قول الزوج: «أنت علي حرام»

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الظهار > قول الزوج: «أنت علي حرام»

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 27 دقيقة قراءة

قول الزوج: «أنت علي حرام» - الأقوال والأدلة

قَولُ الزَّوجِ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ»:

اختَلفَ الفُقهاءُ في قَولِ الرَّجلِ لزَوجتهِ: «أنتِ عَليَّ حَرامٌ» هل يُعتبَرُ هذا القَولُ طَلاقًا؟ أم ظِهارًا؟ أم يَمينًا فيهِ الكفَّارةُ؟ أم لا يُحسَبُ شَيئًا أصلًا؟ أم يُحسَبُ حسَبَ نيَّتهِ؟

فذهَبَ الحَنفيَّةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عَليَّ حَرامٌ، أو قَدْ حرَّمتُكِ عَليَّ، أو أنا عَليكِ حَرامٌ، أو قَدْ حرَّمْتُ نَفسِي عَليكِ، أو أنتِ مُحرَّمةٌ عَليَّ» فهو كلُّه سَواءٌ، ويُسألُ عَنْ نيَّتِه؛ لأنه تكلَّمَ بكَلامٍ مُبهَمٍ مُحتمِلٍ لِمَعانٍ، وكَلامُ المُتكلِّمِ مَحمُولٌ على مُرادِه، ومُرادُه إنَّما يُعرَفُ مِنْ جِهتِه، فيُسألُ عَنْ نيَّتِه.

فإنْ قالَ: «نَوَيتُ الطلاقَ» فهي تَطليقةٌ بائِنةٌ إلا أنْ يَنويَ الثَّلاثَ، فإنْ نَوى ثَلاثًا فثَلاثٌ، وإنْ نَوى واحِدةً فواحِدةٌ، وإنْ نَوى ثِنتَينِ فواحِدةٌ بائِنةٌ؛ لأنَّ قولَه: «حَرامٌ» كِنايةٌ، والكِنايةُ يُرجَعُ فيها إلى نيَّتِه.

وإنْ قالَ: «أردْتُ الظهارَ فهو ظِهارٌ عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ؛ لأنه وصَفَها بالتَّحريمِ، وفي الظِّهارِ نَوعُ تَحريمٍ، والمُطلَقُ يُحمَلُ على المُقيَّدِ إذا نَواهُ؛ لأنه وصَفَها بكَونِها مُحرَّمةً، والمَرأةُ تارةً تكونُ مُحرَّمةً بالطلاقِ، وتَارةً تكونُ مُحرَّمةً بالظِّهارِ، فأيَّ ذلكَ نَوى فقَدْ نَوى ما يَحتمِلُه كَلامُه فيُصدَّقُ فيهِ.

وقالَ مُحمدٌ: لا يَكونُ ظِهارًا؛ لانعِدامِ التَّشبيهِ بالمَحارمِ؛ لأنَّ الظِّهارَ تَشبيهُ الحلالِ بالحَرامِ، والتَّشبيهُ لا بُدَّ لهُ مِنْ حَرفِ التَّشبيهِ ولم يُوجَدْ، فلا يَكونُ ظِهارًا.

وإنْ قالَ: «أردْتُ التَّحريمَ، أو لمْ أُرِدْ بهِ شَيئًا» فهو يَمينٌ يَصيرُ بها مُوليًا؛ لأنَّ الأصلَ في تَحريمِ الحَلالِ إنَّما هوَ اليَمينُ، فإنْ قالَ: «أردْتُ التَّحريمَ» فقدْ أرادَ اليَمينَ، وإنْ قالَ: «لم أُرِدْ شَيئًا» لَم يُصدَّقْ في القَضاءِ؛ لأنَّ ظاهِرَ ذلكَ اليَمينُ، وإذا ثبَتَ أنه يَمينٌ كانَ بها مُوليًا، حتى لو ترَكَها أربَعةَ أشهُرٍ بانَتْ بتَطليقةٍ؛ لأنَّ الأصلَ في تَحريمِ الحَلالِ أنْ يكونَ يَمينًا.

وإنْ قالَ: «أردْتُ الكَذبَ» فليسَ بشَيءٍ وهو كما قالَ، ولا يكونُ إيلاءً؛ لأنه نَوى حَقيقةَ كَلامِه، وهذا فيما بينَه وبينَ اللهِ، أمَّا في القَضاءِ فلا يُصدَّقُ ويَكونُ يَمينًا؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ الحرامَ في الشَّرعِ يَمينٌ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] إلَى قَولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، قيلَ: نَزلَتِ الآيةُ في تَحريمِ جارِيتِه ماريةَ القبطيَّةِ لمَّا قالَ: «هي عَليَّ حَرامٌ»، وسمَّى اللهُ تَعالى ذلكَ يَمينًا بقَولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] أي: وسَّعَ اللهُ عَليكُم أو أباحَ لَكُمْ أنْ تُحِلُّوا مَنْ أيمانِكُم بالكَّفارَةِ، وفي بَعضِ القِراءاتِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ كَفَّارَةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، والخِطابُ عامٌّ يَتناوَلُ رَسولَ اللهِ وأمَّتهُ.

وكفَّارةُ اليَمينِ تَستَدعي وُجودَ اليَمينِ، فدَلَّ أنَّ هذا اللَّفظَ يَمينٌ في

الشَّرعِ، فإذا نَوى بهِ الكذِبَ لا يُصدَّقُ في إبطالِ اليَمينِ في القَضاءِ؛ لعُدولِه عنِ الظَّاهِرِ.

وقالَ في «اللُّبابِ»: قالَ في «الهِداية»: ومِنَ المَشايخِ مَنْ يَصرِفُ لفْظَ التَّحريمِ إلى الطَّلاقِ مِنْ غيرِ نيَّةٍ لحُكمِ العُرفِ، قالَ الإمامُ المَحبُوبِيُّ: وبهِ يُفتَى.

وقالَ نَجمُ الأئمَّةِ: قالَ أصحابُنا المُتأخِّرونَ: «الحَلالُ عَليَّ حَرامٌ، أو أنتِ عليَّ حَرامٌ، أو حَلالُ اللهِ عليَّ حَرامٌ، أو كُلُّ حَلالٍ عليَّ حَرامٌ» طلاقٌ بائِنٌ، ولا يَفتقِرُ إلى النَّيةِ؛ للعُرفِ، حتَّى قالُوا في قَولِ مُحمدٍ: (إنْ نَوى يَمينًا فهُوَ يَمينٌ، ولا تَدخُلُ امرأتُهُ إلَّا بالنِّيةِ، وهو على المأكُولِ والمَشروبِ): إنَّما أجابَ بهِ على عُرفِ دِيارِهم، أمَّا في عُرفِ بلادِنا فيُريدُونَ تَحريمَ المَنكُوحةِ فيُحمَلُ عليهِ. اه.

وفي «مُختارات النَّوازِلِ»: وقَد قالَ المُتأخِّرونَ: يَقعُ بهِ الطَّلاقُ مِنْ غَيرِ نيَّةٍ؛ لغَلبةِ الاستِعمالِ بالعُرفِ، وعليهِ الفَتوَى، ولهذا لا يَحلِفُ بهِ إلَّا الرِّجالُ، قُلتُ: ومِنَ الألفاظِ المُستعمَلةِ في مِصْرِنا وريفِنا: (الطَّلاقُ يَلزمُني) و (الحَرامُ يَلزمُني) و (عليَّ الطَّلاقُ) و (عليَّ الحَرامُ) كذا في «التَّصحِيح» (١).

(١) «اللباب» (٢/ ١١١، ١١٣)، ويُنظَر: المبسوط» (٦/ ٢٧٠، ٢٧٢)، و «تحفة الفقهاء» (٢/ ١٩٧)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ١٦٧، ١٦٩)، و «الهداية» (٢/ ١٣)، و «العناية» (٥/ ٣٦٢، ٣٦٣)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥١٠، ٥١٢)، و «اختلاف العلماء» (١/ ١٩٨).

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» تكونُ طالِقًا بالثَّلاثِ، ولا يُسألُ عن نيَّتِه؛ لِمَا رَواهُ مالِكٌ في «المُوطَّأ» أنَّه بلَغَه أنَّ عليَّ بنِ أبي طالِبٍ كانَ يقولُ في الرَّجُلِ يَقولُ لامرأتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» أنَّها ثلاثُ تَطليقاتٍ».

قالَ مالكٌ: وذلكَ أحسَنُ ما سَمِعتُ في ذلكَ (١).

وإذا قالَ لها قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» أنها ثلاثٌ، إلَّا أنْ يقولَ: «نَويتُ واحِدةً» في قولِ مالِكٍ، وقالَ عَبدُ العَزيزِ بنُ أبي سلَمةَ: هي واحِدةٌ إلَّا أنْ يقولَ: «أردْتُ ثلاثًا»، وقالَ عَبدُ المَلكِ بنُ الماجشُونِ: لا يَنوي فيها وهي ثلاثٌ على كُلِّ حالٍ كالمَدخولِ بها سَواءٌ.

جاءَ في «المُدَوَّنة الكُبْرَى»: (قُلتُ): أرَأيتَ الرَّجلَ إذا قالَ لامرأتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» هل تَسألُه عَنْ نيَّتِه أو عن شيءٍ مِنْ الأشياءِ؟ (قالَ): لا يُسألُ عن شيءٍ عِنْدَ مالكٍ، وهيَ ثلاثٌ ألبتَّةُ إنْ كانَ دخَلَ بها، (قُلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ لامرأتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» وقالَ: «لم أُرِدْ بهِ الطلاقَ، إنما أردْتُ بهذا القَولِ الظِّهارَ»؟ (قالَ): سَمعتُ مالِكًا يَقولُ في الَّذي يَقولُ لامرَأتِه: «أنتِ طالِقُ ألبَتَّةَ» ثَّم زعَمَ أنه إنَّما أرادَ بذلكَ واحِدةً: إنَّ ذلكَ

(١) «الموطأ» (٢/ ٥٥٢).

لا يُقبَلُ مِنهُ، قالَ مالِكٌ: إنَّما يُؤخَذُ النَّاسُ بما لفَظَتْ به ألسِنَتُهم مِنْ أمرِ الطلاقِ، (قالَ ابنُ القاسِمِ): والحَرامُ عِنْدَ مالِكٍ طلاقٌ، ولا يَدِينُ في الحَرامِ كما لا يَدِينُ في الطلاقِ …

(قُلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ لها: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» يَنوِي بذلكَ تَطليقةً أو تَطليقتَينِ، أيَكونُ ذلكَ لهُ في قولِ مالِكٍ؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: إنْ كانَ قَدْ دخَلَ بها فهيَ البَتَّةُ، وليسَ نيَّتُه بشيءٍ، فإنْ لَم يَدخُلْ بها فذلكَ لهُ؛ لأنَّ الواحِدةَ والاثنتَينِ تُحرِّمُ الَّتي لم يُدخَلْ بها، والمَدخولُ بها لا يُحرِّمُها إلا الثلاثُ …

(قُلتُ): أرَأيتَ إذا قالَ لامرأتِهِ: «قدْ حرَّمتُكِ عليَّ، أو قَدْ حَرَّمْتُ نَفسِي عليكِ» أهوَ سواءٌ في قَولِ مالِكٍ؟ (قالَ): نَعمْ؛ لأنَّ مالِكًا قالَ: إذا قالَ: «قدْ طَلَّقتُكِ، أو أنا طالِقٌ مِنكِ» إنَّ هذا سَواءٌ وهيَ طالِقٌ، (قُلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ قبْلَ الدُّخولِ بها: «أنتِ عليَّ حَرامٌ»، (قالَ): هي ثَلاثٌ في قَولِ مالِكٍ، إلَّا أنْ يكونَ نوى واحِدةً أو اثنتَينِ فيَكونُ ذلكَ كما نَوى (١).

قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: والحُجَّةُ لمالِكٍ ومَن ذهَبَ مَذهبَهُ في الحَرامِ إجماعُ العُلماءِ أنَّ مَنْ طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا أنها تَحرُمُ عليهِ، فلمَّا كانَتِ الثَّلاثُ تَحريمًا كانَ تَحريمٌ ثلاثًا، واللهُ أعلَمُ (٢).

(١) «المدونة الكبرى» (٥/ ٣٩٣، ٣٩٤)، ويُنظَر: «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٤٠١، ٤٠٢)، و «الكافي» ص (٢٦٥)، و «الاستذكار» (٦/ ١٦، ٢٢)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٥٨، ٥٩).
(٢) «الاستذكار» (٦/ ٢٢).

وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» فإنْ أرادَ بهِ الطَّلاقَ كانَ طلاقًا؛ لأنَّهُ يَحتمِلُ التَّحريمَ بالطَّلاقِ، ويَقعُ مِنْ عَددِه ما نواهُ مِنْ واحِدةٍ أو اثنتَينِ أو ثَلاثٍ، وإنْ لم يَنوِ عَددًا كانَتْ واحِدةً رَجعيَّةً، وإنْ أرادَ بهِ الظِّهارَ كانَ ظِهارًا؛ لأنهُ يَحتمِلُ التَّحريمَ بالظِّهارِ، وإنْ أرادَ بهِ الإيلاءَ لم يَكنْ إيلاءً؛ لأنَّ الإيلاءُ يَمينٌ لا يَنعقِدُ بالكِنايةِ.

وإنْ أرادَ بهِ تَحريمَ وطْئِها لم يَحرمْ، وعليهِ كفَّارةُ يَمينٍ؛ لِمَا رَوى سَعيدُ ابنُ جُبيرٍ قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى ابنِ عبَّاسِ رضي الله عنه فقالَ: إنِّي جَعلْتُ امرأتِي عليَّ حَرامًا، قالَ: كَذبْتَ، ليسَتْ عليكَ بحَرامٍ، ثمَّ تَلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١، ٢] إلى آخِرِ الآيَةِ، ويَجبُ عليهِ بذلكَ كفَّارةُ يَمينٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ حَرَّمَ ماريةَ القبطيَّةَ أمَّ إبراهِيمَ بنِ رَسولِ اللهِ فأنزَلَ الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ [التحريم: ١، ٢]، فوَجبَتِ الكفَّارةُ في الأمَةِ بالآيةِ، وقِسْنا الحُرَّةَ عليها؛ لأنها في مَعناها في تَحليلِ البُضعِ وتَحريمِه.

وإنْ لَم يَكنْ لهُ إرادةٌ لم يَتعلَّقْ بهِ طلاقٌ ولا ظِهارٌ ولا تَحريمٌ، وهل تَجبُ بهِ كفَّارةُ يَمينٍ أم لا؟ على قَولَينِ: أحَدُهما: يَجبُ عَليهِ الكفَّارةُ، والثَّاني: لا يَجبُ.

قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ رحمة الله عليه: لو قالَ الرَّجلُ لامرَأتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» لم يَقعْ بهِ طلاقٌ حتَّى يُريدَ الطَّلاقَ، فإذا أرادَ بهِ الطَّلاقَ فهوَ طلاقٌ، وهو ما أرادَ مِنْ عَددِ الطَّلاقِ، وإنْ أرادَ طلاقًا ولَم يُرِدْ عَددًا مِنَ الطَّلاقِ فهي واحدةٌ يَملِكُ الرَّجعةَ، وإنْ قالَ: «أردْتُ تَحريمَها بلا طلاقٍ» لم تَكنْ حَرامًا، وكانَتْ عليهِ كفَّارةُ يَمينٍ، ويُصيبُها إنْ شاءَ قبْلَ أنْ يُكفِّرَ، وإنَّما قُلنا عليهِ كفَّارةُ يَمينٍ إذا أرادَ تَحريمَها ولَم يُرِدْ طلاقَها؛ لأنَّ النَّبيَّ حرَّمَ جاريتَه فأُمِرَ بكفَّارةِ يَمينٍ، واللهُ تعالَى أعلَمُ.

قالَ اللهُ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١، ٢] الآيَة، فلمَّا لَم يُرِدِ الزَّوجُ بتَحريمِ امرَأتهِ طلاقًا كانَ أَوْقعَ التَّحريمَ على فَرْجٍ مُباحٍ لهُ لمْ يَحرُمْ بتَحريمِه، فلَزمَتهُ كفَّارةٌ فيهِ كما لَزِمَ مَنْ حرَّمَ أمَتَه كفَّارةٌ فيها، ولَم تَحرُمْ عليهِ بتَحريمِه؛ لأنهُما معًا تَحريمٌ لفَرْجَينِ لم يَقعْ بواحدٍ مِنهُما طلاقٌ، ولو قالَ: «كلُّ ما أَملِكُ عليَّ حَرامٌ» -يَعني امرأتَه وجَوارِيه ومالَهُ- كفَّرَ عَنِ المرأةِ والجَوارِي كفَّارةً كفَّارةً إذا لمْ يُرِدْ طلاقَ المَرأةِ، ولو قالَ: «مَالي عليَّ حَرامٌ» لا يُريدُ امرَأتَه ولا جَوارِيه لَم يكنْ عليهِ كفَّارةٌ، ولم يَحرُمْ عليهِ مالُه (١).

(١) «الأم» (٥/ ٢٦٢)، ويُنظَر: «الحاوي الكبير» (١٠/ ١٨٢، ١٨٣)، و «المهذب» (٢/ ٨٣)، و «شرح صحيح مسلم» (١٠/ ٧٣، ٧٤)، و «الأوسط» (٩/ ١٨٨، ١٩٥)، و «الإشراف» (٥/ ٢٠٠، ٢٠٢).

وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ قالَ لزَوجتِهِ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» أنَّه يكونُ ظِهارًا تَجبُ بهِ كفَّارةُ الظِّهارِ، نوَى ذلكَ أو لَم يَنوِ؛ لأنهُ تَحريمٌ للزَّوجةِ بغَيرِ طلاقٍ، فوَجبَتْ بهِ كفَّارةُ الظِّهارِ، كما لَو قالَ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ كظَهْرِ أمِّي»؛ وذلكَ لأنَّ اللهَ جعَلَ التَّشبيهَ بمَن تَحرُمُ عليهِ ظِهارًا، فالتَّصريحُ مِنهُ بالتَّحريمِ أَولى، يُؤيِّدُه أنَّ اللهَ لَم يَجعلِ التَّحريمَ والتَّحليلَ إليهِ، فإذا قالَ: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي، أو أنتِ عليَّ حَرامٌ» فقَد قالَ المُنكَرَ مِنْ الزَّورِ وكَذَبَ على اللهِ، وقَد أوجَبَ أغلَظَ الكفَّارتَينِ عليهِ، وهيَ كفَّارةُ الظِّهارِ.

قالَ عَبدُ اللهِ بنُ أحمَدَ بنِ حَنبلٍ: سَألتُ أبي عَنْ رَجلٍ قالَ لامرأتِه: «أنتِ عَليَّ حَرامٌ» ونوَى الطَّلاقَ، قالَ: لا يكونُ طَلاقًا، نَوى أو لَم يَنوِ، قيلَ: فيهِ كفَّارةُ الظِّهارِ (١).

والرِّوايةُ الأُخرى: أنها يَمينٌ وعليهِ كفَّارتُها؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ثمَّ قالَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وعنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: «إذا حرَّمَ الرَّجلُ امرَأتَه فهيَ يَمينٌ يُكفِّرُها» وقالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [لقمان: ٢١] (٢)، ولأنه تَحريمٌ للحَلالِ أشبَهَ تَحريمَ الأمَةِ، ولأنَّ ذلكَ يُروَى عنِ الصِّديقِ (٣)

(١) «مسائل عبد الله ابن الإمام أحمد» (١/ ٣٤٣).
(٢) رواه البخاري (٤٩٦٥)، ومسلم (١٤٧٣).
(٣) ضَعِيفٌ: رواه سعيد بن منصور في «سننه» (١/ ٢٢٨)، رقم (١٦٩٥)، وابن أبي شيبة «المصنف» (٥/ ٧٤)، رقم (١٨٥٠٧)، وفي إسنادَهِ جُوَيبِرُ، ضَعيفُ الحَديثِ، والضَّحاكُ لم يُدرِكْ أبا بكرٍ.

وعُمرَ (١) وابنِ مَسعودٍ (٢) وعائِشةَ رضي الله عنهم، ولأنَّهُ تَحريمٌ لامرَأةٍ فكانَ يَمينًا كتَحريمِ الأمَةِ.

وعَنهُ رِوايةٌ ثالِثةٌ: إذا نوَى الطَّلاقَ كانَ طلاقًا؛ لأنَّ الطَّلاقَ تَحريمٌ فصَحَّتِ الكِنايةُ عنهُ بالحَرامِ كَقولِه: «أنتِ الحَرَجُ»، فإنْ لَم يَنوِ الطَّلاقَ كانَ ظِهارًا.

وإنْ قالَ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» ونوَى الطلاقَ والظِّهارَ معًا كانَ ظِهارًا ولم يَكنْ طلاقًا؛ لأنَّ اللفظَ الواحِدَ لا يكونُ ظِهارًا وطلاقًا، والظِّهارُ أَولى بهذا اللَّفظِ، فيَنصرِفُ إليهِ.

وإنْ قالَ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ، أعني بهِ الطلاقَ» ففِيهِ رِوايتانِ:

إحدَاهُما: أنه طَلاقٌ، وهيَ المَشهورةُ؛ لأنه صَريحٌ بلَفظِ الطلاقِ.

والثانيةُ: هي ظِهارٌ؛ لأنه لا يَصلحُ كِنايةً في الطلاقِ، فلَم يَصِرْ طَلاقًا لقَولِه: «أعني بهِ الطلاقَ»، كقَولِه: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أُمِّي» (٣).

(١) ضَعِيفٌ: رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٥/ ٧٣)، رقم (١٨٤٩٧)، سعيد بن منصور في «سننه» (١/ ٢٢٩)، رقم (١٧٠١)، والدارقطني (٥/ ٧٣)، والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ٣٥٠)، وفي إسنادِه عِكرمةُ لم يُدرِكْ عُمرَ.
(٢) ضَعِيفٌ: رواه سعيد بن منصور في «سننه» (١/ ٢٢٩)، رقم (١٦٩٨)، الشافعي في «الأم» (٧/ ١٥٧)، والطبراني في «الكبير» (٩/ ٣٢٧)، والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ٣٥٠)، وفي إسنادِه أشعَثُ بنُ سِوارٌ (ضَعيفٌ).
(٣) «مسائل عبد الله ابن الإمام أحمد» (١/ ٣٤٣)، و «الإفصاح» (٢/ ١٨٧، ١٨٨)، و «المغني» (٧/ ٣١٧، ٣١٨)، و (٨/ ٨، ١٢)، و «الكافي» (٣/ ١٧٣، ١٧٤)، و «الشرح الكبير» (٨/ ٣٠٠، ٣٠٤)، و «الروض المربع» (٢/ ٣٧٧، ٤٢٣)، و «منار السبيل» (٣/ ١٣٤، ١٣٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الظهار
١٣٠٩ - مسألة؛ قال: (وإذا قال لزوجته: أنت على كظهر أمى، أو كظهر امرأة أجنبية، أو أنت على حر

فصل: ومَنْ لا يَصِحُّ طلاقُه لا يصحُّ ظهارُه، كالطِّفْلِ، والزَّائلِ العَقْلِ بجُنونٍ، أو إغماءٍ، أو نَوْمٍ، أو غيرِه. لا نَعْلَمُ فى هذا خِلافًا. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. ولا يصحُّ ظهارُ المُكْرَهِ. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو يوسفَ: يصحُّ ظهارُه. والخلافُ فى ذلك مَبْنِىٌّ على الخلافِ فى صِحَّةِ طلاقِه. وقد مَضَى ذلك .

فصل: ويصِحُّ الظِّهار من كُلِّ زوجةٍ، كبيرَةً كانتْ أو صغيرةً، مسلمةً كانتْ أو ذِمِّيَّةً، مُمْكِنًا وَطْؤُها أو غيرَ مُمْكِنٍ. وبه قال مالكٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال أبو ثَوْرٍ: لا يصحُّ الظِّهارُ مِنَ الَّتِى لا يُمْكِنُ وَطْؤُها؛ لأنَّه لا يمْكِنُ وَطْؤُها، والظِّهارُ لتَحْريمِ وَطْئِها. ولَنا، عُمُومُ الآيَةِ، ولأنَّها زوجةٌ يصِحُّ طلاقُها ، فَصَحَّ الظِّهارُ منها، كغيرِها.

١٣٠٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتِه: أَنْتِ عَلَىَّ كَظَهْرِ أُمِّى، أَوْ كَظَهْرِ امْرَأةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، أو أَنْتِ عَلَىَّ حَرَامٌ. أو حَرَّمَ عُضْوًا مِنْ أعْضَائِهَا، فَلَا يَطَأُهَا حَتَّى يَأْتِىَ بِالْكَفَّارَةِ)

فى هذه المسألةِ فصولٌ خَمْسَةٌ:

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 354 - 362

ارجع إلى أركان الظهار للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله