متى يجوز للمطلق أن يراجع زوجته؟

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الرجعة وشروطها > متى يجوز للمطلق أن يراجع زوجته؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 44 دقيقة قراءة

متى يجوز للمطلق أن يراجع زوجته؟ - الأقوال والأدلة

متَى يَجوزُ للمُطلِّقِ أنْ يُراجِعَ زوْجَتَه؟

اتَّفقَ فُقهاءُ المُسلمينَ على أنَّ المرأةَ التي تَحيضُ عدَّتُها ثَلاثةُ قُروءٍ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].

ولا خِلافَ بينَ فُقهاءِ السَّلفِ والخلَفِ على وُقوعِ اسمِ الأقْراءِ على الطُّهرِ والحَيضِ؛ لأنَّ اللفظَ لو لم يَكنْ مُحتمِلًا لهُما لَمَا تأوَّلَه السَّلفُ عليهما؛ لأنهم أهلُ اللُّغةِ والمَعرفةِ بمَعاني الأسماءِ وما يَتصرَّفُ عليهِ المعاني مِنْ العِباراتِ، فلمَّا تأوَّلَها فَريقٌ على الحَيضِ وآخرُونَ على الأطهارِ عَلِمْنا وُقوعَ الاسمِ عليهما، ومِن جِهةٍ أُخرَى أنَّ هذا الاختِلافَ قد كانَ شائِعًا بينَهم مُستفيضًا، ولم يُنكِرْ واحدٌ مِنهم على مُخالَفيهِ في مَقالتِه، بل سوغَ له القَول فيه، فدَلَّ ذلكَ على احتمالِ اللَّفظِ المَعنيَينِ وتَسويغِ الاجتهادِ فيهِ (١).

إلا أنَّ فُقهاءَ المذاهِبِ الأربَعةِ اختَلفُوا في الأقراءِ التي تَجبُ على المَرأةِ إذا طلقَتْ ما هي؟ هل هي الحَيضُ أم الطُّهرِ؟ وعليه اختَلفُوا في الوقتِ الذي تَبِينُ فيهِ المُطلَّقةُ مِنْ زَوجِها حتى لا يَكونُ له عليها رَجعةٌ.

(١) «أحكام القرآن» للجصاص (٢/ ٥٥، ٥٦) وقالَ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: لَم يَختَلفْ أهلُ اللُّغةِ أنَّ العرَبَ تُسمِّي الحَيضَ قُرءًا وتُسمِّي الطُهرَ قُرءًا وتُسمِّي الوَقتَ الَّذي يَجمعُ الحَيضَ والطُّهرَ قُرءًا، فلمَّا احتَملَتِ اللَّفظةُ هذهِ الوُجوهَ في اللُّغةِ وجَبَ أنْ يُطلَبَ الدَّليلُ عَلى مُرادِ اللهِ بقَولهِ: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. «شرحُ صَحيحِ البُخاريِّ» لابنِ بطَّالٍ (٧/ ٤٨٧).

وفائِدةُ الخِلافِ في هذا أنَّ مَنْ يَقولُ أنَّ القُرءَ هو الطُّهرُ أنها إذا دخَلَتْ في الحَيضةِ الثالثةِ فقَدِ انتَهَتْ عدَّتُها وحلَّتْ للأزواجِ، وهذا مَذهبُ المالِكيةِ والشافِعيةِ.

ومَن يَقولُ أنَّ القُرءَ هو الحَيضُ -وهُم الحَنفيةُ والحَنابلةُ- فإنَّ لزَوجِها أنْ يُراجِعَها ما لم تَغتسِلْ مِنْ حَيضتِها الثالثةِ، فإنِ اغتَسلَتِ انقطَعَتِ الرجعةُ؛ لأنه ثبَتَ لها حُكمٌ مِنْ أحكامِ الطَّاهِراتِ، وهو إباحةُ أداءِ الصَّلاةِ.

وبَيانُ ذلكَ مُفصَّلًا فيما يَلي:

ذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَقصودَ بالقُرءِ الحَيضُ، فإذا طلَّقَ الرَّجلُ امرَأتَه وقد دخَلَ بها فعِدَّتُها ثلاثُ حِيَضٍ غير الحَيضةِ التي طلَّقَها فيها إنْ طلَّقَها حائضًا، فإذا اغتسَلَتْ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ فقَدِ انتهَتْ عدَّتُها وأُبيحَتْ للأزواجِ.

وهذا مَرويٌّ عن أبي بَكرٍ الصِّديقِ وعُمرَ بنِ الخطَّابِ وعليِّ بنِ أبي طالِبٍ وعبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ وأبي مُوسى الأشعَريِّ ومُعاذِ بنِ جبَلٍ وأبي الدَّرداءِ وعُبادةَ بنِ الصامتِ وابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهم وجَماعةٍ مِنْ التابعِينَ بالحِجازِ والشَّامِ والعِراقِ، وقُولُهم كلُّهُم أنَّ المُطلَّقةَ لا تَحلُّ للأزواجِ حتى تَغتسلَ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ.

والدَّليلُ على أنَّ القُرءَ هو الحَيضُ ما رُويَ عن النبيِّ أنه قالَ: «عِدَّةُ الأمَةِ حَيضَتانِ» (١)، والأمَةُ لا تُخالِفُ الحرَّةَ في جِنسِ ما تَقعُ بهِ

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٢١٨٩)، والترمذي (١١٨٢)، وابن ماجه (٢٠٧٩).

العدَّةُ، وإنما تُخالفُها في العَددِ، ولأنَّ اللهَ تعالَى نَصَّ على الثلاثةِ وعلى الجَمعِ بقَولِه: ﴿ثَلَاثَةَ﴾ وبقَولِه: ﴿قُرُوءٍ﴾، والثلاثةُ اسمٌ لعَددٍ مَعلومٍ لا يَجوزُ إطلاقُه على ما هو أكثَرُ منهُ ولا أقلُّ، وحَملُه على الأطهارِ يُؤدِّي إلى أنه أُطلِقَ على أقلَّ وهو طُهرانِ وبَعضُ الثالثِ، وهو خُلفٌ، وكذا الجَمعُ الكاملُ هو الثلاثةُ، وهو حَقيقةٌ فيهِ، فكانَ أَولى.

وعَن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ رضي الله عنه أنَّ فاطِمةَ بنتَ أبي حُبَيشٍ حَدَّثتْه أنها أتَتْ رَسولَ اللَّهِ فشَكَتْ إليه الدَّمَ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ : «إنَّما ذلكَ عِرقٌ، فانظُري إذا أتَى قُرؤُكِ فلا تُصلِّي، فإذا مَرَّ القُرءُ فتَطهَّري ثم صَلِّي ما بينَ القُرءِ إلى القُرءِ» (١).

وقالَ : «المُستحاضَةُ تَدَعُ الصلاةَ أيامَ أقرائِها ثمَّ تَغتسلُ وتَتوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ وتَصومُ وتُصلِّي» (٢)، فجعَلَ النبيُّ الحيضَ قُرءًا.

وقد رَوى عَلقمةُ عن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه أنه قالَ: «كُنْتُ عندَ عُمرَ رضي الله عنه فَجاءَ رَجلٌ وامرَأةٌ فقالَ الرَّجلُ: زَوجتِي طلَّقْتُها وراجَعْتُها، فقالَتْ: ما يَمنَعُني ما صنَعَ أنْ أقُولَ ما كانَ أنه طلَّقَنِي وترَكَني حتى حِضْتُ الحَيضةَ الثالثةَ وانقطَعَ الدَّمُ وغلقْتُ بابي ووَضعْتُ غُسلِي وخلَعْتُ ثيابي

(١) حَدِيثٌ صَحِيحُ: رواه أبو داود (٢٨٠)، والنسائي (٢١١)، وابن ماجه (٦٢٠)، وأحمد (٢٧٦٧١).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحُ: رواه أبو داود (٢٩٧)، والترمذي (١٢٦)، وابن ماجه (٦٢٥).

فطرَقَ البابَ فقالَ: قد راجَعتُكِ، فقالَ عُمرُ رضي الله عنه: قلْ فيها يا ابنَ أمِّ عَبدٍ، فقُلتُ: أرَى أنَّ الرجعةَ قد صحَّتْ ما لم تَحِلَّ لها الصلاةُ، فقالَ عُمرُ: لو قُلتَ غيرَ هذا لم أرَهُ صَوابًا».

ورُويَ عن مَكحولٍ أنَّ أبا بكرٍ وعُمرَ وعليًّا وابنَ مَسعودٍ وأبا الدرداءِ وعُبادةَ بنَ الصامتِ وعبدَ اللهِ بنَ قَيسٍ الأشعَريَّ رضي الله عنهم «كانُوا يَقولونَ في الرَّجلِ يُطلِّقُ امرأتَه تَطليقةً أو تَطليقتَينِ أنه أحَقُّ بها ما لمَ تَغتسلْ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ، تَرِثُه ويَرثُها ما دامَتْ في العدَّةِ».

ولأنَّ إطلاقَ اسمِ القُروءِ يَنطلقُ على الحَيضِ؛ لأنها إنما تُسمَّى مِنْ ذَواتِ الأقراءِ إذا حاضَتْ.

ولهذا إذا طلُقَتْ في أثناءِ حَيضةٍ لم تعتَدَّ بذلكَ قُرءًا؛ لأنَّ عليها أنْ تَعتدَّ بثَلاثةِ قُروءٍ.

ولأنَّ الله تعالَى قالَ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، فجعَلَ كلَّ شَهرٍ بإزاءِ حَيضةٍ وعلَّقَ الحُكمَ بعَدمِ الحيضِ، لا بعَدمِ الطُّهرِ مِنْ الحَيضِ.

ولقَولِ النبيِّ في سَبيِ أوطاسَ: «لا تُوطَأُ حامِلٌ حتَّى تَضعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَمْلٍ حتى تَحِيضَ حَيضةً» (١).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحُ: رواه أبو داود (٢١٥٧)، والدارمي (٢٢٩٥)، وأحمد (٣/ ٦٢)، والبيهقي (٥/ ٣٢٩)، وغيرهم.

وأيضًا فالمَقصودُ الأصليُّ مِنْ العدَّةِ إنَّما هو استبراءُ الرَّحمِ وإنْ كانَ لها فَوائدُ أُخَرُ، ولشَرفِ الحرَّةِ المَنكوحةِ وخَطرِها جعَلَ العِلمَ الدالَّ على بَراءةِ رَحمِها ثلاثةَ أقراءٍ، فلو كانَ القُرءُ هو الطُّهرَ لم تَحصلْ بالقُرءِ الأوَّلِ دَلالةٌ؛ فإنه لو جامَعَها في الطُّهرِ ثمَّ طلَّقَها ثمَّ حاضَتْ كانَ ذلك قُرءًا مَحسوبًا مِنْ الأقراءِ عندَ مَنْ يَقولُ: «الأقراءُ الأطهارُ»، ومَعلومٌ أنَّ هذا لم يَدلَّ على شيءٍ، وإنَّما الذي يَدلُّ على البَراءةِ الحَيضُ الحاصلُ بعدَ الطلاقِ، ولو طلَّقَها في طُهرٍ لم يُصبْها فيهِ فإنَّما يُعلَمُ هُنا بَراءةُ الرَّحمِ بالحَيضِ المَوجودِ قبلَ الطلاقِ، والعدَّةُ لا تكونُ قبلَ الطلاقِ؛ لأنها حُكمُه والحُكمُ لا يَسبقُ سبَبَه، فإذا كانَ الطُّهرُ المَوجودُ بعدَ الطلاقِ لا دَلالةَ له على البَراءةِ أصلًا لم يَجُزْ إدخالُه في العِدَدِ الدَّالةِ على بَراءةِ الرَّحمِ، وكانَ مَثلَه كمَثلِ شاهدٍ غيرِ مَقبولٍ، ولا يَجوزُ تَعليقُ الحُكمِ بشَهادةِ شاهِدٍ لا شَهادةَ له، يوضِّحُه أنَّ العدَّةَ في المَنكوحاتِ كالاستِبراءِ في المَملوكاتِ.

وقد ثبَتَ بصَريحِ السُّنةِ أنَّ الاستِبراءَ بالحَيضِ لا بالطُّهرِ، فكذلكَ العدَّةُ؛ إذْ لا فرْقَ بينَهُما إلا بتَعدُّدِ العدَّةِ والاكتِفاءِ بالاستِبراءِ بقُرءٍ واحدٍ …

والمَقصودُ أنَّ الجُمهورَ على أنَّ عدَّةَ الاستِبراءِ حَيضةٌ لا طُهرٌ، وهذا الاستِبراءُ في حقِّ الأمَةِ كالعدَّةِ في حقِّ الحرَّةِ، قالُوا: بلِ الاعتِدادُ في حقِّ الحرَّةِ بالحَيضِ أَولى مِنْ الأمَةِ مِنْ وجهَينِ:

أحَدُهما: أنَّ الاحتِياطَ في حقِّها ثابِتٌ بتَكريرِ القُرءِ ثَلاثَ استِبراءاتٍ،

فهكذا يَنبغِي أنْ يكونَ الاعتِدادُ في حقِّها بالحَيضِ الذي هو أحوَطُ مِنْ الطُّهرِ؛ فإنها لا تَحتسِبُ ببَقيَّةِ الحَيضةِ قُرءًا وتَحتسبُ ببَقيةِ الطُّهرِ قُرءًا.

الثَّاني: أنَّ استِبراءَ الأمَةِ فرعٌ على عِدَّةِ الحرَّةِ، وهي الثَّابتةُ بنَصِّ القُرآنِ، والاستِبراءُ إنَّما ثبَتَ بالسُّنةِ، فإذا كانَ قَدْ احتاطُ له الشارعُ بأنْ جعَلَه بالحَيضِ فاستِبراءُ الحرَّةِ أَولى، فعدَّةُ الحرَّةِ استِبراءٌ لها واستِبراءُ الأمَةِ عدَّةٌ لها.

وأيضًا فالأدلَّةُ والعَلاماتُ والحُدودُ والغاياتُ إنَّما تَحصلُ بالأمورِ الظَّاهرةِ المُتميِّزةِ عن غيرِها، والطُّهرُ هو الأمرُ الأصليُّ، ولهذا متَى كانَ مُستمِرًّا مُستصحَبًا لم يَكنْ له حُكمٌ يُفرَدُ به في الشريعةِ، وإنَّما الأمرُ المُتميِّزُ هو الحَيضُ؛ فإنَّ المرأةَ إذا حاضَتْ تَغيَّرتْ أحكامُها مِنْ بُلوغِها وتَحريمِ العباداتِ عليها مِنْ الصلاةِ والصومِ والطوافِ واللُّبثِ في المَسجدِ وغيرِ ذلكَ مِنْ الأحكامِ، ثمَّ إذا انقطَعَ الدَّمُ واغتَسلتْ فلمْ تتغيَّرْ أحكامُها بتَجدُّدِ الطُّهرِ، لكنْ لزَوالِ المُغيِّرِ الذي هو الحَيضُ، فإنها تَعودُ بعدَ الطُّهرِ إلى ما كانتْ عليهِ قبلَ الحَيضِ مِنْ غيرِ أنْ يُجدِّدَ لها الطُّهرُ حُكمًا، والقُرءُ أمرٌ يغيِّرُ أحكامَ المَرأةِ، وهذا التغييرُ إنَّما يَحصلُ بالحَيضِ دُونَ الطُّهرِ، فهذا الوَجهُ دالٌّ على فَسادِ قَولِ مَنْ يَحتسِبُ بالطُّهرِ الذي قبلَ الحَيضةِ قُرءًا فيما إذا طلقَتْ قبلَ أنْ تَحيضَ ثمَّ حاضَتْ، فإنَّ مَنْ اعتَدَّ بهذا الطُّهرِ قُرءًا جعَلَ شَيئًا ليسَ له حُكمٌ في الشريعةِ قُرءًا مِنْ الأقراءِ، وهذا فاسِدٌ (١).

(١) «زاد المعاد» (٥/ ٦١١، ٦١٥)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣٩٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٥٠٩)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٤٨٠).

إلا أنَّ الحَنفيةَ قالوا: إذا كانَتْ أيَّامُها في الحَيضِ عشرةً -وهيَ أكثَرُ مدَّةِ الحَيضِ عندَهم- لا تَصحُّ الرجعةُ، وتَحلُّ للأزواجِ بمُجرَّدِ انقِطاعِ الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ وإنْ لم تَغتسلْ؛ لأنَّ الحَيضَ لا مَزيدَ له عن العَشرةِ، فبمُجرَّدِ الانقِطاعِ خرَجَتْ عن الحَيضِ فانقَضَتِ العدَّةِ وانقطَعَتِ الرجعةُ.

وإنِ انقطَعَ لأقلَّ مِنْ عشرةٍ أيامٍ لم تَنقطعِ الرجعةُ حتى تَغتسلَ؛ لأنَّ فيما دُونَ العشرةِ يُحتملُ عَودُ الدَّمِ، فيَكونُ حَيضًا؛ لبَقاءِ المدَّةِ، فلا بُدَّ مِنْ الغُسلِ، أو بلُزومِ حُكمٍ مِنْ أحكامِ الطاهِراتِ، بأنْ يَمضيَ عليها وَقتُ صلاةٍ فتَصيرُ دَينًا في ذمَّتِها، وهيَ لا تَجبُ إلا على الطاهِراتِ، وهذا إذا انقطَعَ أوَّلَ الوَقتِ، فإنِ انقطَعَ آخِرَ الوقتِ يُعتبَرُ أدنى وَقتٍ تَقدِرُ فيهِ على الاغتسالِ والتَّحريمةِ، أو تَتيَممُ وتُصلِّي فيه ولو نَفلًا إذا كانَتْ مُسافِرةً أو لعُذرٍ عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، وقالَ مُحمدٌ: إذا تَيمَّمتْ للعُذرِ انقطَعَتِ الرجعةُ وإنْ لم تُصلِّ (١).

وحُكيَ عن الإمامِ أحمَدَ رحمة الله عليه أنها في عدَّتِها ولزَوجِها رَجعتُها حتى يَمضيَ وَقتُ الصلاةِ التي طَهرَتْ في وَقتِها.

وعنهُ رِوايةٌ أنها تَنقضِي عدَّتُها بمُجرَّدِ طُهرِها مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ ولا تَقفُ على الغُسلِ.

(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٨٣، ١٨٤)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٤٨٢، ٤٨٣)، و «الاختيار» (٣/ ١٨٣)، و «شرح فتح القدير» (٤/ ٣٠٨)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٢٦، ٢٧)، و «اللباب» (٢/ ١٠١).

وظاهِرُ المَذهبِ عندَ الحَنابلةِ أنَّ لهُ رَجعتَها ما لم تَغتسلْ ولو فرَّطَتْ في الغُسلِ سِنينَ، حتى قالَ شريكٌ القاضي: عِشرينَ سَنةً، قالَ الزَّركشيُّ رحمة الله عليه: وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقيِّ وجَماعةٍ. انتَهى؛ لأنَّ وَطءَ الزوجةِ في الاغتِسالِ مِنْ الحَيضِ حَرامٌ؛ لوُجودِ أثَرِ الحَيضِ الذي يَمنعُ الزوجَ الوَطءَ كما يَمنعُه الحَيضُ، فوجَبَ أنْ يَمنعَ ذلكَ ما يَمنعُه الحَيضُ ويُوجِبَ ما أوجَبَه الحَيضُ كما قبلَ انقِطاعِ الدَّمِ، ولم تُبَحْ للأزواجِ قبلَ أنْ تَغتسلَ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ.

وأمَّا بَقيةُ الأحكامِ مِنْ قَطعِ الإرثِ والطلاقِ واللِّعانِ والنَّفقةِ وغيرِها فتَحصلُ بانقطاعِ الدَّمِ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ المَقصودَ بالأقراءِ في قَولِه تَعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] هي الأطهارُ، وهيَ ما بينَ الحَيضتَينِ مِنْ الطُّهرِ يُسمَّى قُرءًا، وهذا مَرويٌّ عن داودَ بنِ عليٍّ وابنِ حَزمٍ، وهو قولُ عائِشةَ وزَيدِ بنِ ثابتٍ وعَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ، ورُويَ أيضًا عنِ ابنِ عبَّاسٍ، وبهِ قالَ القاسمُ وسالمٌ وأبانُ بنُ عُثمانَ وأبو بكرٍ ابنُ عبدِ الرحمنِ وسُليمانُ بنُ يَسارٍ وعُروةُ بنُ الزُّبيرِ وعُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ وابنُ شِهابٍ ورَبيعةُ ويَحيى بنُ سَعيدٍ، كلُّ هؤلاءِ يَقولونَ: «الأقراءُ الأطهارُ»، فالمُطلَّقةُ عندَهم

(١) «المغني» (٨/ ٨٣، ٨٤)، و «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٤٧٩)، و «زاد المعاد» (٥/ ٦١١، ٦١٥)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣٩٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٥٠٩)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٤٨٠)، و «الروض المربع» (٢/ ٤١٢)، و «منار السبيل» (٣/ ١٢٢).

تَحِلُّ للأزواجِ وتَخرجُ مِنْ عدَّتِها بدُخولِها في الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ على الصَّحيحِ، وقيلَ: لا تَنقضِي حتى يَمضيَ يَومٌ ولَيلةٌ.

وسَواءٌ بَقيَ مِنْ الطُّهرِ الذي طلقَتْ فيه المَرأةُ يَومُ واحدٌ أو أقلُّ أو أكثَرُ أو ساعةٌ واحدةٌ أو لَحظةٌ فإنها تَحتسبُ به المَرأةُ قُرءًا؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: في عدَّتِهنَّ، وإنَّما يكونُ مِنْ عدَّتِهنَّ إذا احتسبْ به، ولأنَّ الطلاقَ إنَّما جُعلَ في الطُّهرِ دونَ الحَيضِ كَيلا يُضرَّ بها فتَطولَ عدَّتُها، ولو لم يُحتسبْ بَقيةُ الطُّهرِ قُرءًا لم تَقتصِرْ عدَّتُها بالطلاقِ فيهِ.

ولأنَّ المُبتَغى مِنْ الطُّهرِ دُخولُ الدَّمِ عليهِ، وهو الذي يُنبِئُ عن سَلامةِ الرَّحمِ، وليسَتِ استِدامةُ الطُّهرِ بشَيءٍ.

ولأنَّ النبيَّ أَذِنَ في طَلاقِ الطاهرِ مِنْ غيرِ جِماعٍ، ولم يَقلْ أولَ الطُّهرِ ولا آخِرَه، كما في حَديثِ ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما عن النبيِّ في قَولِه: «إذا طَهُرَتْ إنْ شاءَ طلَّقَ وإنْ شاءَ أمسَكَ»، فلمْ يَخُصَّ أولَ الطُّهرِ مِنْ آخِرِه، ولو كانَ بينَهُما فرْقٌ لَبيَّنَه؛ لأنه المبيِّنُ عنِ اللهِ مُرادَه، وقد بلَّغَ وما كتَمَ .

والدليلُ عليهِ أنَّ هذا المَعروفُ مِنْ لِسانِ العرَبِ، قالُوا: وإنَّما هو جَمعُ الرَّحمِ الدَّمَ لا طهورُه، ومِنه: قَرأْتَ الماءَ في الحَوضِ أي: جمعْتَه، وقَرأَتَ القُرآنَ أي: ضمَمْتَ بعضَه إلى بعضٍ بلِسانِكَ.

والدليلُ على أنَّ الأقراءَ هي الأطهارُ أيضًا حَديثُ ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما، وذلكَ أنَّ النبيَّ لمَّا أمَرَه أنْ يطلِّقَ زَوجتَه في الطُّهرِ وجعَلَ العدَّةَ بقَولِه : «فتِلكَ العدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أنْ تُطلَّقَ لها النِّساءُ»، ونهاهُ أنْ يطلِّقَ في الحَيضِ وأخرَجَه مِنْ أنْ يَكونَ عدَّةً ثبَتَ أنَّ الأقراءَ الأطهارُ.

ولأنَّ الأحاديثَ عن الصَّحابةِ القائِلينَ بأنَّ الأقراءَ الأطهارُ أسانِيدُها صِحاحٌ، رَوى حَديثَ عائِشةَ ابنُ شِهابٍ عن عُروةَ وغيرِه عن عائِشةَ رضي الله عنها: «أنَّ الأَقراءَ الأَطهارُ».

وحَديث زَيدِ بنِ ثابتٍ رضي الله عنه أنه قالَ: «إذا دخلَتْ في الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ فقدْ بَرِئَتْ منه وبَرئَ منها ولا تَرثُه ولا يَرثُها».

وحَديثُ ابنِ عُمرَ رواه مالِكٌ عن نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قالَ: «إذا طلَّقَ امرَأتَه فدخَلَتْ في الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ فقدْ بَرئَتْ منهُ وبَرئَ منها ولا تَرثُه ولا يَرثُها»، وابنُ عُمرَ رَوى الحَديثَ عَنْ النَّبيِّ أنَّه قالَ: «فتِلكَ العدَّةُ الَّتي أمَرَ اللهُ أنْ يُطلَّقَ لها النِّساءُ»، وله عرَضَتِ القِصةُ إذْ طلَّقَ امرَأتَه حائِضًا، وهو أعلَمُ بهذا، ومعه زَيدُ بنُ ثابتٍ وعائِشةُ وجُمهورُ التابعِينَ بالمَدينةِ، ومعهُ دَليلٌ حَديثُ النبيِّ وهوَ الحُجَّةُ القاطِعةُ عندَ التَّنازعِ في مِثلِ هذا.

ولأنَّ الصحابةَ رضي الله عنهم قدِ اختَلفُوا في هذهِ المَسألةِ، فيَنبغِي أنْ يُقدَّمَ

قولُ عائِشةَ وابنِ عمُرَ؛ لأنَّ عائِشةَ أعرَفُ بحالِ الحَيضِ؛ لِمَا تَختصُّ بهِ مِنْ حالِ النِّساءِ وقُربِها مِنْ رَسولِ اللهِ ، وكذلكَ ابنُ عمَرَ؛ لأنه قد عرَفَ الطلاقَ في الحَيضِ وما أصابَه فيهِ، فهو أعلَمُ به مِنْ غَيرِه.

وقد أجمَعُوا على أنَّ الطلاقَ للعدَّةِ أنْ يُطلِّقَها طاهِرًا مِنْ غيرِ جِماعٍ لا حائِضًا، وأجمَعوا على أنَّ كلَّ مُعتدَّةٍ مِنْ طَلاقٍ أو وَفاةٍ تُحسَبُ عدَّتُها مِنْ ساعةِ طلاقِها أو وَفاةِ زَوجِها، وذلكَ دليلٌ على أنَّ الأقراءَ الأطهارُ لا الحيضُ؛ لأنَّ القائِلينَ بأنها الحيضُ يَقولونَ: «إنها لا تَعتدُّ إلا بالحَيضةِ المُقبلةِ بعدَ الطُّهرِ الذي طلقَتْ فيه»، فجَعَلوا عليها ثَلاثةَ قُروءٍ وشيئًا آخَرَ، وذلكَ خِلافُ الكِتابِ والسُّنةِ ويُلزِمُهم أنْ يَقولوا: «إنها قبلَ الحَيضةِ في غيرِ عدَّةٍ»، وحَسبُكَ بهذا خِلافًا لظاهرِ قَولِ اللهِ ﷿: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ولقولِ النبيِّ : «فتلكَ العدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أنْ يُطلَّقَ لها النِّساءُ».

وعليه: إذا طلَّقَها وهي طاهِرٌ انقَضَتْ عدَّتُها برُؤيةِ الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ على الصَّحيحِ، وفي قَولٍ عِنْدَ الشَّافعيةِ والحَنابلةِ: يُشترطُ يومٌ ولَيلةٌ بعدَ الطَّعنِ -أي الدُّخولِ في الحَيضةِ الثالثةِ- وبعدَ الطَّعنِ في الصُّورةِ التاليةِ؛ إذْ لا يَتحقَّقُ كَونُه دمَ حَيضٍ إلا بذلكَ.

وإنْ طلَّقَها وهي حائِضٌ -وإنْ لم يَبْقَ مِنْ زَمنِ الحَيضِ شيءٌ- فتَنقضي عدَّتُها بالطَّعنِ في حَيضةٍ رابعةٍ؛ إذْ ما بَقيَ مِنْ الحَيضِ لا يُحسَبُ قُرءًا قَطعًا (١).

(١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٤٨٧)، و «التمهيد» (١٥/ ٩٢، ١٠٠)، و «الاستذكار» (٦/ ١٤٩، ١٥١)، و «الإشراف» (٥/ ٣٨٢، ٣٨٣)، و «المعونة» (١/ ٦٢١)، و «عقد الجواهر الثمينة» (٢/ ٥٧٢)، و «التاج والإكليل» (٣/ ١٧١)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٣٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤١٢، ٤١٣)، و «شرح صحيح مسلم» (١٠/ ٦٢، ٦٣)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٧٠٠، ٧٠٢)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١٢٥، ١٢٦)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٨٤، ٨٥)، و «الديباج» (٣/ ٥٥١)، و «المغني» (٨/ ٤٨)، و «الكافي» (٣/ ٢٠٤).

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ قُلنَا: «القُروءُ الأطهارُ» فطلَّقَها وهي طاهِرُ انقضَتْ عدَّتُها برُؤيةِ الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ، وإنْ طلَّقَها حائِضًا انقضَتْ عدَّتُها برُؤيةِ الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الرابعةِ، وهذا قَولُ زَيدِ بنِ ثابتٍ وابنِ عُمرَ وعائِشةَ والقاسمِ بنِ مُحمدٍ وسالِمِ بنِ عبدِ اللهِ وأبانَ بنِ عُثمانَ ومالِكٍ وأبي ثَورٍ، وهو ظاهِرُ مَذهبِ الشافعيِّ، وحُكيَ عنه قَولٌ آخَرُ: لا تَنقضِي العدَّةُ حتَّى يَمضيَ زَمنُ الدَّمِ يومٌ وليلةٌ؛ لجَوازِ أنْ يكونَ الدَّمُ دمَ فَسادٍ، فلا نَحكمُ بانقِضاءِ العدَّةِ حتى يَزولَ الاحتِمالُ، وحكَى القاضي هذا احتِمالًا في مَذهبِنا أيضًا.

ولنَا: إنَّ اللهَ تعالَى جعَلَ العدَّةَ ثلاثةَ قُروءٍ، فالزِّيادةُ عليها مُخالَفةٌ للنَّصِ، فلا يُعوَّلُ عليه، ولأنه قَولُ مَنْ سمَّيْنا مِنْ الصَّحابةِ، رَواهُ الأثرَمُ عنهُم بإسنادِه، ولفظُ حَديثِ زَيدِ بنِ ثابتٍ: «إذا دخَلَتْ في الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ فقدْ بَرئَتْ منه وبَرئَ منها ولا تَرثُه ولا يَرثُها»، وقَولُهم: «إنَّ الدَّمَ يَكونُ دمَ فَسادِ» قُلنا: قد حُكِمَ بكَونِه حَيضًا في تَركِ الصلاةِ وتَحريمِها على الزوجِ وسائِرِ أحكامِ الحَيضِ، فكذلكَ في انقِضاءِ العدَّةِ، ثمَّ إنْ كانَ التوقُّفُ عَنْ الحُكمِ بانقِضاءِ العدَّةِ للاحتِمالِ؛ فإذا تَبيَّنَ أنه حَيضٌ عَلِمْنا

أنَّ العدَّةَ قد انقضَتْ حينَ رأَتِ الدَّمَ، كما لو قالَ لها: «إنْ حِضتِ فأنتِ طالقٌ» اختَلفَ القائلونُ بهذا القَولِ؛ فمِنهم مَنْ قالَ: اليومُ واللَّيلةُ مِنْ العدَّةِ؛ لأنه دَمٌ تَكملُ به العدَّةُ، فكانَ منها كالذي في أثناءِ الأطهارِ، ومِنهم منَ قالَ: ليسَ مِنها، إنَّما يَتبيَّنُ بهِ انقِضاؤُها، ولأننا لو جَعلْناهُ مِنها أوجَبْنا الزِّيادةَ على ثلاثةِ قُروءٍ، ولكنَّنا نَمنعُها مِنْ النكاحِ حتى يَمضيَ يومٌ ولَيلةٌ، ولو راجَعَها زَوجُها فيها لم تَصحَّ الرجعةُ، وهذا أصَحُّ الوَجهَينِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واختَلفُوا مِنْ هذهِ الآيةِ في الأقراءِ ما هي؟ فقالَ قَومٌ: هيَ الأطهارُ، أعني: الأزمِنةَ التي بينَ الزَّمنَينِ، وقالَ قَومٌ: هيَ الدَّمُ نفسُه.

وممَّن قالَ: «إنَّ الأقراءَ هي الأطهارُ» أمَّا مِنْ فُقهاءِ الأمصارِ فمالكٌ والشافعيُّ وجُمهورُ أهلِ المَدينةِ وأبو ثَورٍ وجَماعةٌ، وأمَّا مِنْ الصَّحابةِ فابنُ عُمرَ وزَيدُ بنُ ثابتٍ وعائشةُ.

وممَّن قالَ: «إنَّ الأقراءَ هي الحيضُ» أمَّا مِنْ فُقهاءِ الأمصارِ فأبو حَنيفةَ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ وابنُ أبي لَيلى وجَماعةٌ، وأمَّا مِنْ الصحابةِ فعَليٌّ وعُمرُ ابنُ الخطَّابِ وابنُ مَسعودٍ وأبو موسَى الأشعَريُّ.

وحكَى الأثرَمُ عن أحمدَ أنه قالَ: الأكابِرُ مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ

(١) «المغني» (٨/ ٤٨).

يَقولونُ: الأقراءُ هي الحيضُ، وحكَى أيضًا عن الشعبيِّ أنه قَولُ أحَدَ عشَرَ أو اثنَي عشَرَ مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ .

وأمَّا أحمَدُ بنُ حَنبلٍ فاختَلفَتِ الرِّوايةُ عنه، فرُويَ عنه أنه كانَ يقولُ: إنها الأطهارُ على قَولِ زَيدِ بنِ ثابِتٍ وابنِ عُمرَ وعائِشةَ، ثمَّ توقَّفْتُ الآنَ مِنْ أجْلِ قَولِ ابنِ مَسعودٍ وعَليٍّ هو أنها الحيضُ.

والفَرقُ بينَ المَذهبَينِ هو أنَّ مَنْ رَأى أنها الأطهارُ رَأى أنها إذا دخَلَتِ الرَّجعيةُ عندَه في الحَيضةِ الثالثةِ لم يَكنْ للزوجِ عليها رَجعةٌ وحلَّتْ للأزواجِ، ومَن رأى أنها الحيضُ لم تَحِلَّ عندَه حتى تَنقضيَ الحيضةُ الثالثةُ.

وسَببُ الخِلافِ: اشتِراكُ اسمِ القُرءِ؛ فإنه يُقالُ في كلامِ العرَبِ على حدٍّ سَواءٍ على الدَّمِ وعلى الأطهارِ، وقد رامَ كِلا الفَريقَينِ أنْ يدلَّ أنَّ اسمَ القُرءِ في الآيةِ ظاهِرٌ في المعنَى الذي يَراهُ، فالذينَ قالوا: «إنها الأطهارُ» قالُوا: إنَّ هذا الجَمعَ خاصٌّ بالقُرءِ الذي هوَ الطُّهرُ؛ وذلكَ أنَّ القُرءَ الذي هو الحَيضُ يُجمَعُ على أقراءٍ لا على قُروءٍ، وحكَوا ذلكَ عن ابنِ الأنباريِّ، وأيضًا فإنهم قالوا: إنَّ الحَيضةَ مُؤنَّثةٌ والطُهرَ مُذكَّرٌ، فلو كانَ القُرءُ الذي يُرادُ بهِ الحيضُ لَمَا ثبَتَ في جَمعِه الهاءُ؛ لأنَّ الهاءَ لا تَثبتُ في جَمعِ المُؤنَّثِ فيما دُونَ العَشرةِ، وقالوا أيضًا: إنَّ الاشتِقاقَ يَدلُّ على ذلكَ؛ لأنَّ القُرءَ مُشتَقٌّ مِنْ قرَّأْتُ الماءَ في الحَوضِ أي: جمَّعْتَه، فزَمانُ اجتِماعِ الدَّمِ هو زَمانُ الطُّهرِ، فهذا هو أقوَى ما تَمسَّكَ به الفريقُ الأولُ مِنْ ظاهِرِ الآيةِ.

وأمَّا ما تَمسَّكَ بهِ الفَريقُ الثاني مِنْ ظاهِرِ الآيَةِ فإنهم قالوا: إنَّ قولَه تَعالَى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ظاهِرٌ في تَمامِ كلِّ قُرءٍ مِنها؛ لأنه ليسَ يَنطلِقُ اسمُ القُرءِ على بعضِه إلا تَجوُّزًا، وإذا وُصفَتِ الأقراءُ بأنها هي الأطهارُ أمكَنَ أنْ تكونَ العدَّةُ عِندَهم بقُرأَينِ وبَعضِ قُرءٍ؛ لأنها عندَهم تعتَدُّ بالطُّهرِ الذي تُطلَّقُ فيه وإنْ مضَى أكثَرُه، وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ فلا يَنطلقُ عليها اسمُ الثلاثةِ إلا تَجوُّزًا، واسمُ الثلاثةِ ظاهِرٌ في كَمالِ كلِّ قُرءٍ منها، وذلكَ لا يتَّفقُ إلا بأنْ تكونَ الأقراءُ هي الحيضَ؛ لأنَّ الإجماعَ مُنعقِدٌ على أنها إنْ طلِّقَتْ في حَيضةٍ أنها لا تعتَدُّ بها.

ولكلِّ واحِدٍ مِنْ الفَريقَينِ احتِجاجاتٌ مُتساوِيةٌ مِنْ جِهةِ لفظِ القُرءِ، والذي رَضِيَه الحُذَّاقُ أنَّ الآيةَ مُجمَلةٌ في ذلكَ، وأنَّ الدليلَ يَنبغي أنْ يُطلبَ مِنْ جهةٍ أُخرى، فمِن أقوَى ما تمسَّكَ بهِ مَنْ رأى أنَّ الأقراءَ هي الأطهارُ حديثُ ابنِ عُمرَ المُتقدِّمِ وقولُه : «مُرْهُ فلْيُراجِعْها حتى تَحيضَ ثمَّ تَطهُرَ ثم تَحيضَ ثم تَطهُرَ، ثم يُطلِّقُها إنْ شاءَ قبلَ أنْ يمَسَّها، فتلكَ العدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أنْ يُطلَّقَ لها النِّساءُ»، قالُوا: وإجماعُهم على أنَّ طلاقَ السُّنةِ لا يَكونُ إلا في طُهرٍ لم تُمَسَّ فيهِ، وقَولُه عليه الصلاة والسلام: «فتِلكَ العدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أنْ يُطلَّقَ لها النِّساءُ» دليلٌ واضِحٌ على أنَّ العدَّةَ هي الأطهارُ؛ لكَي يكونَ الطلاقُ مُتَّصِلًا بالعدَّةِ.

ويُمكنُ أنْ يُتأوَّلَ قَولُه: «فتِلكَ العدَّةُ» أي: فتِلكَ مدَّةُ استِقبالِ العدَّةِ؛ لئلَّا يَتبعَّضَ القُرءُ بالطلاقِ في الحَيضِ.

وأقوَى ما تَمسَّكَ بهِ الفَريقُ الثاني أنَّ العدَّةَ إنَّما شُرِعَتْ لبَراءةِ الرَّحمِ، وبَراءتُها إنَّما تَكونُ بالحَيضِ لا بالأطهارِ، ولذلكَ كانَ عدَّةُ مَنْ ارتَفعَ الحَيضُ عنها بالأيَّامِ، فالحَيضُ هو سَببُ العدَّةِ بالأقراءِ، فوجَبَ أنْ تكونَ الأقراءُ هيَ الحيضَ.

واحتَجَّ مَنْ قالَ الأقرَاءُ هي الأطهارُ بأنَّ المُعتبَرَ في بَراءةِ الرَّحمِ هو النَّقلةُ مِنْ الطُّهرِ إلى الحَيضِ لا انقِضاء الحيضِ، فلا معنَى لاعتِبارِ الحَيضةِ الأخيرةِ، وإذا كانَ ذلكَ فالثلاثُ المُعتبَرُ فيهنَّ التَّمامُ -أعني: المُشتَرَطَ- هي الأطهارُ التي بينَ الحيضتَينِ، ولِكلَا الفَريقَينِ احتِجاجاتٌ طَويلةٌ.

ومذهَبُ الحَنفيةِ أظهَرُ مِنْ جِهةِ المَعنى، وحُجَّتُهم مِنْ جِهةِ المَسموعِ مُتساوِيةٍ أو قَريبٌ مِنْ مُتساويةٍ، ولم يَختلفِ القائِلونَ أنَّ العدَّةَ هي الأطهارُ أنها تَنقضِي بدُخولِها في الحَيضةِ الثالثةِ.

واختَلفَ الذينَ قالوا: إنها الحَيضُ:

فقيلَ: تَنقضي بانقِطاعِ الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ، وبهِ قالَ الأوزاعيُّ.

وقيلَ: حِينَ تَغتسِلُ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ، وبهِ قالَ مِنْ الصحابةِ عُمرُ بنُ الخطَّاب وعليٌّ وابنُ مَسعودٍ، ومِن الفُقهاءِ الثَّوريُّ وإسحاقُ بنُ عُبيدٍ.

وقيلَ: حتى يَمضيَ وَقتُ الصلاةِ التي طَهُرتْ في وَقتِها.

وقيلَ: إنَّ للزوجِ عليها الرجعةَ وإنْ فرَّطَتْ في الغُسلِ عِشرينَ سَنةً، حُكيَ هذا عَنْ شريكٍ.

وقد قيلَ: تَنقضِي بدُخولِها في الحَيضةِ الثالثةِ، وهو أيضًا شاذٌّ (١).

(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٦٧، ٦٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الطلاق
الجملة الأولى في أنواع الطلاق

كِتَابُ الطَّلَاقِ

الْجُمْلَةُ الْأُولَى فِي أَنْوَاعِ الطَّلَاقِ

الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ

كِتَابُ الطَّلَاقِ وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ يَنْحَصِرُ فِي أَرْبَعِ جُمَلٍ:

; الْجُمْلَةُ الْأُولَى: فِي أَنْوَاعِ الطَّلَاقِ.

الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي أَرْكَانِ الطَّلَاقِ.

الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الرَّجْعَةِ.

الْجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي أَحْكَامِ الْمُطَلَّقَاتِ.

الْجُمْلَةُ الْأُولَى

وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ خَمْسَةُ أَبْوَابٍ:

الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ.

الْبَابُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ الطَّلَاقِ السُّنِّيِّ مِنَ الْبِدْعِيِّ.

وَالْبَابُ الثَّالِثُ: فِي الْخُلْعِ.

الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي تَمْيِيزِ الطَّلَاقِ مِنَ الْفَسْخِ.

الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 217 - 232

ارجع إلى أركان الرجعة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله