المسألة الثانية: إذا كان العوض غير متمول

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الخلع > المسألة الثانية: إذا كان العوض غير متمول

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

المسألة الثانية: إذا كان العوض غير متمول - الأقوال والأدلة

عَقدٌ على مَنفعةِ بُضعٍ فلم يَفسدْ بفَسادِ عوضِه ورجَعَ إلى مُقابِله كالنِّكاحِ.

وفي قولٍ: يرجعُ ببدَلِ الخَمرِ، وهو قَدرُها مِنْ العَصيرِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وسَببُ الخِلافِ تردُّدُ العِوضِ هَهُنا بيْنَ العوضِ في البُيوعِ أو الأشياءِ المَوهوبةِ والمُوصَى بها.

فمَن شبَّهَها بالبُيوعِ اشتَرطَ فيهِ ما يُشترطُ في البُيوعِ وفي أعواضِ البُيوعِ، ومَن شبَّهُه بالهِباتِ لم يَشترطْ ذلكَ (٢).

المسألةُ الثَّانيةُ: إذا كانَ العِوضُ غيرَ مُتموَّلٍ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ العِوضُ في الخُلعِ غيرَ مُتموَّل كخَمرٍ أو خِنزيرٍ وهُما مُسلمانِ، هل يَجبُ لها عِوضٌ أم لا؟ بعْدَ اتِّفاقِهم على أنَّ الطَّلاقَ يقعُ.

فذهَبَ الشَّافعيَّةُ إلى أنَّه يُشترطُ في العِوضِ شُروطُ الثَّمنِ مِنْ كونِه مُتموَّلًا مَعلومًا مَقدورًا على تَسليمِه، فعلى هذا لو خالَعَ على خَمرٍ مَعلومةٍ وهُما مُسلمانِ، أو غيرِ ذلكَ مِنْ كلِّ فاسدٍ يُقصَدُ؛ بانَتْ بمَهرِ المِثلِ؛ لأنَّه عَقدٌ على مَنفعةِ بُضعٍ، فلم يَفسدْ بفَسادِ عِوضِه ورجَعَ إلى مُقابلِه كالنِّكاحِ.

وفي قَولٍ: يرجعُ ببَدلِ الخَمْرِ، وهو قَدرُها مِنْ العَصيرِ (٣).

(١) «روضة الطالبين» (٥/ ٢٥٢، ٢٥٣)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٤٤٠، ٤٤١)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٣٤)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٤٦٢، ٤٦٣).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٥١).
(٣) «روضة الطالبين» (٥/ ٢٥٢، ٢٥٣)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٤٤٠، ٤٤١)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٣٤)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٤٦٢، ٤٦٣).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ العِوضَ في الخُلعِ إذا كانَ باطِلًا -كما لو خالَعَها عَلى خَمرٍ أو خِنزيرٍ أو مَيتةٍ أو حُرٍّ- فلا يَستحقُّ الزَّوجُ شَيئًا؛ لأنَّ خُروجَ البُضعِ مِنْ مِلكِ الزَّوجِ غيرُ متقوَّمٍ، فإذا رَضيَ بغيرِ عِوضٍ لم يَكنْ لهُ شيءٌ، كما لو طلَّقَها أو علَّقَ طَلاقَها على فِعلِ شيءٍ ففعلَتْه، وفارَقَ النِّكاحَ؛ فإنَّ دُخولَ البُضعِ في مِلكِ الزَّوج متقوَّمٌ.

إلَّا أنَّهم اختَلفُوا هل يَقعُ رَجعيًّا أم بائِنًا أم يَختلفُ بحَسبِ النِّيةِ؟

فقالَ الحنفيَّةُ: العِوضُ في الخُلعِ إذا بطَلَ -مِثلَ أنْ تخالِعَ زوْجَها على خَمرٍ أو خِنزيرٍ أو مَيتةٍ- فلا شيءَ للزَّوجِ؛ لبُطلانِ العِوضِ المُسمَّى، والفُرقةُ بائِنةٌ، وإنَّما لم يَجبْ شيءٌ عليها للزَّوجِ؛ لأنها ما سمَّتْ مالًا مُتقوَّمًا لتَصيرَ غارَّةً لهُ، ولأنه لا وجهَ لإلزامِ المُسمَّى؛ لامتِناعِ المُسلِمِ عن تَسليمِه وتسلُّمِه، ولا إلزامَ غيرِه؛ لعَدمِ الالتزامِ بهِ، بخلافِ ما إذا خالَعَ على خَلٍّ بعَينِه فظهَرَ خَمرًا فإنه يَلزمُه عليها ردُّ المَهرِ الَّذي أخَذَتْه عندَ أبي حَنيفةَ.

وعِندَهما كَيلٌ مِثلُ ذلكَ مِنْ خَلًّ وسَطٍ، وهذا والصَّداقُ سَواءٌ؛ لأنها سمَّتْ مالًا وغرَّتْه بذلكَ فكانَتْ ضامِنةً؛ لأنَّ التَّغريرَ في ضِمنِ العقدِ يُوجِبُ الضَّمانَ.

وإنْ بطَلَ العِوضُ في الطَّلاقِ كانَ رَجعيًّا إذا لَم يَستَوفِ عَددَ الطَّلاقِ، فإنِ استَوفاها كانَ بائِنًا، وإنَّما كانَ رَجعيًّا؛ لأنَّ صَريحَ الطَّلاقِ إذا خَلا عَنْ العِوضِ ولم يُوصفْ بالبَينونةِ كانَ رَجعيًّا.

فالعِوضُ إذا كانَ غيرَ مُتقوَّمٍ كالخَمرِ والخِنزيرِ والمَيتةِ؛ فإمَّا أنْ يَكونَ مُوقِعًا بلَفظِ الخُلعِ أو الطَّلاقِ، ففي الخُلعِ يقَعُ بائِنًا، وفي الطَّلاقُ يقَعُ رَجعيًّا إنْ كانَتْ مَدخولًا بها وهي دونَ الثَّلاثِ؛ لأنَّ الإيقاعَ معلَّقٌ بالقَبولِ وقد وُجدَ، ولمَّا بطَلَ العِوضُ كانَ العامِلُ في الأوَّلِ لفْظَ الخُلعِ وهو كِنايةٌ، والواقِعُ بها بائِنٌ، وفي الثَّاني لفْظَ الطَّلاقِ وهو يَعقبُ الرَّجعةَ (١).

وقالَ المالكيَّةُ: الزَّوجُ إذا خالَعَ زَوجتَه بمَا لا يَصلحُ أنْ يكونَ عِوضًا كالخَمرِ والخِنزيرِ وقَعَ الطَّلاقُ بائِنًا ولم يَستحقَّ عليها عِوضًا؛ لأنَّ الطَّلاقَ معنًى يَصحُّ أنْ يُوقعَ بغيرِ بَدلٍ يَفوتُ بنَفسِ وُقوعِه ولا يُمكنُ الفَسخُ فيهِ، فإذا وقَعَ على ما لا يَصحُّ أنْ يكونَ بدَلًا لم يَستحقَّ به بدَلًا، أصلُه العِتقُ، ولأنَّه إزالةُ مِلكٍ إلى غيرِ مالِكٍ بما لا يَصحُّ المعاوَضةُ عليهِ فلَم يَستحقَّ بها عوضًا، أصلُه كما لو قالَ لعَبدِه: «إنْ جئتَنِي بزِقِّ خَمرٍ فأنتَ حُرٌّ» فجاءَهُ بهِ فإنه يُعتَقُ ولا يَستحقُّ عليهِ بَدلًا، ولأنَّ مَهرَ المِثلِ مِقدارٌ لم يَقعِ التَّراضي عليهِ في الخُلعِ فلم يَلزمْ بفسادِ العِوضِ فيهِ، أصلُه ما زادَ على مَهرِ المِثلِ،

(١) «الهداية» (٢/ ١٤)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ٢٦٩)، و «العناية» (٥/ ٤٧٣)، و «الاختيار» (٣/ ١٩٣، ١٩٤)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٤١٣)، و «شرح فتح القدير» (٤/ ٢١٩، ٢٢٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥٢٠، ٥٢٢)، و «اللباب» (٢/ ١١٧، ١١٨).

ولأنَّ كلَّ معنًى لم يَجبْ في الخُلعِ مع صحَّةِ العِوضِ لم يَجبْ مع فَسادِه، أصلُه المَهرُ المُسمَّى، ولأنَّ ثُبوتَ البَدلِ في الخُلعِ لا يَتعلَّقُ به حقُّ اللهِ تعالَى، بدليلِ جَوازِ التَّراضي على إسقاطِه، فمتى صَحَّ العَقدُ برِضاهُ مِنْ غيرِ بَدلٍ مَعلومٍ صارَ كأنَّه طلَّقَ بلا عِوضٍ، ولأنَّ وُجوبَ مَهرِ المِثلِ لا يَخلُو أنْ يكونَ بدَلًا عَنْ العوضِ أو عَنْ البُضعِ، ولا يَجوزُ أنْ يكونَ بَدلًا عَنْ العِوضِ؛ لأنَّ كلَّ بَدلٍ كانَ قائمًا يَكونُ العِوضُ قيمتَه لا غَير، ومَهرُ المثلِ ليسَ بقيمةٍ للخَمرِ، وإنْ كانَ بَدلًا عَنْ فَواتِ البُضعِ لا يَصحُّ؛ لأنَّ خُروجَ البُضعِ مِنْ مِلكِ الزَّوجِ لا قيمةَ لهُ، وتُبنَى المسألةُ على هذا المَوضعِ، وهو أنَّ خُروجَ البُضعِ مِنْ مِلكِ الزَّوجِ لا قيمةَ لهُ؛ لأنَّ الَّذي يَتلفُ بهِ استِباحتُه، وتلكَ الاستِباحةُ لا تُقوَّمُ في حقِّ مِثلِها، كالمريضِ يطلِّقُ فلا يُقوَّمُ البُضعُ عليها في الثُّلثِ، فلو كانَ لهُ قيمةٌ لقوِّمَ عَليها، كما لو أعطاها شَيئًا مِنْ مالِه، ولأنها لوِ ارتدَّتْ بعدَ الدُّخولِ لم يَلزمْها شيءٌ للزَّوجِ، فلو كانَ لخُروجِ بُضعِها عَنْ مِلكِه قيمةٌ لَوجَبَ أنْ تَضمنَها كما تَضمنُ قيمةَ ما استَهلكَتْ، ولأنَّ قاتِلَها لا يَلزمُه لزَوجِها قيمةُ البُضعِ، فلو كانَ له قيمةٌ لَضَمنَها كسائرِ مالِهِ (١).

وقالَ الحَنابلةُ: فإنْ كانَ الخُلعُ بلَفظِ الطَّلاقِ فهو طلاقٌ رَجعيٌّ؛ لأنَّه

(١) «عقد الجواهر الثمينة» (٢/ ٤٩٨)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٨٨، ٣٨٩)، رقم (١٢١٧)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٥١).

خَلا عن عِوضٍ، وإنْ كانَ بلَفظِ الخُلعِ وكِناياتِ الخُلعِ ونَوى به الطَّلاقَ فكذلكَ؛ لأنَّ الكِناياتِ مع النِّيةِ كالصَّريحِ.

وإنْ كانَ بلَفظِ الخُلعِ ولم يَنوِ الطَّلاقَ انبَنَى على أصلٍ، وهو أنَّه هل يَصحُّ الخُلعُ بغيرِ عِوضٍ؟ وفيهِ رِوايتانِ، فإنْ قُلنا يَصحُّ صَحَّ هاهُنا، وإنْ قُلنا لا يَصحُّ لم يَصحَّ ولم يَقعْ شَيئًا، وإنْ قالَ: «إنْ أعطَيتِني خَمرًا أو مَيتةً فأنتِ طالِقٌ» فأعطَتْه ذلكَ طَلُقَتْ ولا شيءَ عليها (١).

(١) «المغني» (٧/ ٢٦١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب عشرة النساء والخلع
١٢٣٨ - مسألة؛ قال: (وإن خالعها على غير عوض، كان خلعا، ولا شىء له)

مَشْروعيَّةِ الخُلْعِ أن تُوجدَ مِن المرأةِ رَغْبةٌ عن زَوْجِها، وحاجةٌ إلى فِرَاتِه، فتَسْألَه فراقَها، فإذا أجابَها، حصلَ المقْصودُ مِنَ الخُلْعِ، فصحَّ، كما لو كان بعِوَضٍ. قال أبو بكرٍ: لا خلافَ عن أبى عبدِ اللَّهِ، أَنَّ الخُلْعَ ما كان مِن قِبَلِ النِّساءِ، فإذا كان مِن قِبَلِ الرِّجالِ، فلا نِزاعَ فى أنَّه طلاقٌ تُمْلَكُ به الرَّجْعةُ، ولا يكونُ فَسْخًا. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يكونُ خُلْعٌ إلَّا بِعِوَضٍ. رَوَى عنه مُهَنَا، إذا قال لها: اخْلَعِى نفسَك. فقالت: خلَعْتُ نفسِى. لم يكُنْ خُلعًا إلَّا على شىءٍ، إلَّا أن يكونَ نَوى الطَّلاقَ، فيكونُ ما نَوَى. فعلَى هذه الرِّوايةِ، لا يصحُّ الخُلْعُ إلَّا بعِوَضٍ، فإنْ تَلفَّظَ به بغيرِ عِوَضٍ، ونَوَى الطَّلاقَ، كان طلاقًا رَجْعِيًّا؛ لأنَّه يَصلُحُ كنايةً عَنِ الطَّلاقِ. وإن لم يَنْوِ به الطَّلاقَ، لم يكُنْ شيئًا. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والشَّافعىِّ؛ لأنَّ الخُلْعَ إن كان فسخًا، فلا يَمْلِكُ الزَّوجُ فَسْخَ النِّكاحِ إلا لِعَيْبِها . وكذلك لو قال: فَسَخْتُ النِّكاحٍ. ولم يَنْوِ به الطَّلاقَ، لم يقَعْ شىءٌ، بخلافِ ما إذا دخلَه العِوَضُ، فإنَّه يَصيرُ مُعاوَضَةً، فلا يجْتمِعُ له العِوَضُ والمُعَوَّضُ. وإن قُلْنا: الخُلْعُ طلاقٌ. فليس بصريحٍ فيه اتِّفاقًا، وإنما هو كنايةٌ، والكنايةُ لا يقَعُ بها الطَّلاقُ إلَّا بِنِيَّةٍ، أو بَذْلِ العِوَضِ ، فيقومُ مَقامَ النِّيَّةِ، وما وُجِدَ واحدٌ منهما. ثم إنْ وقَعَ الطَّلاقُ، فإذا لم يكُنْ بِعِوَضٍ، لم يَقْتَضِ البَيْنُونةَ إلَّا أن تَكْمُلَ الثَّلاثُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 560 - 564

ارجع إلى أركان الخلع للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله