الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الإيلاء > الركن الثاني: المدة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةالرُّكنُ الثَّاني: المدَّةُ:
الزوجُ إذا حلَفَ أنْ لا يجامِعَ زَوجتَه فهذا لا يَخلو حالُه: إمَّا أنْ يُحدِّدَ مدَّةً مُعيَّنةً، وإما أنْ يَحلِفَ مُطلِقًا.
وإذا حدَّدَ مدَّةً معيَّنةً: إما أنْ تَكونَ أربعةَ أشهُرٍ أو أقلَّ أو أزيَدَ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ.
فإذا حلَفَ أنْ لا يُجامِعَ زوْجتَه مدَّةً مُعينةً فهذا لا يَخلو مِنْ ثلاثِ حالاتٍ:
الحَالةُ الأُولى: إذا حلَفَ أنْ لا يُجامِعَ زوْجتَه أقَلَّ مِنْ أربَعةِ أشهُرٍ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الزوجَ إذا حلَفَ أنْ لا يُجامِعَ زوْجتَه أقلَّ مِنْ أربَعةِ أشهُرٍ فلا يَصيرُ مُوليًا بل هو حالِفٌ، فإنْ جامَعَها قبلَ مُضيِّ المدَّةِ المَحلوفِ عليها فعَليهِ كفَّارةُ اليَمينِ فقطْ، ولا شيءَ عليه آخَرَ؛ لأنَّ المُولي مَنْ لا يَملكُ قُربانَ امرَأتِه في المدَّةِ إلا بشيءٍ يَلزمُه، وإذا عقَدَ يَمينَه على أقلَّ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ كشَهرٍ مَثلًا فهو يَتمكَّنُ مِنْ قُربانِها بعدَ مُضيِّ الشهرِ مِنْ غيرِ أنْ يَلزمَه شيءٌ، فلمْ يَكنْ مُوليًا كما في تَركِ مُجامَعتِها مدَّةً بغَيرِ يَمينٍ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، والإيلاءُ هو اليَمينُ، وقد ثبَتَ أنه إنْ ترَكَ جِماعَها بغيرِ يَمينٍ لا يُكسِبُه حُكمَ الإيلاءِ، وإذا حلَفَ على أقلَّ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ فمضَتْ مدَّةُ اليَمينِ كانَ تارِكًا لجَماعِها فيما بَقيَ مِنْ مدَّةِ الأربعةِ الأشهرِ التي هيَّ التربُّصُ بغيرِ يَمينٍ، وتَركُ جِماعِها بغيرِ يَمينٍ لا تأثيرَ له في إيجابِ البَينونةِ، وما دونَ الأربعةِ
أشهُرٍ لا يُكسِبُه حُكمَ البَينونةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قد جعَلَ لهُ تربَّصَ أربعةِ أشهُرٍ، فلمْ يَبقَ هُناكَ معنًى يتعلَّقُ بهِ إيجابُ الفُرقةِ، فكانَ بمَنزلةِ تارِكِ جِماعِها بغيرِ يَمينٍ، فلا يَلحقُه حُكمُ الإيلاءِ.
وقد قالَ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «كانَ إيلاءُ أهلِ الجَاهليةِ السَّنةَ والسنتَينِ وأكثَرَ، فوقَّتَ اللهُ لهم أربعةَ أشهُرٍ، فمَن كانَ إيلاؤُه أقلَّ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ فليسَ بإيلاءٍ».
قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: اتَّفقُوا على أنه إذا حلَفَ باللهِ لا يُجامِعُ زوْجتَه أكثَرَ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ كانَ مُوليًا، فإنْ حلَفَ ألا يَقربَها أقلَّ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ لم يَتعلَّقْ به حُكمُ الإيلاءِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: فإنْ حلَفَ على أقلَّ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ لم يَكنْ مُوليًا، وقالَ بهِ الأئمَّةُ الأربعةُ وأكثَرُ العُلماءِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: مَنْ حلَفَ على تَركِ الوَطءِ أقلَّ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ لم يَكنْ مُؤليًا، وهذا قَولُ الجُمهورِ، وفيه قولٌ شاذٌّ أنه مُؤلٍ (٣).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: لو حلَفَ على أقلَّ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ لم يَكنْ مُوليًا في حقِّ الطلاقِ، وهذا قَولُ عامَّةِ العُلماءِ وعامَّةِ الصحابةِ رضي الله عنهم.
(١) «الإفصاح» (٢/ ١٨٢).
(٢) «شرح فتح القدير» (٤/ ١٩٧).
(٣) «زاد المعاد» (٥/ ٣٤٥).
وقالَ بَعضُ أهلِ العلمِ: إنَّ مدَّةَ الإيلاءِ غيرُ مُقدَّرةٍ، يَستِوي فيها القَليلُ والكثيرُ، حتى لو حلَفَ لا يَقربُها يومًا أو ساعةً كانَ مُوليًا، حتى لو ترَكَها أربعةَ أشهُرٍ بانَتْ، وكذا رُويَ عن ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه، وقالَ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ الإيلاءَ على الأبَدِ …
وجهُ قَولِ الأوَّلِينَ ما رُويَ عن أنسِ بنِ مالِكٍ رضي الله عنه: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ آلَى مِنْ نِسائِه شَهرًا، فلمَّا كانَ تِسعةٌ وعِشرونَ يَومًا ترَكَ إيلاءَهُنَّ، فقيلَ لهُ: إنكَ آلَيتَ شهرًا يا رَسولَ اللهِ، فقالَ: الشهرُ تِسعةٌ وعِشرونَ يومًا»، ولأنَّ اللهَ تعالَى لم يَذكرْ في كِتابِه الكَريمِ للإيلاءِ مدَّةً، بل أطلَقَه إطلاقًا بقَولِه ﷿: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فيَجرِي على إطلاقِه، وإنما ذكَرَ المدَّةَ لثُبوتِ البَينونةِ، حتى تَبِينُ بمُضيِّ المدَّةِ مِنْ غيرِ فَيءٍ لا ليَصيرَ إيلاءً شرعًا، وبه نَقولُ.
ولنا: قولُه تعالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] ذكَرَ للإيلاءِ في حُكمِ الطلاقِ مدَّةً مقدَّرةً، فلا يَكونُ الحلِفُ على ما دُونَها إيلاءً في حقِّ هذا الحُكمِ؛ وهذا لأنَّ الإيلاءَ ليسَ بطَلاقٍ حَقيقةً، وإنما جُعلَ طَلاقًا معلَّقًا بشَرطِ البِرِّ شَرعًا بوَصفِ كَونِه مانِعًا مِنْ الجِماعِ أربعةَ أشهرٍ فصاعدًا، فلا يُجعلُ طَلاقًا بدونِه، ولأنَّ الإيلاءَ هو اليَمينُ التي تَمنعُ الجِماعَ خَوفًا مِنْ لُزومِ الحِنثِ، وبعدَ مُضيِّ يَومٍ أو شَهرٍ يُمكِنُه أنْ يطَأَها مِنْ غيرِ حِنثٍ يَلزمُه، فلا يَكونُ هذا إيلاءً.
وأما قَولُهم: «إنَّ المدَّةَ ذُكرتْ لثُبوتِ حُكمِ الإيلاءِ لا للإيلاءِ»، فنقولُ: ذِكرُ المدَّةِ في حُكمِ الإيلاءِ لا يكونُ ذِكرًا في الإيلاءِ؛ لأنَّ الحُكمَ ثبَتَ بالإيلاءِ؛ إذْ بهِ يتأكَّدُ المنعُ المُحقِّقُ للظُّلمِ.
وأما الحَديثُ: فالمَرويُّ أنَّ النبيَّ ﷺ آلَى أنْ لا يَدخلَ على نِسائِه شهرًا، وعندَنا مَنْ حلَفَ لا يَدخلُ على امرَأتِه يَومًا أو شَهرًا أو سَنةً لا يَكونُ مُوليًا في حقِّ حُكمِ الطلاقِ؛ لأنَّ الإيلاءَ يَمينٌ يَمنعُ الجِماعَ، وهذا لا يَمنعُ الجماعَ، وقَولُ عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «الإيلاءُ على الأبَدِ» مُحتمَلٌ، يُحتمَلُ أنْ يكونَ مَعناهُ أنَّ الإيلاءَ إذا ذُكرَ مُطلَقًا عن الوقتِ يقَعُ على الأبَدِ وإنْ لم يُذكرِ الأبَدُ، ونحنُ نقولُ بهِ، ويُحتمَلُ أنه أرادَ بهِ إنَّ ذِكرَ الأبَدِ شَرطُ صحَّةِ الإيلاءِ في حقِّ حُكمِ الطلاقِ، فيُحمَلُ على الأولِ تَوفيقًا بينَ الأقاويلِ.
والدليلُ عليه ما رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه قالَ: «كانَ إيلاءُ أهلِ الجَاهليةِ السَّنةَ والسنتَينِ وأكثَرَ مِنْ ذلكَ، فوقَّتَه اللهُ أربعةَ أشهُرٍ، فمَن كانَ إيلاؤُه أقلَّ مِنْ أربعةِ أشهرٍ فليسَ بإيلاءٍ»، ولأنه ليسَ في النَّصِّ شَرطُ الأبَدِ، فيَلزمُه إثباتُ حُكمِ الإيلاءِ في حقِّ الطلاقِ عندَ تربُّصِ أربعةِ أشهُرٍ، فلا تَجوزُ الزيادةُ إلا بدليلٍ (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٧١، ١٧٢)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤٧٣، ٤٧٤)، و «أحكام القرآن» (٢/ ٤٦)، و «المبسوط» (٧/ ٢٢)، و «الهداية» (٢/ ١٢)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥٠١)، و «الاختيار» (٣/ ١٨٩)، و «اللباب» (٢/ ١٠٩)، و «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٤٤٣)، و «شرح السنة» (٩/ ٢٣٩، ٢٤٠)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٤٦٣، ٤٦٥)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٢٤٥)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٧٦)، و «الحاوي الكبير» (١٠/ ٣٤٠)، و «البيان» (١٠/ ٢٨٤، ٢٨٥)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٢٦)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٧، ١٨)، و «الديباج» (٣/ ٤٨٩)، و «المغني» (٧/ ٤١٥، ٤١٦)، و «الكافي» (٣/ ٢٤١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٤١٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٥٢١)، و «منار السبيل» (٣/ ١٣٠).
ولأنَّ المُولي هو الذي منَعَ نفسَه باليَمينِ مِنْ وَطءِ امرَأتِه وقصَدَ الإضرارَ بها، والإضرارُ لا يَلحقُها في تَركِ وَطئِها ما دونَ أربعةِ أشهُرٍ؛ لِمَا رُويَ: «أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله عنه اجتَازَ في مَوضعٍ مِنْ المَدينةِ لَيلًا، فسمِعَ امرَأةً تَقولُ:
تَطاوَلَ هذا اللَّيلُ وازوَرَّ جانِبُه … وليسَ إلى جَنبِي خَليلٌ أُلاعِبُهْ
ورُويَ:
ألَا طالَ هذا اللَّيلُ واخضَلَّ جانِبُه … وأرَّقنِي أنْ لا خَليلَ أُلاعِبُهْ
فواللهِ لولا اللهُ لا رَبَّ غَيرُه … لَزُعزِعَ مِنْ هذا السَّريرِ جَوانِبُهْ
مَخافةُ ربِّي والحَياءُ يَكفُّنِي … وأُكرِمُ بَعلِي أنْ تُنالَ مَراكِبُهْ
فسألَها عُمرُ عَنْ حالِها فأخبَرتْه أنَّ زوْجَها قد بعَثَه إلى الجِهادِ، فلمَّا كانَ مِنْ الغَدِ سألَ عُمرُ نِسوةً: كَمْ تَصبِرُ المَرأةُ عن زَوجِها؟ فقُلْنَ: شَهرَينِ، ويَقلُّ صبْرُها في ثلاثةِ أشهُرٍ، ويَفنَى الصبْرُ في أربعةِ أشهُرٍ، فضرَبَ لهم عُمرُ رضي الله عنه مدَّةَ أربعةِ أشهُرٍ، فكلمَّا قامَ الرَّجلُ في الغَزوِ أربعةَ أشهُرٍ قَدِمَ إلى
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في شرائط ركن الطلاق وبعضها يرجع إلى الوقت وهو مضي مدة الإيلاء
ظَرْفًا، وَإِنْ نَوَى مَعَ يَقَعُ الْمَضْرُوبُ وَالْمَضْرُوبُ فِيهِ بِقَدْرِ مَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الضَّرْبَ وَالْحِسَابَ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ يَقَعُ الْمَضْرُوبُ لَا الْمَضْرُوبُ فِيهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ.
وَعِنْدَ زُفَرَ يَقَعُ الْمَضْرُوبُ وَالْمَضْرُوبُ فِيهِ بِقَدْرِ مَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْوَاحِدَ فِي اثْنَتَيْنِ اثْنَانِ عَلَى طَرِيقِ الضَّرْبِ وَالْحِسَابِ وَالْوَاحِدُ فِي الثَّلَاثَةِ ثَلَاثَةٌ وَالِاثْنَانِ فِي الِاثْنَيْنِ أَرْبَعَةٌ، وَهَذَا يَقْتَضِي وُقُوعَ الْمَضْرُوبِ وَالْمَضْرُوبِ فِيهِ؛ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا إلَّا أَنَّ الْعَدَدَ الْمُجْتَمِعَ لَهُ عِبَارَتَانِ: إحْدَاهُمَا الِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَالْأُخْرَى وَاحِدٌ فِي اثْنَيْنِ، وَوَاحِدٌ فِي ثَلَاثَةٍ وَاثْنَانِ فِي اثْنَيْنِ (وَلَنَا) وُجُوهٌ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا أَنَّ الضَّرْبَ إنَّمَا يَتَقَدَّرُ فِيمَا لَهُ مِسَاحَةٌ.
فَأَمَّا مَا لَا مِسَاحَةَ لَهُ، فَلَا يَتَقَدَّرُ فِيهِ الضَّرْبُ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ ضَرْبِ الِاثْنَيْنِ فِي الِاثْنَيْنِ خَطَّانِ يُضَمُّ إلَيْهِمَا خَطَّانِ آخَرَانِ، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يُقَالُ الِاثْنَانِ فِي الِاثْنَيْنِ أَرْبَعَةٌ وَالطَّلَاقُ لَا يَحْتَمِلُ الْمِسَاحَةَ، فَإِذَا نَوَى فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ الضَّرْبَ فَقَدْ أَرَادَ مُحَالًا فَبَطَلَتْ نِيَّتُهُ.
ارجع إلى أركان الإيلاء للاطلاع على جميع المسائل.