الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الظهار > أولا: حرمة الوطء قبل التكفير عن الظهار
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةفي عِتقِ الرَّقبةِ فيَجوزُ أنْ يكونَ إعتاقُها تَكفيرًا ليَمينِها، فإنَّ عِتقَ الرَّقبةِ أحَدُ خِصالِ كفَّارةِ اليَمينِ، ويَتعيَّنُ حَملُه على هذا؛ لكَونِ المَوجودِ مِنها ليسَ بظِهارٍ، وكلامُ أحمَدَ في رِوايةِ الأثرَمِ لا يَقتضي وُجوبَ كفَّارةِ الظهارِ، إنَّما قالَ: الأحوَطُ أنْ تُكفِّرَ، وكذا حَكاهُ ابنُ المُنذِرِ.
ولا شَكَّ في أنَّ الأحوَطَ التَّكفيرُ بأغلَظِ الكفَّاراتِ؛ لِيخرجَ مِنْ الخِلافِ، ولكنْ ليسَ ذلكَ بواجبٍ عليه؛ لأنه ليسَ بمَنصوصٍ عليه ولا هو في معنَى المَنصوصِ، وإنَّما هو تَحريمٌ للحَلالِ مِنْ غيرِ ظِهارٍ، فأشبَهَ ما لو حرَّمَ أمَتَه أو طَعامَه، وهذا قولُ عَطاءٍ، واللهُ أعلَمُ (١).
أثَرُ الظِّهارِ:
إذا صَحَّ الظِّهارُ وتَحقَّقتْ شُروطُه ترتَّبَ عليهِ الآثارُ التاليةُ:
أولاً: حُرمةُ الوَطءِ قبْلَ التَّكفيرِ عنِ الظِّهارِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المُسلمينَ على أنَّ المُظاهِرَ يَحرمُ عليهِ وَطءُ امرَأتِه قبْلَ أنْ يُكفِّرَ إذا كانَتِ الكفَّارةُ عِتقًا أو صَومًا، لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣)﴾ ثمَّ قالَ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣، ٤]، فنَصَّ على تَحريمِ الوَطءِ قبلَ العِتقِ والصِّيامِ.
(١) «المغني» (٨/ ٣٥)، ويُنظَر: «أحكام القرآن» للجصاص (٥/ ٣١٠، ٣١١)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤٩١، ٤٩٢)، و «الإنصاف» (٩/ ٢٠٠، ٢٠١).
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: أمَّا تَحريمُ المَسيسِ قبلَ التَّكفيرِ بالعِتقِ والصِّيامِ فمِمَّا أجابَه النَّصُ وأجمَعَ عليهِ الفُقهاءُ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٣، ٤] (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: المُظاهِرُ يَحرمُ عليهِ وَطءُ امرَأتِه قبلَ أنْ يُكفِّرَ، وليسَ في ذلكَ اختِلافٌ إذا كانَتِ الكفَّارةُ عِتقًا أو صَومًا (٢).
إلا أنَّهمُ اختَلفُوا هل يَجوزُ له أنْ يَطأَها قبلَ أنْ يُكفِّرَ بالإطعام أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ وأكثَرُ أهلِ العلمِ إلى أنَّ التَّكفيرَ بالإطعامِ مثلُ ذلكَ، وأنه يَحرمُ عليهِ وَطؤُها قبْلَ التَّكفيرِ؛ لأنَّ الإطعامَ في مِعناهُما، ولِما رَوى عِكرمةُ عَنْ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ رجُلًا أتَى النبيَّ ﷺ قدْ ظاهَرَ مِنْ امرَأتِهِ فوقَعَ عليها فقَال: يا رَسولَ اللهِ إني قد ظاهَرْتُ مِنْ زَوجتِي فوقَعْتُ عليها قبلَ أنْ أُكفِّرَ، فقالَ: وما حمَلَكَ على ذلكَ يَرحمُكَ اللهُ؟ قالَ: رأيتُ خلخالَها في ضَوءِ القمَرِ، قالَ: «فلا تَقرَبْها حتى تَفعلَ ما أمَرَكَ اللهُ بهِ» (٣)، ولأنه مُظاهِرٌ لم يُكفِّرْ، فحَرُمَ عليهِ جِماعُها كما لو كانَتْ كفَّارتُه العِتقَ أو الصِّيامَ، وتَركُ النَّصِّ عليها لا يَمنعُ قِياسَها على المَنصوصِ الذي في مَعناها.
(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ٥٢١).
(٢) «المغني» (٨/ ٩).
(٣) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الترمذي (١١٩٩)، والنسائي (٣٤٥٧، ٣٤٥٨).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الظهار
فصل في حكم الظهار
أُخْرَى كَأُخْتِ امْرَأَتِهِ أَوْ امْرَأَةٍ لَهَا زَوْجٌ أَوْ مَجُوسِيَّةٍ أَوْ مُرْتَدَّةٍ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ عَلَى التَّأْبِيدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي حُكْمُ الظِّهَارِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا حُكْمُ الظِّهَارِ فَلِلظِّهَارِ أَحْكَامٌ: مِنْهَا حُرْمَةُ الْوَطْءِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ وَلِقَوْلِهِ ﷿ ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ المجادلة: ٣ أَيْ فَلْيُحَرِّرُوا كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷾ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ البقرة: ٢٣٣ أَيْ لِيُرْضِعْنَ.
وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ البقرة: ٢٢٨ أَيْ لِيَتَرَبَّصْنَ، أَمَرَ الْمُظَاهِرَ بِتَحْرِيرِ رَقَبَةٍ قَبْلَ الْمَسِيسِ فَلَوْ لَمْ يُحَرِّمْ الْوَطْءَ قَبْلَ الْمَسِيسِ لَمْ يَكُنْ لِلْأَمْرِ بِتَقْدِيمِ التَّحْرِيرِ قَبْلَ الْمَسِيسِ مَعْنًى وَهُوَ كَقَوْلِهِ ﷿ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ المجادلة: ١٢ وَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ النَّجْوَى قَبْلَ الصَّدَقَةِ إذْ لَوْ لَمْ يَحْرُمْ لَمْ يَكُنْ لِلْأَمْرِ بِتَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى النَّجْوَى مَعْنًى فَكَذَا هَذَا.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الظهار)
(باب الكفارة بالطعام)
(باب الكفارة بالطعام)
(مِنْ كِتَابَيْ ظِهَارٍ قَدِيمٍ وَجَدِيدٍ)
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشافعي رحمه الله تعالى: ) فيمن تظهر وَلَمْ يَجِدْ رَقَبَةً وَلَمْ يَسْتَطِعْ حِينَ يُرِيدُ الْكَفَّارَةَ صَوْمَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ بِمَرَضٍ أَوْ عِلَّةٍ مَا كَانَتْ أَجْزَأَهُ أَنْ يُطْعِمَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اسْتِحْقَاقُ التَّرْتِيبِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ يَمْنَعُ مِنَ الْإِطْعَامِ إِلَّا بَعْدَ الْعَجْزِ عَنِ الصِّيَامِ قَالَ الله تعالى {فمن لم يجد فصيام شهرين مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يستطع فإطعام ستين مسكيناً} وَعَجْزُهُ عَنِ الصِّيَامِ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَالْعَجْزِ بِالْهَرَمِ فَهَذَا عَجْزٌ مُتَأَبِّدٌ يَجُوزُ مَعَهُ الْإِطْعَامُ وَالْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُرْجَى زَوَالُهُ كَالْعَجْزِ بِالْمَرَضِ فَهُوَ فِي مِثْلِ هَذَا بِالْخِيَارِ بَيْنَ تَعْجِيلِ الْإِطْعَامِ اعْتِبَارًا بِحَالِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْتَظِرَ حَالَ بُرْئِهِ، فَرُبَّمَا كَفَّرَ بِالصِّيَامِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَى الْفَوْرِ.
ثُمَّ الْعَجْزُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَقْدِرَ مَعَهُ عَلَى الصِّيَامِ بِحَالٍ.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الظهار
الفصل الخامس هل يتكرر الظهار بتكرر النكاح
الْمَجَازِيَّةُ، إِذْ لَا يَدُلُّ لَفْظٌ وَاحِدٌ دَلَالَتَيْنِ: حَقِيقَةً وَمَجَازًا. قُلْتُ: الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ لَهُ عُمُومٌ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ عِنْدَهُمْ يَتَضَمَّنُ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا - أَعْنِي: الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ - وَإِنْ كَانَ لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ لِلْعَرَبِ، وَلِذَلِكَ الْقَوْلُ بِهِ فِي غَايَةٍ مِنَ الضَّعْفِ، وَلَوْ عُلِمَ أَنَّ لِلشَّرْعِ فِيهِ تَصَرُّفًا لَجَازَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الظِّهَارَ مُشَبَّهٌ عِنْدَهُمْ بِالْإِيلَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ عِنْدَهُمْ بِالْفَرْجِ.
الْفَصْلُ الْخَامِسُ هَلْ يَتَكَرَّرُ الظِّهَارُ بِتَكَرُّرِ النِّكَاحِ
ِ؟ وَأَمَّا تَكَرُّرُ الظِّهَارِ بَعْدَ الطَّلَاقِ - أَعْنِي: إِذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ الظِّهَارِ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ ثُمَّ رَاجَعَهَا هَلْ يَتَكَرَّرُ عَلَيْهَا الظِّهَارُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْمَسِيسُ حَتَّى يُكَفِّرَ - فِيهِ خِلَافٌ. قَالَ مَالِكٌ: إِنْ طَلَّقَهَا دُونَ الثَّلَاثِ، ثُمَّ رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ، أَوْ بَعْدَهَا، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ رَاجَعَهَا فِي غَيْرِ الْعِدَّةِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ; وَعَنْهُ قَوْلٌ آخَرُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: الظِّهَارُ رَاجِعٌ عَلَيْهَا نَكَحَهَا بَعْدَ الثَّلَاثِ، أَوْ بَعْدَ وَاحِدَةٍ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ شَبِيهَةٌ بِمَنْ يَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ، ثُمَّ يُطَلِّقُ، ثُمَّ يُرَاجِعُ، هَلْ تَبْقَى تِلْكَ الْيَمِينُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ .
ارجع إلى أركان الظهار للاطلاع على جميع المسائل.