الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الظهار > الركن الثالث: الصيغة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 32 دقيقة قراءةالرُّكنُ الثالِثُ: الصِّيغةُ:
الظِّهارُ لا يقَعُ إلا بصِيغةٍ، وهذه الصِّيغةُ إمَّا أنْ تكونَ صَريحةً أو كِنايةً، والصيغةُ إما أنْ تقَعَ مُنجَّزةً أو مُعلَّقةً أو مُضافةً.
أولاً: صَريحُ الظِّهارِ وكِنايتُه:
أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عَليَّ كظَهرِ أمِّي» كانَ مُظاهِرًا، وأنَّ هذا اللفظَ صَريحٌ في الظهارِ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّ صَريحَ الظِّهارِ أنْ يَقولَ الرَّجلُ لامرَأتِه: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» (١).
وقَد ذكَرَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ صِيَغًا صَريحةً في الظِّهارِ لا تَفتقرُ إلى نيَّةٍ، وصِيغَ كِناياتٍ تَفتقرُ إلى نيَّةٍ، فإنْ نَوى بها الظهارَ صارَ مُظاهِرًا، وإنْ لم يَنوِ بها فلا يَكونُ مُظاهِرًا كما في سائرِ الكِناياتِ.
قالَ الحَنفيةُ: الصِّيغةُ -وهي رُكنُ الظِّهارِ عندَهم-: أنْ يَقولَ الرَّجلُ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أُمِّي، أو كبَطنِ أمِّي، أو كفَخذِها، أو كفَرجِها» فهو مُظاهِرٌ، وكذا إذا شبَّهَها بعُضوٍ مِنْ أمِّه لا يَجوزُ النَّظرُ إليه فهو كتَشبيهِه بظَهرِها، وكذلكَ إذا شبَّهَها بمَن لا يَحلُّ له مُناكَحتُها على التأبيدِ مِنْ ذَواتِ مَحارمِه مثلَ أُختِه أو عمَّتِه أو أمِّه مِنْ الرَّضاعةِ أو أُختِه مِنْ الرَّضاعةِ؛ لأنهنَّ حَرامٌ على التأبيدِ.
(١) «الإجماع ص (٨٤).
وإذا قالَ لها: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّكِ» كانَ مُظاهِرًا، سَواءٌ كانَتْ مَدخولًا بها أم لا.
وإنْ قالَ: «أنتِ عليَّ كظَهرِ ابنَتِكِ» إنْ كانَتْ مَدخولًا بها كانَ مُظاهِرًا، وإلا فلا.
وكذا إذا شبَّهَها بامرأةِ أبيه أو امرَأةِ ابنهِ كانَ مُظاهِرًا؛ لأنهُما حَرامٌ عليه على التأبيدِ.
وكذا إنْ قالَ: «رأسُكِ عليَّ كظَهرِ أمِّي، أو فَرجُكِ، أو وَجهُكِ، أو بَدنُكِ، أو رَقبتُكِ، أو نِصفُكِ، أو ثُلثُكِ، أو عُشرُكِ» كانَ مُظاهِرًا؛ لأنه يُعبَّرُ بهذهِ الأشياءِ عن جَميعِ البَدنِ.
وإنْ شبَّهَها بامرأةٍ مُحرَّمةٍ عليه في الحالِ وهي تَحلُّ له في حالٍ آخَرَ مثلَ أُختِ امرَأتِه أو امرأةٍ لها زَوجٌ أو مَجوسيَّةٍ لم يَكنْ مُظاهِرًا، وكذا إنْ شبَّهَها بامرأةٍ فُرِّقَ بينَه وبينَها بلِعانٍ لا يَكونُ مُظاهرًا.
وإنْ قالَ: «أنتِ عليَّ مثلُ أمِّي، أو كأمِّي» رُجعَ إلى نيَّتِه عندَ أبي حَنيفةَ، فإنْ أرادَ الإكرامَ فليسَ بشَيءٍ، وإنْ أرادَ الطلاقَ أو الظِّهارَ فهو كما نَوى، وإنْ أرادَ التَّحريمَ فهو إيلاءٌ.
وقالَ أبو يُوسفَ: هو تَحريمٌ؛ لأنَّ الظاهِرَ مِنْ التَّشبيهِ التَّحريمُ، وأدناهُ الإيلاءُ.
وقالَ مُحمدٌ: هو ظِهارٌ.
وليسَ كذلكَ إذا قالَ: «أنتِ عَليَّ كفَرجِ أمِّي»؛ لأنَّ التَّشبيهَ بالكَرامةِ لا يَكونُ بالفَرجِ، فلم يَبقَ إلا التحريمُ.
وإنْ قالَ: «أردْتُ الظِّهارَ» فهو ظِهارٌ؛ لأنه تَشبيهٌ بجَميعِها وفيه تَشبيهٌ بالظَّهرِ، لكنَّه ليسَ بصَريحٍ فيَفتقرُ إلى النِّيةِ.
وإنْ قالَ: «أردْتُ الطلاقَ» فهو طلاقٌ بائِنٌ؛ لأنه تَشبيهٌ بالأمِّ في التحريمِ، فكأنهُ قالَ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» ونَوى الطلاقَ.
وإنْ لم يَكنْ له نيَّةٌ فليسَ بشَيءٍ، هذا عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ؛ لأنه يَحتملُ الحَملَ على الكَرامةِ، فلم يَكنْ ظِهارًا.
وقالَ مُحمدٌ: يَكونُ ظِهارًا؛ لأنَّ التشبيهَ بعُضوٍ مِنها لمَّا كانَ ظِهارًا فالتَّشبيهُ بجَميعِها أَولى.
وإنْ قالَ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ كأمِّي» ونَوى ظِهارًا أو طَلاقًا فهو على ما نَوى؛ لأنه يَحتملُ الظِّهارَ لمَكانِ التَّشبيهِ، ويَحتملُ الطلاقَ لمَكانِ التَّحريمِ، وإنْ نَوى التحريمَ لا غيرَ كانَ ظِهارًا أيضًا، وإنْ لم يَكنْ له نيَّةٌ فعلى قَولِ أبي يُوسفَ يَكونُ إيلاءً، وعلى قَولِ مُحمدٍ ظِهارًا.
وإنْ قالَ: «أنتِ عَليَّ حَرامٌ كظَهرِ أمِّي» فهو ظِهارٌ عندَ أبي حَنيفةَ، سَواءٌ نَوى ظِهارًا أو إيلاءً أو طلاقًا أو تَحريمًا مُطلَقًا أو لم يَنوِ شَيئًا؛ لأنه صَريحٌ في الظِّهارِ، فلا يَحتملُ غيرَه.
وعندَهُما: إنْ نَوى طلاقًا فهو طَلاقٌ، وإنْ قالَ: «أنتِ أمِّي» فهو كَذبٌ (١).
الصِّيغةُ عندَ المالِكيةِ: صِيغةُ الظِّهارِ الدَّالةُ عليهِ: وهيَ إمَّا صَريحةٌ فيه، وإمَّا كِنايةٌ، والكِنايةُ إما ظاهِرةٌ لا تَنصرفُ عنه إلا بنيَّةٍ، وإما خَفيةٌ لا تُعتبَرُ فيه إلا بنيَّةٍ.
فصَريحُ الظِّهارِ -أي: صَريحُ اللَّفظِ الدَّالُ عليه بالوَضعِ الشَّرعيِّ بلا احتِمالِ غيرِه- بلَفظِ ظَهرِ امرأةٍ مُؤبَّدٍ تَحريمُها بنَسبٍ أو رِضاعٍ أو صِهرٍ، فلا بُدَّ في الصريحِ مِنْ الأمرَينِ، أي: ذِكرُ الظَّهرِ ومُؤبَّدةُ التحريمِ، ك: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي، أو أُختي مِنْ الرِّضاعِ، أو أمِّكِ».
ولا يَنصرفُ صَريحُ الظِّهارِ للطلاقِ إنْ نَوى الطلاقَ، فمَن قالَ: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» ونحوه ونَوى بهِ الطلاقَ فلا يَنصرفُ إلى الطلاقِ ولو قالَ: «أردْتُ بهِ الطلاقَ ولم أُرِدْ به الظِّهارَ»؛ لأنَّ صَريحَ كلِّ بابٍ لا يَنصرفُ لغَيرِه، ولا يُؤاخَذُ بالطلاقِ معَ الظهارِ لا في الفَتوى ولا القَضاءِ على المَشهورِ مِنْ المَذهبِ.
وكِنايتُه الظاهِرُة: وهي ما سقَطَ فيهِ أحَدُ اللَّفظَينِ -أي: لَفظُ ظَهرٍ أو لفظُ مُؤبَّدةِ التَّحريمِ-، فالأولُ نحوُ: «أنتِ كأمِّي، أو أنتِ أمِّي» بحَذفِ أداةِ
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٢٩)، و «الهداية» (٢/ ١٨)، و «الاختيار» (٣/ ١٩٩)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥٣٤، ٥٣٨)، و «اللباب» (٢/ ١٢٣، ١٢٤)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ٥٠٧).
التشبيهِ فهو ظِهارٌ، إلا لقَصدِ كَرامةٍ، أي: «أنتِ مِثلُها في المَنزلةِ والتَّكريمِ عِندي» ونَحوها كالشَّفقةِ والحَنانِ مِنها، وكذا إنْ كنَّى به عنِ الإهانةِ والتَّوبيخِ فلا يَكونُ ظِهارًا.
الثاني: كقَولِه: «أنتِ كظَهرِ ذَكرٍ -كزَيدٍ أو عَمرٍو-، أو كظَهرِ أبي، أو ابنِي»، أو أجنَبيةٍ يَحِلُّ وَطؤُها في المُستقبَلِ بنِكاحٍ أو مِلكٍ، فالمُرادُ بالأجنَبيةِ غيرُ المَحرَمِ والزوجةِ والأمَةِ ك: «أنتِ عليَّ كظَهرِ فُلانةَ» وليسَتْ مَحرَمًا ولا حَليلةً له.
أو عبَّرَ بجُزءٍ كقَولِه: «يَدُكِ، أو رأسُكِ، أو شَعرُكِ كأمِّي، أو مثلَ يَدِ أمِّي، أو رأسِها أو شَعرِها»، ويَنوي في الكِنايةِ الظاهرةِ بقِسمَيها، فتُقبلُ نيَّتُه في قِسمَي الكِنايةِ الظاهرةِ -وهُمَا ما إذا أسقَطَ لفْظَ الظَّهرِ، أو أسقَطَ مُؤبَّدةَ التحريمِ- في قَصدِ الطلاقِ.
فإنْ نَوى الظِّهارَ أو لا نيَّةَ له فظِهارٌ لا طَلاقٌ، وإنْ نَوى بها الطلاقَ فالبَتاتُ يَلزمُه في المَدخولِ بها وغيرِها، إنْ لم يَنوِ في غيرِ المَدخولِ بها أقَلَّ مِنْ الثلاثِ، فإنْ نَوى الأقَلَّ لَزمَه فيها ما نَواهُ، بخِلافِ المَدخولِ بها، فإنه يَلزمُه فيها البَتاتُ ولا يُقبَلُ منه نِيةُ الأقَلِّ.
ولُزومُ البَتاتِ كقَولِه: «أنتِ كفُلانةَ الأجنَبيةِ» أو: «هي أجنَبيةٌ»؛ إذ لَفظُ الأجنَبيةِ ليسَ مِنْ جُملةِ لَفظِه، أو: «أنتِ كَابنِي، أو غُلامِي أو غُلامِ زَيدٍ»، أو ككُلِّ شَيءٍ حرَّمَه الكِتابُ نَحوُ: «أنتِ كالخَمرِ، أو كالمَيتةِ، أو الدَّمِ، أو لَحمِ
الخِنزيرِ»، فيَلزمُه في ذلكَ كلِّه البَتاتُ، إلا أنْ يَنويَ في غيرِ مَدخولٍ بها الأقَلَّ، والمَوضوعُ أنه لم يَذكُرْ لفْظَ «ظَهرٍ» ولا «مُؤبَّدةِ تَحريمٍ»، وإلا كانَ ظِهارًا إذا لم يَنوِ بهِ الطلاقَ كما تقدَّمَ، فتَكونُ هذهِ مِنْ كِناياتِ الطلاقِ لا الظهارِ.
وإلزامُه البَتاتَ مُقيَّدٌ بما إذا لَم يكنْ له نيَّةٌ، أو كانَتْ له وقَد قامَتْ عليهِ بذلكَ بيَّنةٌ، أمَّا إذا جاءَ مُستفتِيًا فإنه يُصدَّقُ إنِ ادَّعى أنه نَوى الظهارَ بالألفاظِ المَذكورةِ، فيُصدَّقُ ويَلزمُه الظهارُ، أما في القِضاءِ فيَلزمُه الظهارُ والطلاقُ الثلاثُ في المَدخولِ بها كغَيرِها، إلا أنْ يَنويَ أقَلَّ مِنْ الثلاثِ فيَلزمُه ما نَواهُ مِنْ الطلاقِ معَ الظهارِ، فإذا تَزوَّجَها بعدَ زَوجٍ فلا يَقربُها حتى يُكفِّرَ.
والكِنايةُ الخَفيَّةُ: وهي ما لا تَنصرفُ له أو للطلاقِ إلا بالقَصدِ، فيَلزمُ الظهارُ بأيِّ كَلامٍ نَوى بهِ الظهارَ، ك: «انصَرفِي، واذَهبِي، وكُلِي، واشَربِي»، كما أنه لو نَوى بهِ الطلاقَ لَزمَه الطلاقُ، وإنْ لم يَنوِ شَيئًا فلا شَيءَ عليهِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: صَريحُ الظِّهارِ أنْ يَقولَ الزوجُ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ، أو مِنِّي، أو مَعِي، أو عِندِي، أو لَديَّ -أو نحوَ ذلكَ- كظَهرِ أمِّي»، وكذا «أنتِ كظَهرِ أمِّي»، وكذا قَولُه لها: «جِسمُكِ، أو بَدنُكِ، أو جُملَتُكِ، أو نَفسُكِ، أو ذاتُكِ كبَدنِ أمِّي، أو جِسمِها، أو جُملتِها، أو ذاتِها» صَريحٌ؛ لتَضمُّنِه الظَّهرَ.
(١) «التاج والإكليل» (٣/ ١٤١، ١٤٣)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٣٤٧، ٣٥٣)، و «شرح مختصر خليل» (٤/)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٦٨، ٣٧١)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٢٦٦، ٢٧١)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٤٧٧، ٤٨٠).
والأظهَرُ الجَديدُ: أنَّ قولَه لها: «أنتِ عَليَّ كيَدِها، أو بَطنِها، أو صَدرِها» ونَحوِها مِنْ الأعضاءُ التي لا تُذكَرُ في مَعرضِ الكَرامةِ والإعزازِ ممِّا سِوى الظَّهرِ ظِهارٌ؛ لأنه عُضوٌ يَحرمُ التَّلذذُ به، فكانَ كالظَّهرِ.
والثاني: أنه ليسَ بظِهارٍ؛ لأنه ليسَ على صُورةِ الظِّهارِ المَعهودةِ في الجَاهليةِ.
وكذا قَولُه: «أنتِ عَليَّ كعَينِها، أو رَأسِها» أو نحوِ ذلكَ ممَّا يَحتملُ الكَرامةَ -كقَولِه: «أنتِ كأمِّي، أو رُوحِها، أو وَجهِها» - ظِهارٌ إنْ قصَدَ ظِهارًا، أي نَوى أنها كظَهرِ أمِّه في التحريمِ، وإنْ قصَدَ كَرامةً فلا يكونُ ظِهارًا؛ لأنَّ هذهِ الألفاظَ تُستعمَلُ في الكَرامةِ والإعزازِ.
وكذا لا يَكونُ ظِهارًا إنْ أطلَقَ في الأصَحِّ؛ حَملًا على الكَرامةِ؛ لاحتِمالِها.
والثاني: يُحمَلُ على الظِّهارِ؛ لأنَّ اللَّفظَ صَريحٌ في التَّشبيهِ ببَعضِ أجزاءِ الأمِّ.
وقَولُه لها: «رأسُكِ، أو ظَهرُكِ، أو يَدُكِ، أو رِجلُكِ، أو بَدنُكِ، أو جِلدُكِ، أو شَعركِ -أو نَحوِ ذلكَ- عليَّ كظَهرِ أمِّي» ظِهارٌ في الأظهَرِ، وكذا إنْ مثَّلَ بالجُزءِ الشائعِ كالنصفِ والرُّبعِ.
والثاني: ليسَ بظِهارٍ؛ لأنه ليسَ على صُورةِ الظهارِ المَعهودةِ في الجَاهليةِ.
والتَّشبيهُ بالجَدَّةِ مِنْ الجِهتَينِ وإنْ بَعُدَتْ -كقَولِه: «أنتِ عليَّ كظَهرِ جَدَّتي» ظِهارٌ؛ لأنها تُسمَّى أمًّا ولها وِلادةٌ وتُشارِكُ الأمَّ في العِتقِ وسُقوطِ القوَدِ ووُجوبِ النَّفقةِ.
والمَذهبُ: طَرْدُه في كلِّ مَحرَمٍ مِنْ نسَبٍ أو رَضاعٍ أو مُصاهَرةٍ وقَعَ التشبيهُ بها ولم يَطرأْ تَحريمُها على المُظاهِرِ، بأنْ لم تَزَلْ مُحرَّمةً عليه كبِنتِه وأُختِه مِنْ النَّسبِ ومُرضِعةِ أمِّه أو أبيهِ؛ لمُساواتِهنَّ الأمَّ في التحريمِ المُؤبَّدِ.
والثاني: المَنعُ؛ لوُرودِ النصِّ في الأمِّ.
لا مُرضِعةٌ للمُظاهِرِ وزَوجةُ ابنِ له؛ لأنهُما كانَتَا حَلالًا له في وقتٍ، فيُحتملُ إرادَتُه.
وأمَّا بِنتُ مُرضِعتِه فإنْ ولَدَتْ بعدَ ارتِضاعِه فهي لم تَحِلَّ له في حالةٍ مِنْ الحالاتِ، بخِلافِ المَولودةِ قبلَه، وكالمَولودةِ بعدَه المَولودةُ معهُ.
ولو شبَّهَ زَوجتَه بأجنَبيةٍ ومُطلَّقةٍ وأُختِ زَوجةٍ وأبٍ للمُظاهِرِ ومُلاعَنةٍ له فلَغوٌ هذا التشبيهُ؛ لأنَّ الثلاثةَ الأُوَلَ يُشبِهْنَ الأمَّ في التحريمِ المُؤبَّدِ، والأبُ أو غيرُه مِنْ الرِّجالِ كالابنِ والغُلامِ ليسَ مَحلًّا للاستِمتاعِ، والخُنثى هُنا كالذَّكرِ؛ لِمَا ذُكِرَ، والمُلاعَنةُ وإنْ كانَ تَحريمُها مُؤبَّدًا ليسَ للمَحرَميَّةِ والوَصلةِ، وكذا لو شبَّهَها بمَجوسيةٍ أو مُرتدَّةٍ، وهذا كلُّه في تَنجيزِ الظهارِ، وأما تَعليقُه فسَيأتي حُكمُه.
ومِن الكِنايةِ -وهو ما يَحتملُ الظهارَ وغيرَه- أنْ يَقولَ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ كأُمِّي، وأُختِي، أو: أنتِ عندِي مثلُ أُمِّي وأُختِي».
فإذا نطَقَ بمِثلِ هذهِ الألفاظِ فإنها تَنصرفُ إلى المَعنى الذي أرادَهُ عندَ التَّلفظِ بها.
فإنْ كانَ قصَدَ بها الظِّهارَ كانَ مُظاهِرًا، وإنْ كانَ قصَدَ بها تَشبيهَ زَوجتِه بأمِّه أو أُختِه في الكَرامةِ والتَّقديرِ لم يَكنْ مُظاهِرًا وليسَ عليهِ شَيءٌ أبدًا (١).
وقالَ الحَنابلةُ: ألفاظُ الظِّهارِ أنْ يقولَ زَوجٌ لامرأتِه: «أنتِ كظَهرِ أمِّي، أو أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي، أو أنتِ عليَّ كبَطنِ أمِّي، أو أنتِ عليَّ كيَدِ أمِّي، أو أنتِ عليَّ كرأسِ أمِّي، أو أنتِ عليَّ كيَدِ أُختِي، أو كوَجهِ حَماتي» ونَحوه.
أو يَقولَ: «ظَهرُكِ كظَهرِ أمِّي، أو بَطنِها» ونَحوه، أو يَقولَ: «يَدُكِ، أو رَأسُكِ، أو جِلدُكِ، أو فَرجُكِ عليَّ كظَهرِ أمِّي، أو كيَدِ أُختِي، أو عَمَّتي، أو خالَتي» مِنْ نَسبٍ أو رَضاعٍ في الكُلِّ.
وإنْ قالَ: «أنتِ، أو يَدُكِ -ونَحوِها- عليَّ كشَعرِ أُمِّي، أو كسِنِّها، أو كظُفْرِها» فليسَ بظِهارٍ؛ لأنها ليسَتْ مِنْ الأعضاءِ الثابتةِ.
(١) «البيان» (١٠/ ٣٣٥، ٣٣٨)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٥٧٩، ٥٨١)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٤٩، ٥٣)، و «كنز الراغبين» (٤/ ٣٥، ٣٦)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٣٣، ٣٧)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٦٥٥، ٦٥٩)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٩٥، ٩٧)، و «الديباج» (٣/ ٥٠٣، ٥٠٧).
أو شبَّهَ شَيئًا مِنْ الظُّفرِ والشَّعرِ والسِّنِّ ونَحوِها مِنْ امرَأتِه بأمِّه أو بعُضوٍ مِنْ أعضائِها بأنْ قالَ: «شَعرُ امرَأتي، أو سِنُّها، أو ظُفرُها عليَّ كأمِّي، أو كظَهرِها» أو قالَ: «كرُوحِ أمِّي، أو عَرقِها، أو رِيقِها، أو دَمعِها، أو دَمِها» فليسَ بظِهارٍ؛ لِمَا سبَقَ.
أو قالَ: «وَجهي مِنْ وَجهِكِ حَرامٌ» فليسَ بظِهارٍ، بل لَغوٌ، لأنه يُستعمَلُ كَثيرًا في غيرِ الظِّهارِ ولا يُؤدِّي مَعناهُ.
وإنْ قالَ: «أنا مُظاهِرٌ» فلَغوٌ، أو قالَ: «عَليَّ الظهارُ، أو عَليَّ الحَرامُ، أو الحَرامُ لي لازمٌ» فلَغوٌ، إلا معَ نيَّةٍ أو قَرينةٍ تَدلُّ على الظهارِ؛ لأنه نَوى الظِّهارَ بما يَحتمِلُ لفْظَه، فكانَ ظِهارًا.
وكذا «أنا عَليكِ حَرامٌ» يَكون ظِهارًا معَ نيَّةٍ أو قَرينةٍ؛ لأنَّ تَحريمَ نفسِه عليها يَقتضِي تَحريمَ كلِّ واحِدٍ مِنهُما على الآخَرِ.
أو قالَ: «أنا عليكِ كظَهرِ رَجلٍ» يَكونُ ظِهارًا معَ نيَّةٍ أو قَرينةٍ؛ لأنَّ تَشبيهَ نفسِه بغَيرِه مِنْ الرِّجالِ يَلزمُ منه تَحريمُها عليهِ كما تَحرمُ على ذلكَ الغَيرِ، فيَكونُ ظِهارًا كما لو شبَّهَها بمَن تَحرمُ عليهِ، فإنْ لم تَكنْ نيَّةٌ ولا قَرينةٌ فلَغوٌ.
ويُكرَهُ أنْ يُناديَ الرَّجلُ امرَأتَه بمَن تَحرمُ عليه، كقَولِه لها: «يا أُختِي، يا ابنَتِي» ونَحوه؛ لِمَا رُويَ «أنَّ رَجلًا قالَ لامرَأتِه: «يا أُخيَّةُ» فقالَ النبيُّ
ﷺ: «أُختُكَ هيَ؟ فكَرِهَ ذلكَ ونَهى عنه» (١)؛ لأنه لَفظٌ يُشبهُ الظهارَ، ولا يَثبتُ به حُكمُ الظهارِ؛ لأنه ليسَ صَريحًا في الظِّهارِ وما نَواهُ بهِ، وكذا نِداؤُها له يا أخاها ونحوه.
وإنْ قالَ لامرَأتِه: «أنتِ عِنْدِي كأمِّي، أو مِثلُ أمِّي» أو قالَ: «أنتِ مِنِّي كأمِّي، أو مثلَ أمِّي» أو قالَ: «أنتِ عليَّ كأُمِّي» كانَ مُظاهِرًا؛ لأنه شبَّهَ امرأتَه بأمِّه، أشبَهَ ما لو شبَّهَها بعُضوٍ مِنْ أعضائِها، وسَواءٌ نَوى بهِ الظهارَ أو أطلَقَ؛ لأنه الظاهرُ مِنْ اللَّفظِ.
وإنْ قالَ: «أردْتُ كأمِّي في الكَرامةِ» قُبِلَ حُكمًا؛ لأنه ادَّعى بلَفظِه ما يَحتملُه فقُبِلَ.
وإنْ قالَ: «أنتِ كظَهرِ أمِّي طالقٌ» وقَعَ الظهارُ والطلاقُ معًا؛ لأنه أتى بصَريحِهما، وسَواءٌ كانَ الطلاقُ بائِنًا أو رَجعيًّا، و «أنتِ طالقٌ كظَهرِ أمِّي» طَلُقَتْ؛ لأنه أتى بصَريحِ الطلاقِ، ولم يَكنْ ظِهارًا؛ لأنه أتَى بصَريحِ الطلاقِ أولًا وجعَلَ قَولَه: «كظَهرِ أمِّي» صِفةً له، فأشبَهَ ما لو نَوى بهِ تأكيدَه، إلا أنْ يَنويَه -أي الظهارَ- كانَ الطلاقُ رَجعيًّا وجعَلَها في «المُنتَهى» كالتي قبْلَها.
فإنْ نَواهُ -أي الظِّهارَ- وكانَ الطلاقُ بائِنًا فكالظهارِ مِنْ الأجنَبيةِ؛ لأنه أتَى بالظِّهارِ بعدَ بَينونتِها كالطلاقِ.
وإنْ كانَ الطلاقُ رَجعيًّا كانَ ظِهارًا صَحيحًا؛ لأنَّ الرَّجعيةَ زَوجةٌ.
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٢٢١٠).
وقَولُه لامرَأتِه: «أنتِ أمِّي، أو كأمِّي، أو مثلَ أمِّي» أو قَولُه: «امرَأتي أمِّي» ليسَ بظِهارٍ؛ لأنَّ هذا اللَّفظَ ظاهِرٌ في الكَرامةِ، فتَعيَّنَ حَملُه عليه عندَ الإطلاقِ، ولأنه ليسَ بصَريحٍ فيه؛ لكَونِه غيرَ اللفظِ المُستعمَلِ فيه، كما لو قالَ: «أنتِ كَبيرةٌ مثلَ أمِّي»، إلا أنْ يَنوي الظهارَ أو يُقرِنَ بهذا اللَّفظِ ما يَدلُّ على إرادةِ الظهارِ؛ لأنَّ النِّيةَ تُعيِّنُ اللَّفظِ في المَنْويِّ، والقَرينةُ شَبيهةٌ بها.
وإنْ قالَ: «أمِّي امرَأتي، أو أمِّي مثلُ امرَأتي» لم يَكنْ مُظاهِرًا؛ لأنَّ اللفظَ لا يَصلحُ للظِّهارِ.
وقَولُه لامرَأتِه: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أبي» أو كظَهرِ غيرِه مِنْ الرِّجالِ الأقارِبِ أو الأجانِبِ، أو قالَ: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أجنَبيةٍ، أو كظَهرِ أُختِ زَوجتِي، أو عمَّتِها، أو خالَتِها» ونحوه ظِهارٌ؛ لأنه شبَّهَها بظَهرِ مَنْ تَحرمُ عليه، أشبَهَ ظَهْرَ الأمِّ، وكذا إنْ شبَّهَها بالمَيتةِ.
ولو قالَ: «أنتِ عليَّ كظَهرِ البَهيمةِ» فلا ظِهارَ؛ لأنه ليسَ مَحلًّا للاستِمتاعِ.
أو قالَ: «أنتِ حَرامٌ إنْ شاءَ اللهُ» فلا ظِهارَ، وكذا لَو قدَّمَ الاستِثناءَ كقَولِه: «واللهِ لا أفعَلُ كذا إنْ شاءَ اللهُ» بجامِعِ أنها يَمينٌ مُكفّرةٌ.
و «أنتِ عليَّ حَرامٌ» ظِهارٌ ولو نَوى طَلاقًا فقطْ أو معَ ظِهارٍ أو نَوى يَمينًا؛ لأنه تَحريمٌ أوقَعَه على الزوجةِ، فكانَ ظِهارًا كتَشبيهِها بظَهرِ أمِّه.
وإنْ قالَ ذلكَ -أي أنتِ عليَّ حَرامٌ- لمُحرَّمةٍ عليهِ بحَيضٍ أو نَحوِه كنِفاسٍ أو إحرامٍ ونَوى الظهارَ فظِهارٌ؛ لأنَّ اللفظَ يَصلحُ لهُ.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل ركن النكاح
فَرْضٌ أَوْ وَاجِبٌ عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ احْتَجَّ بِالْأَوَامِرِ الْوَارِدَةِ فِي بَابِ النِّكَاحِ وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لِلْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ قَطْعًا، وَالنِّكَاحُ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ النَّاسِ لَوْ تَرَكَهُ لَا يَأْثَمُ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ عَلَى طَرِيقِ الْكِفَايَةِ، فَأَشْبَهَ الْجِهَادَ، وَصَلَاةَ الْجِنَازَةِ، وَرَدَّ السَّلَامِ.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب اللعان
الفصل الثالث في صفة اللعان
يَجِبُ فِي قَذْفِهِ الْحَدُّ، إِذْ كَانَ اللِّعَانُ إِنَّمَا وُضِعَ لِدَرْءِ الْحَدِّ مَعَ نَفْيِ النَّسَبِ، وَرُبَّمَا احْتَجُّوا بِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا لِعَانَ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ: الْعَبْدَيْنِ، وَالْكَافِرَيْنِ» ، وَالْجُمْهُورُ يَرَوْنَ أَنَّهُ يَمِينٌ، وَإِنْ كَانَ يُسَمَّى شَهَادَةً، فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا أَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْيَمِينِ فَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا} المنافقون: ١ الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} المنافقون: ٢ .
وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ لِعَانِ الْأَعْمَى، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَخْرَسِ، فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يُلَاعِنُ الْأَخْرَسُ إِذَا فُهِمَ عَنْهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُلَاعِنُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الْعَقْلَ، وَالْبُلُوغَ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي صِفَةِ اللِّعَانِ
ِ. فَأَمَّا صِفَةُ اللِّعَانِ فَمُتَقَارِبَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ كَبِيرُ خِلَافٍ، وَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ مَا تَقْتَضِيهِ أَلْفَاظُ الْآيَةِ، فَيَحْلِفُ الزَّوْجُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهَا تَزْنِي، وَأَنَّ ذَلِكَ الْحَمْلَ لَيْسَ مِنِّي، وَيَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ تَشْهَدُ هِيَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِنَقِيضِ مَا شَهِدَ هُوَ بِهِ، ثُمَّ تُخَمِّسُ بِالْغَضَبِ، هَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ارجع إلى أركان الظهار للاطلاع على جميع المسائل.