الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الرجعة وشروطها > ويشترط في الرجعة أو صيغة الرجعة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةبالهزلِ العارِي عَنْ نيَّةِ الرجعةِ-؛ لأنَّ هزْلَه جِدٌّ، ويَنفعُه ذلكَ في ظاهرِ الحالِ، ولا يُصدَّقُ فيما ادَّعاهُ مِنْ عَدمِ النيةِ، فيُؤخَذُ بالنَّفقةِ وغيرِها مِنْ الأحكامِ، لا فيما بينَه وبينَ اللهِ.
ففائدةُ كَونِ الهزلِ رَجعةً في الظاهرِ لا الباطنِ لُزومُ الكِسوةِ وغيرِها بعدَ العدَّةِ، ولا تَحلُّ لهُ فيما بينَه وبينَ اللهِ، بخلافِ النكاحِ، فيَحلُّ باطِنًا وظاهِرًا معَ الهزلِ؛ لأنه لم يَقُلْ أحَدٌ باشتِراطِ النِّيةِ، بخِلافِ الرجعةِ، فقدْ قيلَ بها في الجُملةِ (١).
وقالَ الرحيبانِيُّ رحمة الله عليه: وتَحصلُ الرجعةُ بلَفظِ «راجَعْتُها، ورجَعْتُها، وارتَجعْتُها، وأمسَكْتُها، وردَدْتُها، وأعدَدْتُها» … ولو لم يَنوِ مَنْ أتَى بلَفظةٍ ممَّا تقدَّمَ شَيئًا؛ لأنها صَرائحُ، والصريحُ لا يَحتاجُ إلى نيةِ، أو قالَ ذلكَ هازِلًا (٢).
ويُشتَرطُ في الرَّجعةِ أو صِيغةِ الرَّجعةِ:
١ - أنْ تَكونَ الرَّجعةُ مُنجَّزةً:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنه يُشترطُ لصحَّةِ الرجعةِ أنْ تَكونَ مُنجَّزةً، فلا يَصحُّ تَعليقُها على شَرطٍ مثلُ أنْ يَقولَ: «إذا جاءَ غدًا فقدْ راجَعْتُكِ، أو: إذا دخَلْتِ الدارَ، أو إذا فعَلْتِ كذا فقدْ
(١) «التاج والإكليل» (٣/ ١١٦)، و «شرح مختصر خليل مع حاشية العدوي» (٤/ ٨١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٢٩)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٢٢٥).
(٢) «مطالب أولي النهى» (٥/ ٤٧٨).
راجَعْتُكِ»، فهذا لا يَكونُ رَجعةً؛ لأنه استِباحةُ فرجٍ مَقصودٍ، فلمْ يَصحَّ تَعليقُه على صفةٍ كالنكاحِ (١).
قالَ السَّرخسيُّ رحمة الله عليه: وتَعليقُ الرجعةِ بالشرطِ باطلٌ، وكذلكَ الإضافةُ إلى وَقتٍ، حتى إذا قالَ: «راجَعْتُكِ غدًا، أو إذا جاءَ غَدٌ» فهو باطِلٌ؛ لأنه استِدامةُ المِلكِ، فَلا يَحتملُ التعليقَ بالشرطِ كأصلِ النكاحِ، وإنَّما يَحتملُ التعليقَ بالشرطِ ما يَجوزُ أنْ يُحلَفَ بهِ، ولا يُحلَفُ بالرجعةِ، بخِلافِ الطلاقِ (٢).
وقالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ومِنها عَدمُ التعليقِ بشَرطٍ والإضافةِ إلى وَقتٍ في المُستقبَلِ، حتى لو قالَ الزوجُ بعدَ الطلاقِ: «إنْ دخَلْتِ الدارَ فقَدْ راجَعتُكِ، أو: راجَعتُكِ إنْ دخَلْتِ الدارَ، أو: إنْ كلَّمتِ زَيدًا، أو إذا جاءَ غَدٌ فقدْ راجَعتُكِ غدًا، أو رأسَ شَهرِ كذا» لَم تَصحَّ الرجعةُ في قَولِهم جَميعًا؛ لأنَّ الرجعةَ استِيفاءُ مِلكِ النكاحِ، فلا يَحتملُ التعليقَ بشَرطٍ والإضافةَ إلى وَقتٍ في المُستقبَلِ كما لا يَحتملُها إنشاءُ المِلكِ؛ ولأنَّ الرجعةَ تَتضمَّنُ انفساخَ الطلاقِ في انعقادِه سَببًا لزوالِ المِلكِ ومنْعَه عن عَملِه في ذلكَ، فإذا علَّقَها بشَرطٍ أو أضافَها إلى وَقتٍ في المُستقبَلِ فقَدِ استَبقَى الطلاقَ إلى
(١) «الجوهرة النيرة» (٤/ ٤٧٨)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ١٩٨)، و «الاختيار» (٣/ ١٨٢)، و «حاشية ابن عابدين» (٥/ ٢٤٣، ٢٤٤)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ٤٧٠)، و «التنبيه ص (١٨٢)، و «البيان» (١٠/ ٢٥٠)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٥٢٧)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١٠)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٧)، و «المغني» (٧/ ٤٠٥)، و «المبدع» (٧/ ٣٩٥)، و «الإنصاف» (٩/ ١٥٧)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣٩٨).
(٢) «المبسوط» (٦/ ٢٢).
غايةٍ، واستِبقاءُ الطلاقِ إلى غايَةٍ يَكونُ تأبيدًا له؛ إذْ هو لا يَحتملُ التوقيتَ، كما إذا قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالقٌ يومًا، أو شهرًا، أو سَنةً» أنه لا يَصحُّ التوقيتُ ويَتأبَّدُ الطلاقُ، فلا تَصحُّ الرجعةُ، هذا إذا أنشَأَ الرجعةَ.
فأمَّا إذا أخبَرَ عَنْ الرجعةِ في الزمنِ الماضِي بأنْ قالَ: «كنتُ راجَعتُكِ أمسِ» فإنْ صدَّقْتُه المرأةُ فقدْ ثبَتَتِ الرجعةُ، سواءٌ قالَ ذلك في العدَّةِ أو بعدَ انقضاءِ العدَّةِ بعدَ أنْ كانَتِ المَرأةُ في العدَّةِ أمسِ، وإنْ كذَّبْتُه فإنْ قالَ ذلكَ في العدَّةِ فالقَولُ قَولُه؛ لأنه أخبَرَ عمَّا يَملكُ إنشاءَهُ في الحالِ؛ لأنَّ الزوجَ يَملكُ الرجعةَ في الحالِ، ومَن أخبَرَ عَنْ أمرٍ يَملكُ إنشاءَهُ في الحالِ يُصدَّقُ فيهِ؛ إذ لو لم يُصدَّقْ يُنشِئُه للحالِ، فلا يُفيدُ التكذيبُ، فصارَ كالوَكيلِ قبلَ العَزلِ إذا قالَ: «بِعتُه أمسِ» … (١).
وكذا لو قالَ الزوجُ بعدَ الطلاقِ: «راجَعتُكِ غدًا، أو رأسَ شَهرِ كذا» لم تَصحَّ الرجعةُ في قَولِهم جَميعًا، هكذا في «البَدائِع» (٢).
وكذا نَصَّ الشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنه إنْ قالَ: «راجَعتُكِ إنْ شِئت» لم يَصحَّ كذلكَ، ولا يَضرُّ عِنْدَ الشَّافعيةِ إنْ قالَ: «راجَعتُكِ إنْ شِئت، أو أَنْ شِئْت» -بفتْحِ الهَمزَةِ-؛ لأنَّ ذلكَ تَعليلٌ لا تَعليقٌ، فيَنبغي أنْ يُفرَّقَ بينَ النحْويِّ وغيرِه ويُستفسَرَ الجاهِلُ بالعرَبيةِ (٣).
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٨٥).
(٢) «الفتاوى الهندية» (١/ ٤٧٠).
(٣) «البيان» (١٠/ ٢٥٠)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٥٢٧)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١٠)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٧).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
الرجعة
مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ شَرْعِيَّةِ الرَّجْعَةِ، وَفِي بَيَانِ مَاهِيَّتِهَا، وَفِي بَيَانِ رُكْنِهَا، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ جَوَازِ الرُّكْنِ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَالرَّجْعَةُ مَشْرُوعَةٌ عُرِفَتْ شَرْعِيَّتُهَا بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالْمَعْقُولِ؛ أَمَّا الْكِتَابُ الْعَزِيزُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ البقرة: ٢٢٨ أَيْ: رَجْعَتِهِنَّ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ البقرة: ٢٣١ وقَوْله تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ البقرة: ٢٢٩ ، وَالْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ هُوَ الرَّجْعَةُ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَيْنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ رضي الله عنه مُرْ ابْنَك يُرَاجِعْهَا» الْحَدِيثَ، وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا طَلَّقَ حَفْصَةَ رضي الله عنها جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﷺ فَقَالَ لَهُ: رَاجِعْ حَفْصَةَ فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ فَرَاجَعَهَا» ، وَكَذَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ طَلَّقَ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ رضي الله عنها ثُمَّ رَاجَعَهَا، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ.
ارجع إلى أركان الرجعة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.