إذا قالت المرأة: «أنت علي كظهر أبي»

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الظهار > إذا قالت المرأة: «أنت علي كظهر أبي»

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

إذا قالت المرأة: «أنت علي كظهر أبي» - الأقوال والأدلة

إذا قالَتِ المرأةُ: «أنتَ عَليَّ كظَهرِ أبِي»:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الظِّهارَ يَكونُ مِنْ الرَّجلِ، فإذا قالَ الزوجُ لزَوجتِه: «أنتِ عَليَّ كظَهرِ أمِّي» صارَ مُظاهِرًا.

واتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ أيضًا -إلا رِوايةً عنِ الإمامِ أحمَدَ- على أنَّ المرأةَ إذا قالَتْ لزَوجِها: «أنتَ عليَّ كظَهرِ أبِي» أو قالَتْ: «إنْ تَزوَّجتُ فُلانًا فهو عليَّ كظَهرِ أبِي» فليسَ ذلكَ بظِهارٍ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣]، فهذا خِطابٌ للذُّكورِ دُونَ الإناثِ فخَصَّهُم بذلكَ، ولأنه قولٌ يُوجِبُ تَحريمًا في الزوجةِ يَملِكُ الزوجُ رفْعَه، فاختصَّ بهِ الرَّجلُ كالطلاقِ، ولأنَّ الحِلَّ في المَرأةِ حقٌّ للرَّجلِ، فلَم تَملكِ المَرأةُ إزالتَه كسائرِ حُقوقِه، ولأنها يَمينٌ يَحرمُ بها الوَطءُ بالقَولِ، فلم يَصحَّ مِنْ المَرأةِ كالإيلاءِ، ولأنه قَولٌ مِنْ غَيرِ الزوجِ المالِكِ للوَطءِ كالأجنَبيِّ، ولأنَّ كلَّ مَنْ لم يَكنْ له أنْ يُطلِّقَ بحالٍ لم يَكنْ له أنْ يُظاهِرَ، كالأجنَبيةِ (١).

(١) «أحكام القرآن» للجصاص (٥/ ٣١٠، ٣١١)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤٩١، ٤٩٢)، و «شرح فتح القدير» (٤/ ٢٥٢)، و «الاستذكار» (٦/ ٥٥، ٥٦)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٤٨٢، ٤٨٣)، رقم (١٣٠٤)، و «الأم» (٥/ ٢٧٨)، و «المهذب» (٢/ ١١٣)، و «البيان» (١٠/ ٣٤٦)، و «المغني» (٨/ ٣٤)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٥١٥)، و «المبدع» (٨/ ٣٧)، و «الإنصاف» (٩/ ٢٠٠، ٢٠١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٤٣٢، ٤٣٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٤٥٠، ٥٤١)، و «منار السبيل» (٣/ ١٣٦، ١٣٧).

قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: وإنْ قالَتِ امرَأةُ رَجلٍ لهُ: «أنتَ عليَّ كظَهرِ أبِي، أو أمِّي» لم يَكنْ ظِهارًا ولا عليها كفَّارةٌ؛ مِنْ قِبَلِ أنه ليسَ لها أنْ تُوقِعَ التَّحريمَ على رَجلٍ، إنَّما للرَّجلِ أنْ يُوقِعَه عليها (١).

وقالَ الإمامُ مالكٌ رحمة الله عليه: وليسَ على النِّساءِ ظِهارٌ، وإنما قالَ اللهُ تعالَى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]، ولم يَقُلْ: اللَّائِي يَظَّهَّرْنَ مِنكنَّ مِنْ أزواجِهنَّ، إنَّما الظِّهارُ على الرِّجالِ، قالَ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: قالَ ابنُ العرَبيِّ: هكَذا رُويَ عنِ ابنِ القاسمِ وسالمٍ ويَحيَى بنِ سَعيدٍ ورَبيعةَ وأبي الزِّنادِ، وهو صَحيحٌ مَعنًى؛ لأنَّ الحَلَّ والعَقدَ والتَّحليلَ والتحريمَ في النكاحِ بِيَدِ الرِّجالِ ليسَ بيَدِ المَرأةِ منه شَيءٌ، وهذا إجماعٌ، قالَ أبو عُمرَ: ليسَ على النِّساءُ ظِهارٌ في قَولِ جُمهورِ العُلماءِ (٢).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إذا قالَتْ لزَوجِها: «أنتَ عليَّ كظَهرِ أبي» أو قالَتْ: «إنْ تَزوَّجتُ فُلانًا فهو عليَّ كظَهرِ أبِي» فليسَ ذلكَ بظِهارٍ، قالَ القاضِي: لا تكونُ مُظاهِرةً رِوايةً واحِدةً، وهذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العلمِ،

(١) «الأم» (٥/ ٢٧٨).
(٢) «تفسير القرطبي» (١٧/ ٢٧٦)، و «الاستذكار» (٦/ ٥٥).

مِنهُم مالِكٌ والشافِعيُّ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ (١).

وقالَ الزَّركشيُّ رحمة الله عليه: وحَكى ابنُ شِهابٍ وأبو يَعلى ابنُ أبي حازمٍ رِوايةً أُخرى: أنها تُكونُ مُظاهِرةً، وقالَا: اختارَها أبو بَكرٍ، وزَادُ ابنُ أبي حِازمٍ: والقاضي والشَّريفُ؛ لأنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم قَضَوا في ذلكَ بكفَّارةِ الظِّهارِ، وسبَبُها الظهارُ، فدَلَّ على أنها تَكونُ مُظاهِرةً، وقِياسًا لأحَدِ الزَّوجَينِ على الآخَرِ، وعلى هذا تَجبُ كفَّارةُ الظِّهارِ بلا رَيبٍ (٢).

إلا إنهمُ اختَلفُوا هل يَجبُ عليها كفَّارةُ يَمينٍ؟ أم كفَّارةُ ظِهارٍ؟ أم لا يَجبُ عليها شَيءٌ؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والمالِكيةُ والشافِعيةُ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه لا يَلزمُها كفَّارةٌ ولا يَلزمُها بظِهارِها شَيءٌ؛ لأنه قَولُ مُنكَرٍ وزَورٍ، وليسَ بظِهارٍ فلَم يُوجِبْ كفَّارةً كالسَّبِ والقَذفِ، ولأنه قَولٌ ليسَ بظِهارٍ، فلَم يُوجِبْ كفَّارةَ الظِّهارِ كسائرِ الأقوالِ، أو تَحريمٌ ممَّن لا يَصحُّ مِنه الظهارُ، فأشبَهَ الظهارَ مِنْ أمَتِه (٣).

(١) «المغني» (٨/ ٣٤).
(٢) «شرح الزركشي» (٢/ ٥١٥).
(٣) «أحكام القرآن» للجصاص (٥/ ٣١٠، ٣١١)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤٩١، ٤٩٢)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٤٨٢، ٤٨٣)، رقم (١٣٠٤)، و «الأم» (٥/ ٢٧٨)، و «المغني» (٨/ ٣٥)، و «الإنصاف» (٩/ ٢٠٠، ٢٠١).

وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يَلزمُها كفَّارةُ الظِّهارِ؛ لِمَا روَى الأثرَمُ بإسنادِه عَنْ إبراهيمَ «أنَّ عائِشةَ بنتَ طَلحةَ قالَتْ: إنْ تَزوَّجتُ مُصعبَ بنَ الزُّبيرِ فهو عليَّ كظَهرِ أبِي، فسألَتْ أهلَ المَدينةِ فرَأَوا أنَّ عَليها الكفَّارةَ» (١).

ورَوى عليُّ بنُ مُسهِرٍ عنِ الشَّيبانِيِّ قالَ: كنْتُ جالِسًا في المَسجدِ أنا وعَبدُ اللهِ بنُ المُغفَّلِ المُزَنِيُّ فَجاءَ رَجلٌ حتى جلَسَ إلَينا فسألتُه: مَنْ أنتَ؟ فقالَ: أنا مَولًى لعائِشةَ بنتِ طَلحةَ التي أعتَقتْني عن ظِهارِها، خطَبَها مُصعبُ بنُ الزُّبيرِ فقالَتْ: هو عليَّ كظَهرِ أبي إنْ تَزوَّجتُه، ثمَّ رَغبَتْ فيهِ فاستَفتَتْ أصحابَ رَسولِ اللهِ وهُم يَومَئذٍ كَثيرٌ فأمَرُوها أنْ تُعتِقَ رَقبةً وتَتزوَّجَه، فأعتَقتْنِي وتَزوَّجتْه».

ولأنها زَوجٌ أتَى بالمُنكَرِ مِنْ القَولِ والزُّورِ، فلَزمَه كفَّارةُ الظِّهارِ كالآخَرِ، ولأنَّ الواجِبَ كفَّارةُ يَمينٍ، فاستَوى فيها الزَّوجانِ كاليَمينِ باللهِ تعالى.

فعَلى هذا: لا تَجبُ عليها الكفَّارةُ حتى يطَأَها وهي مُطاوِعةٌ، فإنْ طلَّقَها أو ماتَ أحَدُهما قبلَ وَطئِها أو إكراهِها على الوَطءِ فلا كفَّارةَ عليها؛ لأنها يَمينٌ فلا تَجبُ كفَّارتُها قبلَ الحِنثِ فيها كسائِرِ الأيمانِ، ولا يَجبُ

(١) صَحِيحُ: رواه عبد الرزاق في «المصنف» (٦/ ٤٤٤)، رقم (١١٥٩٦)، و «الدارقطني (٤/ ٤٩٥) وفي إسنادِه مُغيرةُ بنُ مقسمٍ (مُدلِّسٌ، ولاسيِّما عن إبراهيمَ).

تَقديمُها قبلَ المَسيسِ ككَفَّاراتِ سائرِ الأيمانِ، ويَجوزُ تَقديمُها لذلكَ، وعليها تَمكينُ زَوجِها مِنْ وَطئِها قبلَ التَّكفيرِ؛ لأنه حَقٌّ له عليها فلا يَسقطُ بيَمينِها، ولأنه ليسَ بظِهارٍ، وإنَّما هو تَحريمٌ لحَلالٍ، فلا يُثبِتُ تَحريمًا كما لو حَرَّمَ طَعامَه، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وحُكيَ أنَّ ظاهرَ كَلامِ أبي بَكرٍ أنها لا تُمكِّنُه قبلَ التكفيرِ؛ إلحاقًا بالرَّجلِ.

وليسَ ذلكَ بجيِّدٍ؛ لأنَّ الرَّجلَ الظِّهارُ منه صَحيحٌ، ولا يَصحُّ ظِهارُ المرأةِ، ولأنَّ الحِلَّ حقُّ الرَّجلِ، فملَكَ رفْعَه، والحِلُّ حقٌّ عليها، فلا تَملكُ إزالَتَه (١).

وذهَبَ الإمامُ أبو يُوسفَ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ عليها كفَّارةَ يَمينٍ، بمَنزلةِ مَنْ حرَّمَ على نفسِه شَيئًا مثلَ الطَّعامِ وما أشبَهَه، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وهذا أقيَسُ على مَذهبِ أحمَدَ وأشبَه بأصُولِه؛ لأنه ليسَ بظِهارٍ، ومُجرَّدُ القَولِ مِنْ المُنكَرِ والزُّورِ لا يُوجِبُ كفَّارةَ الظهارِ، بدَليلِ سائرِ الكَذبِ والظِّهارِ قبلَ العَوْدِ والظهارِ مِنْ أمَتِه وأمِّ ولَدِه، ولأنه تَحريمٌ لا يُثبِتُ التحريمَ في المَحلِّ، فلمْ يُوجِبْ كفَّارةَ الظهارِ كتَحريمِ سائرِ الحَلالِ، ولأنه ظِهارٌ مِنْ غيرِ امرَأتِه، فأشبَهَ الظهارَ مِنْ أمَتِه، وما رُويَ عن عائِشةَ بنتِ طَلحةَ

(١) «المغني» (٣/ ٣٥)، و «الكافي» (٣/ ٢٥٩)، و «الإنصاف» (٩/ ٢٠٠، ٢٠١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٤٣٢، ٤٣٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٤٥٠، ٥٤١)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٥١١)، و «منار السبيل» (٣/ ١٣٦، ١٣٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الظهار
١٣٢٥ - مسألة؛ قال: (وإذا قالت المرأة لزوجها: أنت على كظهر أبى. لم تكن مظاهرة، ولزمتها كفار

والنَّخَعِىِّ، وعبد اللَّه بن أُذَيْنَةَ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والأَوْزاعِىِّ، والشَّافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ. ورَوَى الخَلّالُ، عن الصَّلْتِ بن دِينارٍ، قال: سألتُ عشرةً مِن الفقهاء عن المُظاهِرِ يُجامِعُ قبلَ أَنْ يُكَفِّر؟ قالوا: ليس عليه إلَّا كَفَّارَةٌ واحدةٌ. الحسن ، وابن سِيرِينَ، وبَكْر المُزَنِىّ، ومُوَرَّق العِجْلِىّ، وعطاء، وطاوُس، ومُجاهِد، وعِكْرِمَة، وقَتادَة، وقال وَكِيعٌ : وأظُنُّ العاشِرَ نافعًا. وحُكِىَ عن عمرو بن العاصِ، أَنَّ عليه كفَّارَتَيْنِ. ورُوِىَ ذلك عن قَبِيصةَ، وسعيدِ بن جُبَيْر، والزُّهْرِىِّ، وقَتَادَةَ؛ لأنَّ الوَطْءَ يُوجِبُ كَفَّارَةً، والظِّهارُ مُوجِبٌ لأُخْرَى . وقال أبو حنيفةَ: لا تَثْبُتُ الكفارةُ فى ذِمَّتِه، وإنَّما هى شَرْطٌ للإِباحةِ بعدَ الوَطْءِ. كما كانت قبلَهْ. وحُكِىَ عن بعضِ النَّاسِ أَنَّ الكفَّارةَ تَسْقُط؛ لأنَّه فاتَ وقتُها؛ لكَوْنِها وَجَبَتْ قبلَ المَسِيسِ. ولَنا، حديثُ سَلَمَةَ بن صَخْر حِينَ ظاهَرَ ثم وَطِئَ قبلَ التَّكْفِيرِ، فأمَرَه النَّبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِكَفّارةٍ واحدةٍ . ولأنَّه وُجِدَ الظِّهارُ والعَوْدُ، فيدخلُ فى عُمومِ قوله: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} . فأمَّا قولُهم: فاتَ وقتُها. فَيَبْطُل بما ذكرْناه، وبالصَّلاةِ، وسائرُ العباداتِ يَجِبُ قضاؤُها بعدَ فَواتِ وقتِها.

١٣٢٥ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَتِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا: أنْتَ عَلَىَّ كَظَهْرِ أبِى. لَمْ تَكُنْ مُظاهِرَةً، وَلَزِمَتْهَا كَفَّارَةُ الظِّهَارِ؛ لأنَّهَا قَدْ أتَتْ بِالْمُنْكَرِ مِنَ الْقَوْلِ وَالزُّورِ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 379 - 383

ارجع إلى أركان الظهار للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل