ثانيا: الرجعة بالفعل

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الرجعة وشروطها > ثانيا: الرجعة بالفعل

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 21 دقيقة قراءة

ثانيا: الرجعة بالفعل - الأقوال والأدلة

ثانيًا: الرَّجعةُ بالفِعلِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الرَّجعةِ، هل تَصحُّ بالفِعلِ كالوَطءِ أو المَسِّ بشَهوةٍ؟ أم لا تَصحُّ إلا بالقولِ؟ وهل تُشترطُ النيةُ معَ الفِعلِ؟ أم يَكفي الفعلُ وحْدَه ولو بلا نيَّةٍ؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الرَّجعةَ تَحصلُ بالفِعلِ كما تَحصلُ بالقَولِ على تَفصيلٍ عِندَهم في هذا.

قالَ الحَنفيةُ: تَصحُّ الرجعةُ بالفِعلِ بأنْ يطأَهَا في فَرجِها أو دبُرِها أو يُقبِّلَها أو يَلمسَها بشَهوةٍ، أو يَنظرَ إلى فَرجِها الدَّاخلِ بشَهوةٍ ولا يَتحققُ ذلكَ إلا عندَ انكِبابِها؛ لأنه بوَطئِها وبكُلِّ فعلٍ يَختصُّ بالنكاحِ يَكونُ مُستديمًا لمِلكِ النكاحِ، وهذه الأفعالُ تَدلُّ على ذلك، بل هيَ أقَوى مِنْ القَولِ، ولأنَّنا أجمَعْنا على أنه يَملكُها مِنْ غَيرِ رضاها ولا يُشترطُ فيها الإيجابُ والقَبولُ ولا يَجبُ فيها مَهرٌ ولا عِوضٌ؛ لأنَّ العوضَ إنما يَجبُ عِوضًا عن مِلكِ البُضعِ، والبُضعُ في مِلكِه.

إلا أنه يُكرَه ذلكَ، ويُستحبُّ أنْ يُرجعَها بعدَه بالقولِ.

وأما النَّظرُ إلى غَيرِ الفَرجِ فلا تَحلُّ بهِ الرجعةُ، والخَلوةُ بها ليسَتَ برَجعةٍ؛ لأنه لا يُوجَدُ ما يَدلُّ على الرجعةِ لا قَولًا ولا فِعلًا.

وكذا تَحصلُ الرجعةُ لو لمَسَتْ هي زوْجَها بشَهوةٍ أو نظَرَتْ إلى فَرجِه بشَهوةٍ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ؛ لأنَّ فعْلَها بهِ كفعلِه بها، فإنَّ الحِلَّ مشتَرَكٌ

بيْنَهما، وفِعلِها بهِ في حُرمةِ المُصاهَرةِ كفِعلِه بها، فكذلكَ في الرَّجعةِ.

وقالَ أبو يُوسفَ: إذا لمَسَتْه فترَكَها وهوَ يَقدرُ على مَنعِها فهو رَجعةٌ، وإنْ منَعَها ولم يَتركْها لم يكنْ رَجعةً؛ لأنَّ هذا الفِعلَ مِنْ الزوجِ دَليلُ استِبقاءِ المِلكِ، وليسَ لها وِلايةُ استِبقاءِ المِلكِ، فلا يَكونُ فِعلُها رَجعةً.

وفي «اليَنابِيع»: إذا لمسَتْه مُختلِسةً وهو كارِهٌ أو نائِمٌ أو زائِلُ العَقلِ وأقرَّ الزوجُ أنها فعَلَتْه بشَهوةٍ كانَ رَجعةً عندَهُما.

وقالَ أبو يُوسفَ: لا يَكونُ رَجعةً إلا إذا ترَكَها وهو يُمكِنُه مَنعُها.

وأمَّا إذا كانَ اللَّمسُ والنَّظرُ مِنْ غَيرِ شَهوةٍ لم يَكنْ رَجعةً بالإجماعِ، قالَ مُحمدٌ: ولو صدَّقَها الوَرثةُ بعدَ موتِه أنها لمسَتْه بشَهوةٍ كانَ ذلكَ رَجعةً، وإنْ شَهدَ الشُّهودُ أنها قبَّلَتْه بشَهوةٍ لم تُقبَلِ الشهادةُ؛ لأنَّ الشهوةَ مَعنًى في القلبِ لا يُشاهدُونَها، وقالَ بعضُهم: تُقبَلُ؛ لأنه يَظهرُ للشهوةِ نشاطٌ في الوَجهِ، وإنْ شَهِدوا على الجِماعِ جازَ إجمَاعًا؛ لأنه يُشاهَدُ، فلا يُحتاجُ فيه إلى شَرطِ الشهوةِ.

وإنْ نظَرَتْ هي إلى فَرجِه بشَهوةٍ فعند أبي حَنيفةَ يَكونُ رَجعةً، وعندَ أبي يُوسفَ لا يَكونُ رَجعةً، وإنْ نظَرَ إلى دبُرِها بشَهوةٍ لا يَكونُ رَجعةً إجماعًا؛ لأنه لا يَجرِي مَجرَى الفَرجِ.

فالحَنفيةُ قيَّدُوا القُبلةَ والنَّظرَ إلى الفَرجِ واللَّمسَ بالشهوةِ، أمَّا إنْ حصَلَ لَمسٌ أو نَظرٌ أو تَقبيلٌ بغَيرِ شَهوةٍ أو خَلوةٍ بها فلا تَصحُّ الرجعةُ؛ لأنَّ

هذهِ الأشياءَ تَحصلُ مِنْ الزوجِ وغَيرِه كالمُساكِنينَ لها أو المُتحدِّثينَ معها أو القابِلةِ أو الطَّبيبِ وغيرِهما، والنظرُ إلى غيرِ الفَرجِ قَدْ يَقعُ بيْنَ المُساكِنينَ، والزوجُ يُساكِنُها في العدَّةِ، فلو كانَ رَجعةً لَطلَّقَها فتَطولُ العدَّةُ عليها (١).

وقالَ المالِكيةُ: تَحصلُ الرَّجعةُ بالفِعلِ كالوطءِ واللَّمسِ والقُبلةِ بشَرطِ النِّيةِ -أي أنْ يَنويَ الزوجُ بهذهِ الأفعالِ الرَّجعةَ-، وأمَّا الفِعلُ وحْدَه بأنْ جامَعَها أو باشَرَها أو لمَسَها بشَهوةٍ أو نظَرَ إلى مَوضعِ الجِماعِ بشَهوةٍ ولم يَنوِ الرجعةَ فلا تَحصلُ بهِ الرجعةُ؛ لقَولِ النبيِّ : «إنَّما الأعمالُ بالنِّياتِ، وإنَّما لكلِّ امرِئٍ ما نوَى» (٢).

والدُّخولُ عليها مِنْ الفعلِ، فإذا نَوى بهِ الرجعةَ كفَى.

جاءَ في «المُدوَّنة»: قلتُ: أرَأيتَ إنْ طلَّقَ رَجلٌ امرَأتَه تَطليقةً يَملكُ بها الرجعةَ ثمَّ قبَّلَها في عدَّتِها لشَهوةٍ أو لمَسَها لشَهوةٍ أو جامَعَها في الفَرجِ أو فيما دُونَ الفَرجِ أو جرَّدَها فجعَلَ يَنظرُ إلَيها وإلى فَرجِها، هل يَكونُ ذلكَ رَجعةً في قولِ مالِكٍ أم لا؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: إذا وَطئَها في العدَّةِ

(١) «المبسوط» (٦/ ٢٢)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ١٨٣)، و «الهداية» (٢/ ٦)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٤٧٦، ٤٧٨)، و «العناية» (٥/ ٣٩٦، ٣٩٨)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ١٩٨)، و «الاختيار» (٣/ ١٨١، ١٨٢)، و «اللباب» (٢/ ٩٨)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٤٠٥).
(٢) رواه البخاري (١).

وهو يُريدُ بذلكَ الرجعةَ وجَهِلَ أنْ يُشهدَ فهي رَجعةٌ، وإلا فلَيستْ برَجعةٍ، وقالَه عَبدُ العَزيزِ بنُ أبي سلَمةَ (١).

وقالَ الخِرشيُّ رحمة الله عليه: الرجعةُ لا تَحصلُ بفِعلٍ مُجرَّدٍ عن نيَّةِ الرجعةِ ولو بأقوَى الأفعالِ كوَطءٍ، وأحرَى قُبلةٌ ولَمسٌ، والدُّخولُ عليها مِنْ الفعلِ، فإذا نَوى بهِ الرجعةَ كفَى (٢).

وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: تَحصلُ الرجعةُ بالوطءِ، نَوى الرجعةَ أو لم يَنوِ؛ لأنَّ سبَبَ زَوالِ المِلكِ انعقَدَ معَ الخِيارُ، والوَطءُ مِنْ المالكِ يَمنعُ زَوالَه كوَطءِ البائعِ في مدَّةِ الخِيارِ.

وعنهُ: لا تَحصلُ الرجعةُ بذلكَ إلا معَ نيَّةِ الرجعةِ، نقَلَها ابنُ مَنصورٍ.

قالَ ابنُ أبي مُوسَى: إذا نوَى بوَطئِه الرجعةَ كانَتْ رَجعةً، واختارَه الشيخُ تقيُّ الدِّينِ رحمة الله عليه.

ولا تَحصلُ الرجعةُ بمُباشَرةِ الرجعيةِ دُونَ فَرجٍ باستِمتاعٍ، سواءٌ مِنْ قُبلةٍ أو لَمسٍ أو مُباشَرةٍ أو نَظرٍ إلى مُحرَّمٍ منها أو إلى فَرجِها في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّ ذلك كلَّه ليسَ في معنَى الوطءٍ؛ إذِ الوَطءُ يَدلُّ على ارتِجاعِها دَلالةً ظاهِرةً، بخِلافِ ما ذُكرَ.

(١) «المدونة الكبرى» (٥/ ٣٢٤)، و «التاج والإكليل» (٣/ ١١٦).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٤/ ٨١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٢٩، ٣٣٠)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٢٢٦).

وفي قَولٍ: تَحصلُ الرجعةُ بهَا؛ لأنه معنًى يَحرُمُ مِنْ الأجنَبيةِ ويَحِلُّ مِنْ الزوجةِ، فحصَلَتْ بهِ الرجعةُ كالاستِمتاعِ.

والصحيحُ الأولُ؛ لأنه لا يُبطِلُ خِيارَ المُشتري للأمَةِ، وكاللَّمسِ لغَيرِ شَهوةٍ.

وخرَّجَه ابنُ حامِدٍ على وجهَينِ مَبنيَّينِ على الرِّوايتَينِ في تَحريمِ المُصاهرَةِ بهِ:

أحَدُهما: هوَ رَجعةٌ؛ لأنَّه استِمتاعٌ يُباحُ بالزوجةِ، فحصَلَتِ الرجعةُ بهِ كالوَطءِ.

والثَّاني: ليسَ برَجعةٍ؛ لأنه أمرٌ لا يَتعلَّقُ بهِ إيجابُ عدَّةٍ ولا مَهرٍ، فلا تَحصلُ بهِ كالنَّظرِ.

فأمَّا الخَلوةُ بها فليسَتْ رَجعةً على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لأنَّ تَحريمَ المُصاهَرةِ لا يَثبتُ بها.

وفي قَولٍ: يَحصلُ بها؛ لأنه محرمٌ مِنْ غَيرِ الزوجةِ، فأشبَهَ الاستِمتاعَ (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الرجعةَ لا تَصحُّ بالفِعلِ مُطلقًا، سَواءٌ كانَ الفِعلُ مَصحوبًا بنيَّةِ الرجعةِ أم لا، وسَواءٌ كانَ وَطئًا أو ما

(١) «المغني» (٧/ ٤٠٤)، و «الكافي» (٣/ ٢٢٩)، و «المبدع» (٧/ ٣٩٣)، و «الإنصاف» (٩/ ١٥٤، ١٥٦)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣٩٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٥٠٨، ٥٠٩)، و «الروض المربع» (٢/ ٤١٢).

دُونَه، ولا تَصحُّ الرجعةُ إلا بالقَولِ، ولا تَصحُّ بالفِعلِ بحَرامٍ، ويَحرمُ وَطؤُها قبلَ أنْ يُراجِعَها؛ لأنَّ الرجعةَ استِباحةُ بُضعٍ مَقصودٍ يَصحُّ بالقَولِ، فلم يَصحَّ بالفِعلِ معَ القُدرةِ على القولِ كالنكاحِ؛ لأنَّ ابتداءَ النكاحِ لا يَحصلُ بالفِعلِ، فكذا الرَّجعةُ، ولأنَّ الوَطءَ يُوجِبُ العدَّةَ، فكيفَ يقَطعُها؟!

قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: إنَّما هو بالكَلامِ دُونَ الفعلِ مِنْ جِماعٍ وغَيرِه؛ لأنَّ ذلكَ رَدٌّ بلا كَلامٍ، فلا تَثبتُ رَجعةٌ لرَجلٍ على امرأتِه حتى يَتكلَّمَ بالرجعةِ كما لا يَكونُ نِكاحٌ ولا طَلاقٌ حتَّى يَتكلمَ بهما، فإذا تَكلمَ بهَا في العدَّةِ ثبَتَتْ له الرجعةُ، والكَلامُ بها أنْ يَقولَ: «قَدْ راجَعتُها، أو قد ارتجَعْتُها، أو قَدْ ردَدْتُها إليَّ، أو قَدْ ارتَجعْتُها إليَّ»، فإذا تكلَّمَ بهذا فهيَ زَوجةٌ (١).

وقالُوا: يَحرمُ الاستِمتاعُ بالرجعيةِ بوَطءٍ وغيرِه حتَّى بالنَّظرِ ولو بلا شَهوةٍ؛ لأنها مُفارَقةٌ كالبائنِ، ولأنَّ النكاحَ يُبيحُ الاستِمتاعَ، فيُحرِّمُه الطلاقُ؛ لأنه ضِدُّه.

فإنْ وَطئَ الرَّجعيةَ فلا حَدَّ عليهِ ولا عليها وإنْ كانَ عالِمًا بالتَّحريمِ؛ لاختِلافِ العُلماءِ في إباحتِهِ، ولا يُعزَّرُ إلا مُعتقِدُ تَحريمِه إذا كانَ عالِمًا بالتحريمِ؛ لإقدامِه على مَعصيةٍ عِندَه، بخِلافِ مُعتقِدِ حِلِّه والجاهلِ بتَحريمِه؛ لِعذُرِه، ومِثلُه في ذلكَ المرأةُ، وكالوَطءِ في التعزيرِ سائرُ التمتُّعاتِ.

(١) «الأم» (٥/ ٢٤٤)، و «البيان» (١٠/ ٢٤٧)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٥٢٨)، و «كنز الراغبين» (٤/ ٨)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١١)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٧)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٥٩٩)، و «الديباج» (٣/ ٤٨١)، و «الكافي» (٣/ ٢٢٩).

ويَجبُ عليهِ بوَطءِ الرجعيةِ مَهرُ مِثلٍ جَزمًا إنْ لَم يُراجِعْ؛ لأنها في تَحريمِ الوَطءِ كالمُتخلِّفةِ في الكُفرِ، فكذا في المَهرِ، ولا يَجبُ إلا مَهرٌ واحِدٌ وإنْ تَكرَّرَ الوَطءُ؛ لاتِّحادِ الشُّبهةِ.

وكذا يَجبُ المَهرُ إنْ راجَعَ بعدَ الوَطءِ على المَذهبِ المَنصوصِ؛ لأنَّ الرجعةَ لا تَرفعُ أثَرَ الطلاقِ، وليسَتِ الرَّجعيةُ زَوجةً مِنْ كلِّ وَجهٍ؛ لتَزلزُلِ العَقدِ بالطلاقِ، فمُوجِبُ مَهرِ المِثلِ بَعدُه الشُّبهةُ لا عقدُ النكاحِ، فالمَهرُ قد وجَبَ بوَطءِ الشُّبهةِ دُونَ العَقدِ، وهذا يَرفعُ استِشكالَ مَنْ قالَ: «إيجابُ المَهرِ بالوَطءِ يُؤدِّي إلى إيجابِ مهرَينِ في عَقدٍ واحدٍ»، وأُجيبَ بأنَّ المَهرَ الثاني بوَطءِ الشُّبهةِ لا بالعَقدِ.

وفي قَولٍ مُخرَّجٍ: لا يَجبُ المَهرُ إذا راجَعَ بعدَ الوَطءِ (١).

وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: ولا أعلَمُ أحَدًا أوجَبَ عليهِ مَهرَ المِثلِ غيرَ الشافِعيِّ، وليسَ قولُه بالقَويِّ؛ لأنها في حُكمِ الزوجاتِ وتَرثُه ويَرثُها، فكيفَ يَجبُ مَهرُ المِثلِ في وَطءٍ امرَأةٍ حُكمُها في أكثَرِ أحكامِها حُكمُ الزوجةِ؟

إلا أنَّ الشُّبهةَ في قَولِ الشافِعيِّ قَويةٌ؛ لأنها عليهِ مُحرَّمةٌ إلا برَجعةٍ لها، وقَد أجمَعُوا على أنَّ المَوطوءَةَ بشُبهةٍ يَجبُ لها المَهرُ، وحسْبُكَ بهذا (٢).

(١) «روضة الطالبين» (٥/ ٥٣٣)، و «كنز الراغبين» (٤/ ١٥، ١٥)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١٧، ١٨)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٢)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٦٠٧، ٦٠٨)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٧٢، ٣)، و «الديباج» (٣/ ٤٨٥، ٤٨٦).
(٢) «الاستذكار» (٦/ ١٦٢)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ١٢١، ١٢٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا اختِلافُهم فيما تَكونُ بهِ الرَّجعةُ فإنَّ قومًا قالُوا: لا تَكونُ الرجعةُ إلا بالقَولِ فقَطْ، وبهِ قالَ الشافعيُّ.

وقومٌ قالُوا: تَكونُ رَجعَتُها بالوَطءِ، وهؤلاءِ انقَسمُوا قِسمَينِ، فقالَ قومٌ: لا تَصحُّ الرجعةُ بالوَطءِ إلا إذا نوَى بذلكَ الرجعةَ؛ لأنَّ الفِعلَ عِندَه يَتنزَّلُ مَنزلةَ القَولِ معَ النِّيةِ، وهوَ قولُ مالكٍ.

وأما أبو حَنيفةَ فأجازَ الرجعةَ بالوَطءِ إذا نَوى بذلكَ الرجعةَ ودُونَ النِّيةِ.

فأمَّا الشافعيُّ فقاسَ الرجعةَ على النكاحِ وقالَ: قَدْ أمَرَ اللهُ بالإشهادِ، ولا يَكونُ الإشهادُ إلا على القولِ.

وأمَّا سَببُ الاختلافِ بينَ مالكٍ وأبي حَنيفةَ: فإنَّ أبا حَنيفةَ يَرى أنَّ الرجعيةَ مُحلَّلةُ الوَطءِ عندَه؛ قِياسًا على المُولَى مِنها وعلى المُظاهَرةِ، ولأنَّ المِلكَ لم يَنفصلْ عندَه، ولذلكَ كانَ التَّوارثُ بينَهُما، وعندَ مالِكٍ أنَّ وطْءَ الرجعيةِ حَرامٌ حتَّى يَرتجِعَها، فلا بُدَّ عِندَه مِنْ النَّيةِ، فهذا هو اختِلافُهم في شُروطِ صحَّةِ الرجعةِ (١).

(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٦٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
الرجعة

مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ شَرْعِيَّةِ الرَّجْعَةِ، وَفِي بَيَانِ مَاهِيَّتِهَا، وَفِي بَيَانِ رُكْنِهَا، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ جَوَازِ الرُّكْنِ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَالرَّجْعَةُ مَشْرُوعَةٌ عُرِفَتْ شَرْعِيَّتُهَا بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالْمَعْقُولِ؛ أَمَّا الْكِتَابُ الْعَزِيزُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ البقرة: ٢٢٨ أَيْ: رَجْعَتِهِنَّ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ البقرة: ٢٣١ وقَوْله تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ البقرة: ٢٢٩ ، وَالْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ هُوَ الرَّجْعَةُ.

وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَيْنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ رضي الله عنه مُرْ ابْنَك يُرَاجِعْهَا» الْحَدِيثَ، وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا طَلَّقَ حَفْصَةَ رضي الله عنها جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﷺ فَقَالَ لَهُ: رَاجِعْ حَفْصَةَ فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ فَرَاجَعَهَا» ، وَكَذَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ طَلَّقَ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ رضي الله عنها ثُمَّ رَاجَعَهَا، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 168 - 175

ارجع إلى أركان الرجعة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل