل» (٣/ ١٣٣، ١٣٤)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٩٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٥٧، ٣٥٨)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٢٥٤، ٢٥٥)، و «الحاوي الكبير» (١٠/ ٣٤٠، ٣٤٢)، و «البيان» (١٠/ ٣٠١، ٣٠٢)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٥٦٩، ٥٧٠)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٣٩، ٤٤)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٢٦، ٢٨)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٦٤٤، ٦٤٥)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٩٠)، و «الديباج» (٣/ ٤٩٩، ٥٠٠)، و «المغني» (٧/ ٤٢٨)، و «زاد المعاد» (٥/ ٣٤٧، ٣٥٠)، و «كشاف القناع» (٥/ ٤٢٠، ٤٢١)، و «منار السبيل» (٣/ ١٣٠، ١٣١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الإيلاء
١٢٩٩ - مسألة؛ قال: (فإذا مضت أربعة أشهر، ورافعته، أمر بالفيئة، والفيئة الجماع)

ذلك أن الفَيْئَةَ بَعْدَ أربعةِ أشْهُرٍ؛ لِذِكْرِه الفَيْئَةَ بعدَها بالفاءِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّعْقِيبِ، ثم قال: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} . ولو وَقَعَ بِمُضِىِّ المدَّةِ، لم يَحْتَجْ إلى عَزْمٍ عليه، وقولُه: {سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يَقْتَضِى أَنَّ الطَّلاقَ مَسْمُوعٌ، ولا يكونُ المَسموعُ إلَّا كَلامًا، ولأنَّها مُدَّةٌ ضُرِبَتْ له تَأْجيلًا، فلم يَسْتَحِقَّ المُطالبَةَ فيها، كسائِرِ الآجالِ، ولأنَّ هذه مدَّةٌ لم يَتَقَدَّمْها إيقاعٌ، فلا يَتَقَدَّمُها وُقوعٌ، كمُدَّة العُنَّةِ. ومُدَّةُ العُنَّةِ حجَّةٌ لنا؛ فإنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ إلَّا بمُضِيِّها، ولِأَنَّ مدَّةَ العُنَّةِ ضُرِبَتْ له ليُخْتَبَرَ فيها، ويُعْرَفَ عَجْزُه عن الوَطْءِ بتَرْكِهِ فى مدَّتِها، وهذه ضُرِبَتْ تأخيرًا له وتأجيلًا، ولا يَسْتَحِقُّ المُطالَبَةَ إلَّا بعدَ مُضِىِّ الأَجَلِ، كالدَّيْنِ.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في حكم الإيلاء

فِي الْجِمَاعِ لِيَكُونَ إزَالَةُ هَذَا الظُّلْمِ بِقَدْرِ الظُّلْمِ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِ الْعِلَّةِ.

وَأَمَّا وَقْتُ الْفَيْءِ فَالْفَيْءُ عِنْدَنَا فِي الْمُدَّةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَنَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْإِيلَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَأَمَّا حُرِّيَّةُ الْمُولِي فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ إيلَائِهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَمِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ حَتَّى لَوْ قَالَ الْعَبْدُ لِامْرَأَتِهِ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ، أَوْ قَالَ: إنْ قَرِبْتُك فَعَلَيَّ صَوْمٌ أَوْ حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ، أَوْ امْرَأَتِي طَالِقٌ يَصِحُّ إيلَاؤُهُ حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْرَبْهَا تَبِينُ مِنْهُ فِي الْمُدَّةِ وَلَوْ قَرِبَهَا فَفِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِالصَّوْمِ، وَفِي غَيْرِهَا يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ الْمَذْكُورُ؛ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ أَهْلٌ لِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَحْلِفُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ بِأَنْ قَالَ: إنْ قَرِبْتُكِ فَعَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، أَوْ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِكَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ مِلْكِ الْمَالِ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الطلاق)
(باب الإيلاء)

(باب الإيلاء)

(مختصر من الجامع من كتاب الإيلاء قديم وجديد والإملاء وما دخل فيه من الأمالي)

(على مسائل مالك ومن مسائل ابن القاسم من إباحة الطلاق وغير ذلك)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} الآية البقرة: ٢٢٦ ) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْإِيلَاءُ فِي كَلَامِهِمْ فَهُوَ الْحَلِفُ، يُقَالُ آلَى يُولِي إِيلَاءً فَهُوَ مُولٍ إِذَا حَلَفَ فَالْإِيلَاءُ الْمَصْدَرُ، وَآلَى أَلِيَّةً الِاسْمُ.

قَالَ جَرِيرٌ:

(وَلَا خَيْرَ فِي مَالٍ عَلَيْهِ أَلِيَّةٌ ... وَلَا فِي يَمِينٍ عُقِدَتْ بِالْمَآثِمِ)

وَجَمْعُ الْأَلِيَّةِ آلَايَا، قَالَ الشَّاعِرُ.

(قَلِيلُ الْأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ ... وَإِنْ بَدَرَتْ مِنْهُ الْأَلِيَّةُ بَرَّتِ)

فَإِنِ اشْتَقَقْتَ الِافْتِعَالَ مِنَ الْأَلِيَّةِ قُلْتَ أَيْتَلَى يَأْتَلِي إِيتِلَاءً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى} النور: ٢٢ .

فالإيلاء فِي اللُّغَةِ هِيَ كُلُّ يَمِينٍ حَلَفَ بِهَا حَالِفٌ عَلَى زَوْجَةٍ، أَوْ غَيْرِ زَوْجَةٍ فِي طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ.

فَأَمَّا الْإِيلَاءُ فِي الشَّرْعِ: فَهُوَ الْحَلِفُ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لَا يَطَأَهَا مُدَّةً يَصِيرُ بِهَا مُولِيًا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.

(فَصْلٌ:)

قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 260 - 267

ارجع إلى أركان الإيلاء للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد