الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الرجعة وشروطها > الشرط الثاني: أن يكون الطلاق دون الثلاث
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةمِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فبيَّنَ اللهُ سُبحانَه أنه لا عدَّةَ عليها، فتَبِينُ بمُجرَّدِ طَلاقِها وتَصيرُ كالمَدخولِ بها بعدَ انقِضاءِ عدَّتِها، لا رَجعةَ عليها ولا نَفقةَ لها، وإنْ رَغِبَ مُطلِّقُها فيها فهو خاطِبٌ مِنْ الخُطَّابِ يَتزوَّجُها برِضاها بنِكاحٍ جَديدٍ، وتَرجعُ إليهِ بطَلقتينِ، وإنْ طلَّقَها اثنتَينِ ثمَّ تزوَّجَها رجَعَتْ إليهِ بطَلقةٍ واحدةٍ بغَيرِ خِلافٍ بينَ أهلِ العلمِ (١).
فإذا أرادَ أنْ يَرجعَ إليها عقَدَ عليها عَقدًا مِنْ جَديدٍ بشُروطِه.
قالَ الإمامُ ابنُ حزمٍ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا أنَّ التي لا عدَّةَ عَليها لا رَجعةَ لهُ عليها إلَّا على حُكمِ ابتِداءِ النكاحِ الجَديدِ (٢).
الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يكونَ الطَّلاقُ دُونَ الثَّلاثِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنه يُشترطُ لصحَّةِ الرَّجعةِ أنْ تَكونَ المَرأةُ مُطلَّقةً طلقَةً أو طَلقتَينِ، فإنْ كانَتْ مُطلَّقةً ثلاثًا فلا تَصحُّ الرجعةُ ولا تَحِلُّ له حتى تَنكحَ زَوجًا غيرَه بِلا خِلافٍ بيْنَ عُلماءِ الأمَّةِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ومَعنَى ذلكَ باتِّفاقِ المُسلمينَ: فإنْ طلَّقَها الذي طلَّقَها مَرَّتينِ فلا تَحلُّ له مِنْ بعدِ هذا الطلاقِ الثالثِ حتَّى تَنكحَ زوجًا غيرَه، فإنْ طلَّقَها هذا
(١) «المغني» (٧/ ٣٩٧).
(٢) «مراتب الإجماع» ص (٧٥)، و «الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١٢٨٣)، رقم (٢٣٣٩).
الزوجُ الثاني فلا جُناحَ عليها وعلى الزوجِ الأولِ أنْ يَتراجعَا -أي يَنكِحَها نِكاحًا ثانيًا- إنْ ظنَّا أنْ يُقيمَا حُدودَ اللهِ (١).
ولِما رَواهُ عُروةُ بنُ الزُّبيرِ أنَّ عائِشةَ زوْجَ النبيِّ ﷺ أخبَرَتْه «أنَّ رِفاعةَ القُرَظيَّ طلَّقَ امرأتَه فبَتَّ طلاقَها، فتَزوَّجَتْ بعدَه عبدَ الرَّحمنِ بنَ الزُّبيرِ، فجاءَتِ النبيَّ ﷺ فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ إنها كانَتْ تحتَ رِفاعةَ فطلَّقَها آخِرَ ثَلاثِ تَطليقاتٍ، فتَزوَّجْتُ بعدَه عبدَ الرَّحمنِ بنَ الزُّبيرِ، وإنه واللهِ ما معه إلا مِثلُ الهُدْبةِ، وأخَذَتْ بهُدْبةٍ مِنْ جلبابها، قالَ: فتَبسَّمَ رسولُ اللهِ ﷺ ضاحكًا فقالَ: لعلَّكِ تُريدينَ أنْ تَرجعِي إلى رِفاعةَ؟! لا حتى يَذوقَ عُسَيلتَكِ وتَذُوقي عُسَيلتَه» (٢) (٣).
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا خِلافَ بيْنَهم في أنَّ المُطلَّقةَ ثلاثًا بعدَ الدُّخولِ لا تَحلُّ لهُ حتى تَنكحَ زوجًا غيرَه؛ لقَولِ اللهِ سُبحانَه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ورَوتْ عائِشةُ أنَّ رِفاعةَ القُرظيَّ طلَّقَ امرَأتَه فبَتَّ طلاقَها، فتَزوَّجَتْ بعدَه عبدَ الرَّحمنِ بنَ الزُّبيرِ، فجاءَتْ رسولَ اللهِ ﷺ فقالَتْ إنَّها كانَتْ عندَ رِفاعةَ فطلَّقَها آخِرَ
(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ٣٠٣)، و «جامع مسائل ابن تيمية» (١/ ٢٨٦).
(٢) رواه البخاري (٥٤٥٦)، ومسلم (١٤٣٣).
(٣) «الفتاوى الهندية» (١/ ٢٨٢)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٤٩٤)، و «البيان» (٩/ ٢٧٧)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٧٥٨)، و «النجم الوهاج» (٧/ ١٧١، ١٧٢)، و «كشاف القناع» (٥/ ٩١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٧٢)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٨١).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب الطلاق]
[فصل طلاق السنة]
وَإِنْ ثَبَتَ بَعْدَهُ، فَلَا عُهْدَةَ.
(فَصْلٌ) .
طَلَاقُ السُّنَّةِ: وَاحِدَةٌ بِطُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ بِلَا عِدَّةٍ
ــ
منح الجليل
الْمُدَّعِيَةُ، فَعَلَيْهَا الْبَيَانُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْلِفُ فِيهِمَا.
(وَإِنْ ثَبَتَ مَوْتُهُ) أَيْ الْعَبْدِ الْغَائِبِ الْمُخَالَعِ بِهِ (بَعْدَهُ) أَيْ الْخُلْعِ (فَلَا عُهْدَةَ) أَيْ ضَمَانَ عَلَيْهَا وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ غَائِبًا عَلَى الرُّؤْيَةِ السَّابِقَةِ الَّتِي لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَهَا أَوْ الصِّفَةِ، أَوْ شَرْطِ الْخِيَارِ يَمُوتُ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَعُهْدَتُهُ وَضَمَانُهُ وَمُصِيبَتُهُ مِنْ بَائِعِهِ، فَالْمُرَادُ بِالْعُهْدَةِ ضَمَانُ مَا يَطْرَأُ عَلَى الْغَائِبِ قَبْلَ قَبْضِهِ قَالَهُ النَّاصِرُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا الْآبِقُ الْمُخَالَعُ بِهِ فَعُهْدَتُهُ وَضَمَانُهُ عَلَى الزَّوْجِ وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ وَلَوْ تَبَيَّنَ مَوْتُهُ قَبْلَ الْخُلْعِ بِهِ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهَا كَانَتْ عَالِمَةً بِهِ قَبْلَهُ فَيَرْجِعَ عَلَيْهَا بِقِيمَتِهِ آبِقًا وَبَانَتْ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ طَلَاقُ السُّنَّةِ
(فَصْلٌ) (فِي بَيَانِ شُرُوطِ طَلَاقِ السُّنَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) .
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في الكناية في الطلاق
أَنْ يَلْحَقَهَا الْبَيْنُونَةُ فِي الْجُمْلَةِ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا تَصِيرُ بَائِنَةً فَجَازَ تَعْجِيلُ الْبَيْنُونَةِ فِيهَا أَيْضًا،.
فَأَمَّا الْوَاحِدَةُ فَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ تَصِيرَ ثَلَاثًا أَبَدًا فَلَغَا قَوْلَهُ: جَعَلْتُهَا ثَلَاثًا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَمْلِكُ إيقَاعَ هَذِهِ التَّطْلِيقَةِ بَائِنَةً مِنْ الِابْتِدَاءِ فَيَمْلِكُ إلْحَاقَهَا بِالْبَائِنَةِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْإِبَانَةِ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ كَمَا كَانَ يَمْلِكُهَا فِي الِابْتِدَاءِ، وَمَعْنَى " جَعْلِ الْوَاحِدَةِ ثَلَاثًا " أَنَّهُ أَلْحَقَ بِهَا تَطْلِيقَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ لَا أَنَّهُ جَعَلَ الْوَاحِدَ ثَلَاثًا
فَصْلٌ فِي الْكِنَايَةِ فِي الطَّلَاق
(فَصْلٌ) :
(وَأَمَّا) الْكِنَايَةُ فَنَوْعَانِ: نَوْعٌ هُوَ كِنَايَةٌ بِنَفْسِهِ وَضْعًا، وَنَوْعٌ هُوَ مُلْحَقٌ بِهَا شَرْعًا فِي حَقِّ النِّيَّةِ، أَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ فَهُوَ كُلُّ لَفْظٍ يُسْتَعْمَلُ فِي الطَّلَاقِ وَيُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ نَحْوُ قَوْلِهِ: أَنْتِ بَائِنٌ، أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ خَلِيَّةٌ بِرِئِيَّةٍ بَتَّةٌ أَمْرُكِ بِيَدِكِ اخْتَارِي اعْتَدِّي اسْتَبْرِئِي رَحِمَك أَنْتِ وَاحِدَةٌ خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ سَرَّحْتُكِ حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ فَارَقْتُكِ خَالَعْتكِ - وَلَمْ يَذْكُرْ الْعِوَضَ - لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكِ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْكِ لَا نِكَاحَ لِي عَلَيْكِ أَنْتِ حُرَّةٌ قَوْمِي اُخْرُجِي اُغْرُبِي انْطَلِقِي انْتَقِلِي تَقَنَّعِي اسْتَتِرِي تَزَوَّجِي ابْتَغِي الْأَزْوَاجَ الْحَقِي بِأَهْلِك وَنَحْوُ ذَلِكَ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطلاق
باب الطلاق بالحساب
بابُ الطَّلاقِ بالحِسَاب
١٢٧٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لَهَا: نِصْفُكِ طَالِقٌ، أَوْ يَدُكِ، أو عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِكِ طَالِقٌ. أَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطلِيقَةٍ، أَوْ رُبْعَ تَطْلِيقَه. وَقَعَتْ بهَا وَاحِدَةٌ)
الكلامُ فى هذه المسألةِ فى فصلَيْنِ:
أحدُهما، أنَّه إذا طَلَّقَ جُزءًا منها. والثّانى، إذا طَلّقَ جُزءًا مِن طَلْقةٍ.
فأمّا الأوّلُ، فإنَّه متى طَلَّقَ من المرأةِ جُزءًا مِن أجزائِها الثّابتةِ، طَلُقَتْ كُلُّها، سَواءٌ كان جُزءًا شائعًا، كنِصْفِها، أو سُدْسِها، أو جزءًا مِن ألْفِ جُزءٍ منها، أو جُزءًا مُعَيَّنًا، كيَدِها، أو رأْسِها، أو أُصْبُعها. وهذا قولُ الحسنِ، ومذهبُ الشَّافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابن القاسمِ صاحبِ مالكٍ. وذهَب أصحابُ الرَّأْىِ، إلى أنَّه إن أضافَه إلى جُزءٍ شائعٍ، أو واحدٍ من أعْضاءٍ خمسةٍ؛ الرّأس، والوجهِ، والرَّقَبَةِ، والظَّهْرِ، والفَرْجِ، طَلُقَتْ. وإِنْ أضافه إلى جُزءٍ مُعَيَّن، غيرِ هذه الخمسةِ، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّه جزءٌ تَبْقَى الجُملةُ بدُونِه، أو جزءٌ لا يُعبَّرُ به عن الجملةِ، فلم تَطْلُقِ المرأةُ بإضافةِ الطّلاقِ إليه، كالسِّنِّ، والظُّفْرِ. ولَنا، أنَّه أضافَ الطَّلاقَ إلى جُزْءٍ ثابتٍ، اسْتباحَه بعَقْدِ النِّكاحِ، فأشْبَهَ الجزءَ الشائعَ، والأعضاءَ الخمسةَ، ولأنَّها جُملةٌ لا تَتَبَعَّضُ فى الحِلِّ والحُرْمَةِ، وُجِدَ فيها ما يَقْتضِى التَّحْريمَ والإِباحةَ، فغَلَبَ فيها حُكْمُ التَّحْريمِ، كما لو اشْتَركَ مسلمٌ ومَجُوسىٌّ فى قتل صَيْدٍ، وفارقَ ما قاسُوا عليه؛ فإنَّه ليس بثابتٍ، والشَّعْرُ والظُّفرُ ليس بثابتٍ، فإنَّهما
يَزُولانِ ويَخْرُجُ غيرُهما، ولا يَنْقُضُ مَسُّهما الطَّهارةَ.
ارجع إلى أركان الرجعة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.