أولا: ظهار الذمي

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الظهار > أولا: ظهار الذمي

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

أولا: ظهار الذمي - الأقوال والأدلة

أولاً: ظِهارُ الذِّميِّ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو ظاهَرَ الذِّميُّ ثمَّ أسلَمَ، هل يَلزمُه الظِّهارُ أم لا؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنه لا يَصحُّ الظِّهارُ مِنْ الذِّميِّ كما لا يَلزمُه كلُّ يَمينٍ كانَتْ مِنْ طَلاقٍ أو عِتاقٍ أو صَدقةٍ أو نَذرٍ أو شَيءٍ مِنْ الأشياءِ إذا أَسلَمَ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾ [المجادلة: ٢]، والخِطابُ للمُؤمنِينَ، فيَدلُّ على اختِصاصِ الظِّهارِ بالمُؤمنينَ، وليسَ الكافِرُ مِنَّا، فخرَجَ مِنْ حُكمِ الظِّهارِ، وقالَ تَعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]، فجعَلَه بالظِّهارِ قائلًا مُنكَرًا وزُورًا، والكافِرُ قائلٌ بالشِّركِ وجَحدِ النُّبوَّةِ وهو أعظَمُ وأغلَظُ، ثمَّ قالَ: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)[المجادلة: ٢]، والكافرُ لا يَتوجَّهُ مثلُ هذا الخِطابِ إليهِ، ثمَّ أمَرَ المُظاهِرَ بالكفَّارةِ، وهي عِتقُ رَقبةٍ، وهي لا تَصحُّ مِنْ الكافرِ؛ لأنَّ الرَّقبةَ التي يُعتقُها يَجبُ أنْ تَكونَ مُؤمِنةً، والكافرُ لا يَملكُ عَبدًا مُسلمًا.

ثمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤]، والصَّومُ لا يَصحُّ مِنْ الكافِرِ، فدَلَّتْ هاتانِ الآيَتانِ على خُروجِ الكافرِ مِنها.

ولأنَّ التكفيرَ لا يَصحُّ منه، فلا يَصحُّ الظِّهارُ، والدَّليلُ على أنَّ التكفيرَ لا يَصحُّ منه مع ما تَقدَّمَ ذِكرُه مِنْ الآيةِ بأنها عِبادةٌ تَفتقرُ إلى النِّيةِ، فلم تَصحَّ مِنْ الكافرِ كالزَّكاةِ، ولأنَّ التكفيرَ تَغطيةٌ للذَّنبِ وإسقاطٌ للمَأثمِ، وهذا لا يَصحُّ مِنْ الكافرِ، ولأنَّ مَنْ لم يَصحَّ منه التكفيرُ لم يَصحَّ منه الظِّهارُ كالمَجنونِ.

ولأنَّ المَقصودَ بالكفَّارةِ التكفيرُ والتَّطهيرُ، والكافرُ ليسَ بأهلٍ له، وما فيهِ مِنْ الشِّركِ أعظَمُ مِنْ الظِّهارِ (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الظِّهارَ يَصحُّ مِنْ الكافرِ كما يَصحُّ مِنْ المُسلمِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، ومِن الآيةِ دَليلانِ:

أحَدُهما: عُمومُها المُنطلِقُ على المُسلمِ والكافرِ.

والثَّاني: قَولُه تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [المجادلة: ٤]، وتَوجُّهُ ذلكَ إلى الكافرِ في ابتِداءِ الإيمانِ أخَصُّ مِنْ تَوجُّهِه إلى المُسلمِ في استِدامةِ الإيمانِ، فكانَ أسوَأُ الأحوالِ أنْ يَكونَا فيها سَواءً.

ولأنَّ الظِّهارَ طلاقٌ نُقلَ إلى غَيرِه، فصَحَّ مِنْ المُسلمِ والكافرِ كالإيلاءِ، ولأنَّ مَنْ صحَّ طَلاقهُ صَحَّ ظِهارُه كالمُسلمِ، ولأنَّ ما صَحَّ مِنْ المُسلمِ في زَوجتِه صحَّ مِنْ الكافرِ كالطلاقِ، ولأنَّ الأحكامَ المُختصَّةَ بالنكاحِ خَمسةٌ: الطلاقُ والظِّهارُ والإيلاءُ والعدَّةُ والنَّسبُ، فلمَّا تَساوَى المُسلمُ والكافرُ في سائرِها وجَبَ أنْ يُساويَه في الظِّهارِ.

(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤٨٩)، و «المبسوط» (٦/ ٢٣١، ٢٣٢)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٣٠)، و «شرح فتح القدير» (٤/ ٢٤٥، ٢٥٧)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ١١٤)، و «الدر المختار» (٣/ ٤٦٦)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ٥٠٨)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٤٧٦) رقم (١٢٩٤)، و «تفسير القرطبي» (١٧/ ٢٧٦)، و «التاج والإكليل» (٣/ ١٣٨)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٠٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٦٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الظهار
فصل في شرائط ركن الظهار وبعضها يرجع إلى المظاهر

فَصْلٌ فِي شَرَائِط رُكْن الظِّهَار وبعضها يرجع إلَى الْمُظَاهِر

فَصْلٌ) :

وَأَمَّا الشَّرَائِطُ فَأَنْوَاعٌ بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمُظَاهِرِ وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمُظَاهَرِ مِنْهُ وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمُظَاهَرِ بِهِ.

أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَظَاهِرِ فَأَنْوَاعٌ: مِنْهَا أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا إمَّا حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا فَلَا يَصِحُّ ظِهَارُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحُرْمَةِ وَخِطَابَ التَّحْرِيمِ لَا يَتَنَاوَلُ مَنْ لَا يَعْقِلُ.

وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ مَعْتُوهًا وَلَا مَدْهُوشًا وَلَا مُبَرْسَمًا وَلَا مُغْمًى عَلَيْهِ وَلَا نَائِمًا فَلَا يَصِحُّ ظِهَارُ هَؤُلَاءِ كَمَا لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُمْ، وَظِهَارُ السَّكْرَانِ كَطَلَاقِهِ وَهُوَ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الظهار)
(باب من يجب عليه الظهار ومن لا يجب عليه)

رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} المجادلة: ٣ ثُمَّ حُبِسَ الْوَحْيُ فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إليها فتلى عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: مَا نَجِدُ رَقَبَةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هُوَ ذَلِكَ فَبَيْنَمَا هِيَ كَذَلِكَ إِذْ نَزَلَ الْوَحْيُ {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} المجادلة: ٤ ثُمَّ حُبِسَ الْوَحْيُ فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فتلى الْوَحْيَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: مَا نَسْتَطِيعُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هُوَ ذَلِكَ فَبَيْنَمَا هِيَ كَذَلِكَ إِذْ نَزَلَ الْوَحْيُ {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} المجادلة: ٤ فَانْصَرَفَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَتَلَاهَا عَلَيْهَا فقَالَتَ: مَا نَجِدُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: إِنَّا سَنُعِينُهُ) . قَالَ أَصْحَابُنَا: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ.

فَالْأُولَى: فِي قِصَّتِهَا.

وَالثَّانِيَةُ: فِي قِصَّتِهِ.

وَالثَّالِثَةُ: فِي بَيَانِ حُكْمِ كُلِّ مُظَاهِرٍ لِكَوْنِهَا عَامَّةً هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي نُزُولِ آيِ الظِّهَارِ وَبَيَانِ حُكْمِهِ.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الظهار
الفصل الخامس هل يتكرر الظهار بتكرر النكاح

الْمَجَازِيَّةُ، إِذْ لَا يَدُلُّ لَفْظٌ وَاحِدٌ دَلَالَتَيْنِ: حَقِيقَةً وَمَجَازًا. قُلْتُ: الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ لَهُ عُمُومٌ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ عِنْدَهُمْ يَتَضَمَّنُ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا - أَعْنِي: الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ - وَإِنْ كَانَ لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ لِلْعَرَبِ، وَلِذَلِكَ الْقَوْلُ بِهِ فِي غَايَةٍ مِنَ الضَّعْفِ، وَلَوْ عُلِمَ أَنَّ لِلشَّرْعِ فِيهِ تَصَرُّفًا لَجَازَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الظِّهَارَ مُشَبَّهٌ عِنْدَهُمْ بِالْإِيلَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ عِنْدَهُمْ بِالْفَرْجِ.

الْفَصْلُ الْخَامِسُ هَلْ يَتَكَرَّرُ الظِّهَارُ بِتَكَرُّرِ النِّكَاحِ

ِ؟ وَأَمَّا تَكَرُّرُ الظِّهَارِ بَعْدَ الطَّلَاقِ - أَعْنِي: إِذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ الظِّهَارِ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ ثُمَّ رَاجَعَهَا هَلْ يَتَكَرَّرُ عَلَيْهَا الظِّهَارُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْمَسِيسُ حَتَّى يُكَفِّرَ - فِيهِ خِلَافٌ. قَالَ مَالِكٌ: إِنْ طَلَّقَهَا دُونَ الثَّلَاثِ، ثُمَّ رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ، أَوْ بَعْدَهَا، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ رَاجَعَهَا فِي غَيْرِ الْعِدَّةِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ; وَعَنْهُ قَوْلٌ آخَرُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: الظِّهَارُ رَاجِعٌ عَلَيْهَا نَكَحَهَا بَعْدَ الثَّلَاثِ، أَوْ بَعْدَ وَاحِدَةٍ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ شَبِيهَةٌ بِمَنْ يَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ، ثُمَّ يُطَلِّقُ، ثُمَّ يُرَاجِعُ، هَلْ تَبْقَى تِلْكَ الْيَمِينُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 328 - 329

ارجع إلى أركان الظهار للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر