الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الرجعة وشروطها > والقسم الثاني: الكناية
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةوالقِسمُ الثَّاني: الكِنايةُ:
والكِنايةُ تقَعُ بها الرَّجعةُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ في الأصَحِّ والحَنابلةِ في قولٍ.
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ والأذرعِيُّ مِنْ الشافِعيةِ إلى أنَّ الرجعةَ لا تَصحُّ بالكِناياتِ؛ لأنَّ الرجعةَ استباحةُ بُضعٍ مَقصودٍ، فلا تَحصلُ بالكِنايةِ كالنكاحِ (١).
والكِناياتُ عندَ الحَنفيةِ أنْ يقولَ: «أنتِ عندِي كما كُنتِ، وأنتِ امرَأتي»، فلا يَصيرُ مُراجِعًا إلا بالنيَّةِ؛ لأنَّ حَقيقتُه تَصدُقُ على إرادتِه باعتِبارِ المِيراثِ.
واختَلفُوا في الإمساكِ والنِّكاحِ والتزوُّجِ، فلَو تزوَّجَها في العدَّةِ لا يَكونُ رَجعةً عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَ مُحمدٍ هو رَجعةٌ، وعَن أبي يُوسفَ رِوايتانِ، قالَ أبو جَعفرٍ: وبقَولِ مُحمدٍ نَأخذُ، وفي «اليَنابيع»: عليهِ الفَتوى، وكذا في «القنيَة».
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ولو قالَ لها: «نكَحْتُكِ، أو تَزوَّجتُكِ» كانَ رَجعةً في ظاهرِ الرِّوايةِ.
ورُويَ عن أبي حَنيفةَ أنه لا يَكونُ رَجعةً.
(١) «الديباج» (٣/ ٤٨٠)، و «المبدع» (٧/ ٣٩١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٥٠٧)، و «الروض المربع» (٢/ ٤١١).
وجهُ هَذه الرِّوايةِ أنَّ النكاحَ بعدَ الطلاقِ الرجعيِّ قائِمٌ مِنْ كلِّ وجهٍ، فكانَ قولُه: «نكَحْتُكِ» إثباتَ الثابتِ وأنه مُحالٌ فلم يَكنْ مَشروعًا فكانَ مُلحَقًا بالعَدمِ شَرعًا فلم يكنْ رَجعةً، بخلافِ قولِه: «راجَعتُكِ»؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ بإثباتِ النكاحِ، بل هوَ استِيفاءُ النكاحِ الثابتِ وأنه مَحلٌّ للاستِيفاءِ؛ لأنه انعَقدَ سبَبُ زوالِه، والرجعةُ فَسخُ السَّببِ ومَنعٌ له عن العَملِ، فيَصحُّ.
وجهُ ظاهرِ الرِّوايةِ أنَّ النكاحَ وإنْ كانَ ثابتًا حَقيقةً لكنِ المَحلُّ لا يَحتملُ الإثباتَ، فيُجعلُ مَجازًا عَنْ استيفاءِ الثابتِ؛ لِمَا بينَهُما مِنْ المُشابَهةِ؛ تَصحيحًا لتَصرُّفِه بقَدرِ الإمكانِ، وقد قِيلَ في أحَدِ تأويلَي قولهِ تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: أزواجُهنَّ أحَقُّ بنِكاحِهنَّ في العدَّةِ مِنْ غيرِهم مِنْ الرِّجالِ، والنكاحُ المُضافُ إلى المُطلَّقةِ طلاقًا رَجعيًّا، فدَلَّ على ثُبوتِ الرجعةِ بالنكاحِ (١).
وغيرُ الصَّريحِ عندَ المالِكيةِ: وهو اللَّفظُ المُحتملُ ك: «مسَكْتُها، وأمسَكْتُها»؛ إذْ يحتملُ «أمسَكْتُها تَعذيبًا لها» أو يحتملُ «أمسَكْتُها في عِصمَتي زَوجةً»، فإذا أتَى بهذا اللَّفظِ المُحتملِ ونوَى بهِ الرجعةَ حصَلَتْ (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٨٣)، و «شرح فتح القدير» (٤/ ١٥٩)، و «العناية شرح الهداية» (٥/ ٣٩٧)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٤٧٥)، و «الاختيار» (٣/ ١٨١)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٤٠٥)، و «اللباب» (٢/ ٩٨)، و «الفتاوى الهندية» (٤٦٨).
(٢) «التاج والإكليل» (٣/ ١١٦)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٨٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٢٨)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٢٢٥)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٤١٧، ٤١٩).
وقالَ الشافِعيةُ: تَصحُّ الرَّجعةُ بالكِنايةِ معَ النِّيةِ ك: «اختَرتُ رَجعتَكِ، وأعَدْتُ حِلَّكِ» ونحوِ ذلكَ.
ومِن الكِناياتِ عندَ الشافِعيةِ في الأصَحِّ: التَّزويجُ والنكاحُ في قَولِ المُرتجِعِ: «تزوَّجتُكِ، أو نكَحْتُكِ» أو عقَدَ عليها النكاحَ؛ لعَدمِ اشتِهارِهما في الرَّجعةِ، ولأنَّ ما كانَ صَريحًا في بابِه لا يكونُ صَريحًا في غيرهِ كالطلاقِ والظِّهارِ، ولأنَّ النكاحَ لا يَخلو مِنْ عِوضٍ، والرجعةُ لا تَتضمَّنُ عِوضًا، فلم يَنعقدْ أحَدُهما بلَفظِ الآخَرِ، كالهِبةِ لا تَنعقدُ بلَفظِ البَيعِ.
والثَّاني: هُما صَريحانِ؛ لأنهما صالِحانِ لابتداءِ العَقدِ والحَلِّ، فلَأنْ يَصلحَا للتَّداركِ أَولى؛ لأنَّ لفْظَ النكاحِ والتزويجِ آكَدُ مِنْ الرجعةِ؛ لأنه تُستباحُ بهِ الأجنَبيةُ، فإذا استَباحَ بُضعَها بلَفظِ الرجعةِ ففي لَفظِ النكاحِ والتزويجِ أَولَى (١).
وأمَّا الحَنابلةُ فالصَّحيحُ عندَهم أنَّ الرَّجعةَ لا تَحصلُ بالكِناياتِ ك: «نكَحْتُها، وتَزوَّجْتُها».
قالَ المِرْداويُّ رحمة الله عليه: (قولُه: فإنْ قالَ: «نكَحْتُها، أو تزوَّجْتُها» فعَلى وجهَينِ) عندَ الأكثرِ، وهُما رِوايتانِ في «الإيضاح»، وأطلَقَهُما في «المُغني،
(١) «البيان» (١٠/ ٢٤٨، ٢٤٩)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٥٢٦، ٥٢٧)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٨، ١٠)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٦، ٧)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٥٩٦، ٥٩٨)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٦٦، ٦٧)، و «الديباج» (٣/ ٤٧٩، ٤٨٠).
والمُحرَّر، والشَّرح، والنَّظم، والرِّعايتَين، والزُّبدَة، والمَذهَب الأحمَد، والبُلغَة، والمُبهِج، والإيضاح، والحاوِي الصَّغير، والفُروع» وغَيرِهم:
أحَدُهما: لا تَحصلُ الرجعةُ بذلكَ، صحَّحَه في «التَّصحِيح، وتَصحِيح المُحرَّر، والخُلاصة»، وجزَمَ بهِ في «الوَجيز» وقدَّمَه في «الهِدايَة، والمَذهَب، ومَسبُوك الذَّهبِ، والمُستَوعِب» وغَيرِهم، واختَارُه القاضِي، قالَه في «المُبهِج».
والوجهُ الثَّاني: تَحصلُ الرجعةُ بذلكَ، أومَأَ إليهِ الإمامُ أحمَدُ رحمة الله عليه، قالَه في «المُغني، والشَّرح» واختارَهُ القاضِي وابنُ حامِدٍ.
وقالَ في «المُوجِز، والتَّبصِرة، والمُغنِي، والشَّرح»: تَحصلُ الرجعةُ بذلكَ معَ نيَّةٍ، واختارَه ابنُ عَبدوسٍ في تَذْكرتِه.
قالَ في «المُنوِّر»: ف «نكَحْتُها، وتزوَّجْتُها» كِنايةٌ.
وقالَ في «التَّرغيب»: هلْ تَحصلُ الرجعةُ بكِنايةٍ نحوُ «أعَدتُكِ، أو استَدمْتُكِ»؟ فيه وَجهانِ:
قالَ في «الرِّعايتَين»: يَنوي في قَوله: «أعدْتُكِ أو استَدمْتُكِ» فقط.
وقالَ في القاعِدةِ التاسعةِ والثَّلاثينَ: إنِ اشتَرطْنا الإشهادَ في الرجعةِ لم تَصحَّ رَجْعتُها بالكِنايةِ، وإلا فوَجهانِ.
وأطلَقَ صاحِبُ «التَّرغيب» وغيرُه الوَجهَينِ، والأَولى ما ذكَرْنا. انتَهى (١).
(١) «الإنصاف» (٩/ ١٥١، ١٥٢).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في الكناية في الطلاق
أَنْ يَلْحَقَهَا الْبَيْنُونَةُ فِي الْجُمْلَةِ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا تَصِيرُ بَائِنَةً فَجَازَ تَعْجِيلُ الْبَيْنُونَةِ فِيهَا أَيْضًا،.
فَأَمَّا الْوَاحِدَةُ فَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ تَصِيرَ ثَلَاثًا أَبَدًا فَلَغَا قَوْلَهُ: جَعَلْتُهَا ثَلَاثًا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَمْلِكُ إيقَاعَ هَذِهِ التَّطْلِيقَةِ بَائِنَةً مِنْ الِابْتِدَاءِ فَيَمْلِكُ إلْحَاقَهَا بِالْبَائِنَةِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْإِبَانَةِ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ كَمَا كَانَ يَمْلِكُهَا فِي الِابْتِدَاءِ، وَمَعْنَى " جَعْلِ الْوَاحِدَةِ ثَلَاثًا " أَنَّهُ أَلْحَقَ بِهَا تَطْلِيقَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ لَا أَنَّهُ جَعَلَ الْوَاحِدَ ثَلَاثًا
فَصْلٌ فِي الْكِنَايَةِ فِي الطَّلَاق
(فَصْلٌ) :
(وَأَمَّا) الْكِنَايَةُ فَنَوْعَانِ: نَوْعٌ هُوَ كِنَايَةٌ بِنَفْسِهِ وَضْعًا، وَنَوْعٌ هُوَ مُلْحَقٌ بِهَا شَرْعًا فِي حَقِّ النِّيَّةِ، أَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ فَهُوَ كُلُّ لَفْظٍ يُسْتَعْمَلُ فِي الطَّلَاقِ وَيُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ نَحْوُ قَوْلِهِ: أَنْتِ بَائِنٌ، أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ خَلِيَّةٌ بِرِئِيَّةٍ بَتَّةٌ أَمْرُكِ بِيَدِكِ اخْتَارِي اعْتَدِّي اسْتَبْرِئِي رَحِمَك أَنْتِ وَاحِدَةٌ خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ سَرَّحْتُكِ حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ فَارَقْتُكِ خَالَعْتكِ - وَلَمْ يَذْكُرْ الْعِوَضَ - لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكِ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْكِ لَا نِكَاحَ لِي عَلَيْكِ أَنْتِ حُرَّةٌ قَوْمِي اُخْرُجِي اُغْرُبِي انْطَلِقِي انْتَقِلِي تَقَنَّعِي اسْتَتِرِي تَزَوَّجِي ابْتَغِي الْأَزْوَاجَ الْحَقِي بِأَهْلِك وَنَحْوُ ذَلِكَ.
ارجع إلى أركان الرجعة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.