الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > أن تحل للزوج: بأن تكون مسلمة أو كتابية، لا مشركة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 26 دقيقة قراءةقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنه لا يَحلُّ لامرأةٍ أنْ تتزوَّجَ أكثَرَ مِنْ واحِدٍ في زمانٍ واحدٍ (١).
وأن الإسلامَ حرَّمَ التَّصريحَ لها بالخِطبةِ فَضلًا عن النكاحِ.
قالَ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: قالَ ابنُ عطيةٍ: أجمَعَتِ الأمَّةُ على أنَّ الكَلامَ مع المُعتدَّةِ بما هو نَصٌّ في تزوُّجِها وتَنبيهٌ عليه لا يَجوزُ، وكذلكَ أجمَعَتِ الأمَّةُ على أنَّ الكلامَ معَها بما هو رفَثٌ وذِكرُ جِماعٍ أو تَحريضٌ عليه لا يَجوزُ، وكذلكَ ما أشبَهَه، وجُوِّزَ ما عَدَا ذلكَ (٢).
وقالَ الدَّميريُّ رحمة الله عليه: يَحرمُ التَّصريحُ لمُعتدةٍ، سَواءٌ كانَتْ عن وَفاةٍ أو طَلاقٍ بائنٍ أو رَجعيٍّ أو شُبهةٍ بالإجماعِ (٣).
وقالَ ابنُ مُفلحٍ رحمة الله عليه: ولا يجوزُ التَّصريحُ -وهو ما لا يَحتملُ إلَّا النكاحَ- بخِطبةِ المُعتدَّةِ بالإجماعِ (٤).
وقالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: لا يَجوزُ للأجنَبيِّ خِطبةُ المُعتدةِ صَريحًا، سَواءٌ كانَتْ مُطلَّقةً أو مُتوفَّى عنها زَوجُها (٥).
٣ - أنْ تَحلَّ للزَّوجِ: بأنْ تَكونَ مُسلمةً أو كِتابيَّةٍ، لا مُشرِكةً:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَوازِ نكاحِ المُسلمِ للكِتابيةِ -ولم يُخالَفْ في
(١) «الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١١٧١) رقم (٢١٥٦).
(٢) «تفسير القرطبي» (٣/ ١٨٨).
(٣) «النجم الوهاج» (٧/ ٣٧).
(٤) «المبدع» (٧/ ١٣).
(٥) «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٠٤).
ذلكَ، إلا شَيئًا يُروَى عنِ ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما، ولم يُجِيزُوا نكاحَ المُشرِكةِ.
قالَ الإمامُ أبو بكرٍ الجصَّاصُ رحمة الله عليه: إباحَةُ نكاحِ الحَرائرِ منهنَّ إذا كُنَّ ذمِّياتٍ، فهذا لا خِلافَ بينَ السَّلفِ وفُقهاءِ الأمصارِ فيه، إلَّا شَيئًا يُروَى عنِ ابنِ عُمرَ أنه كَرِهَه (١).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: أجمَعُوا على جَوازِ نكاحِ الكِتابيةِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: ذهَبَ جُمهورُ العلماءِ إلى أنَّ اللهَ تعالَى حرَّمَ نكاحَ المُشرِكاتِ بقولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، ثمَّ استَثنَى مِنْ هذهِ الجُملةِ نكاحَ نِساءِ أهلِ الكِتابِ، فأحَلَّهنَّ في سُورة المائِدة في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، وبَقيَ سائرُ المُشرِكاتِ على أصلِ التَّحريمِ.
قالَ أبو عُبيدٍ: رُويَ هذا القَولُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، وبه جاءَتِ الآثارُ عن الصَّحابةِ والتابعِينَ وأهلِ العِلمِ بعدَهم، أنَّ نكاحَ الكِتابيَّاتِ حَلالٌ، وبه قالَ مالكٌ والأوزاعيُّ والثوريُّ والكوفيُّونَ والشافعيُّ وعامَّةُ الفُقهاءِ.
وقالَ غَيرُه: ولا يُروَى خِلافُ ذلكَ إلا عنِ ابنِ عُمرَ أنه شَذَّ عن جَماعةِ الصَّحابةِ والتابعِينَ، ولم يُجِزْ نكاحَ اليَهوديةِ والنَّصرانيةِ، وخالَفَ ظاهِرَ قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، ولم يَلتفِتْ أحدٌ مِنْ العُلماءِ إلى قولِه.
(١) «أحكام القرآن» (٣/ ٣٢٤).
(٢) «الاستذكار» (٥/ ٢٩٩).
قالَ أبو عُبيدٍ: والمُسلمونَ اليومَ على الرُّخصةِ في نِساءِ أهلِ الكِتابِ، ويَرَونَ أنَّ التحليلَ هو الناسِخُ للتَّحريمِ، فقدْ تزوَّجَ عُثمانُ بنُ عفَّانَ بِنائِلةَ بنتِ الفرافصةِ الكَلبيةَ وهي نَصرانيةٌ، تزوَّجَها على نسائِه، وتزوَّجَ طَلحةُ بنُ عُبيدِ اللهِ يَهوديةً، وتزوَّجَ حُذيفةُ يَهوديةً وعندَه حُرَّتانِ مُسلِمتانِ، وقد رُويَ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ أنه كانَ يأمُرُ بالتنزُّهِ عنهنَّ مِنْ غيرِ أنْ يُحرِّمهنَّ.
قالَ أبو عُبيدٍ: حدَّثَنا مُحمدُ بنُ يَزيدَ عن الصَّلتِ بنِ بَهرامَ عن شَقيقِ بنِ سَلمةَ قالَ: تزوَّجَ حُذيفةُ يَهوديةً، فكتَبَ إليه عُمرُ أنْ خَلِّ سَبيلَها، فقالَ: أحَرامٌ هيَ؟ فكتَبَ إليه عُمرُ: لا، ولكنْ أخافُ أنْ تُواقِعُوا المُومِساتِ منهم، يَعنِي الزَّوانيَ، فيرَى أنَّ عُمرَ ذهَبَ إلى قولِه تعالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، فنَقولُ: إنَّ اللهَ تعالَى إنَّما شرَطَ العَفائِفَ مِنهنَّ، وهذه لا يُؤمَنُ أنْ تكونَ غيرَ عَفيفةٍ، والذي عليهِ جَماعةُ الفُقهاءِ في قولِه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] أنَّ المُرادَ بالآيةِ تَحريمُ الوثَنيَّاتِ والمَجوسِياتِ، وأنه لم يَنسخْ تَحريمَهنَّ كِتابٌ ولا سُنَّةٌ.
وشَذَّ أبو ثَورٍ عن الجَماعةِ، فأجازَ مُناكَحةَ المَجوسِ وأكْلَ ذَبائحِهم، وهو مَحجوجٌ بالجَماعةِ والتَّنزيلِ (١).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه بعدَ أنْ نقَلَ كَلامِ ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما: وهذا قَولٌ شَذَّ فيه ابنُ عُمرَ عن جَماعةِ الصَّحابةِ رِضوانُ اللهِ عليهِم، وخالَفَ ظاهِرَ قولِ اللهِ ﷿: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ
(١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٤٣٤، ٤٣٥).
لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، ولم يَلتفتْ أحَدٌ مِنْ عُلماءِ الأمصارِ قَديمًا وحَديثًا إلى قولِه ذلكَ؛ لأنَّ إحدَى الآيتَينِ ليسَتْ بأَولى بالاستِعمالِ مِنْ الأخرَى، ولا سَبيلَ إلى نَسخِ إحداهُما بالأخرَى ما كانَ إلى استعمالِهِما سبيلٌ، فآيةُ سُورَة البقَرَة عندَ العلماءِ في الوثَنيَّاتِ والمَجوسِياتِ، وآيةُ المائِدَة في الكِتابيَّاتِ، وقد تزوَّجَ عُثمانُ بنُ عفَّانَ نائِلةَ بنتَ الفَرافصةِ الكَلبيةَ نَصرانيةً، وتزوَّجَ طَلحةُ بنُ عبدِ اللهِ يَهوديةً، وتزوَّجَ حَذيفةُ يَهوديةً وعندَه حُرَّتانِ مُسلِمتانِ عرَبيَّتانِ.
ولا أعلَمُ خِلافًا في نكاحِ الكِتابيَّاتِ الحِرائرِ بعدَ ما ذكَرْنا إذا لم تَكنْ مِنْ نساءِ أهلِ الحَربِ (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنه لا يجوزُ للمُسلمِ أنْ يَنكحَ الوَثنيةَ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، واختَلفُوا في نِكاحِها بالمِلكِ.
واتَّفقُوا على أنه يَجوزُ أنْ يَنكحَ الكِتابيةَ الحرَّةَ، إلَّا ما رُويَ في ذلكَ عن ابنِ عُمرَ (٢).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ومنها أنْ لا تكونَ المَرأةُ مُشرِكةً إذا كانَ الرجلُ مُسلمًا، فلا يَجوزُ للمُسلمِ أنْ يَنكحَ المُشركةَ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا
(١) «الاستذكار» (٥/ ٤٩٦).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٣).
تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، ويَجوزُ أنْ يَنكحَ الكِتابيةَ؛ لقَولِه ﷿: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، والَفرقُ أنَّ الأصلَ أنْ لا يَجوزَ للمُسلمِ أنْ يَنكحَ الكافِرةَ؛ لأنَّ ازدِواجَ الكافرةِ والمُخالَطةَ معَها مع قيام العَداوةِ الدِّينيةِ لا يَحصلُ السكَنُ والمودَّةُ الذي هو قوامُ مَقاصدِ النكاحِ، إلا أنه جوَّزَ نِكاحَ الكِتابيةِ لرَجاءِ إسلامِها؛ لأنها آمنَتْ بكُتبِ الأنبياءِ والرُّسلِ في الجُملةِ، وإنما نقضَتِ الجُملة بالتَّفصيلِ بناءً على أنها أُخبِرتْ عن الأمرِ على خِلافِ حَقيقتِه، فالظاهرُ أنها متَى نُبِّهتْ على حَقيقةِ الأمرِ تنبَّهَتْ وتأتِي بالإيمانِ على التَّفصيلِ على حَسبِ ما كانَتْ أتَتْ به على الجُملةِ.
هذا هو الظاهِرُ مِنْ حالِ التي بُنِيَ أمرُها على الدَّليلِ دونَ الهوَى والطَّبعِ، والزوجُ يَدعُوها إلى الإسلامِ وينبِّهُها على حَقيقةِ الأمرِ، فكانَ في نكاحِ المُسلمِ إياها رَجاءُ إسلامِها، فجوَّزَ نكاحَها لهذهِ العاقبةِ الحَميدةِ، بخِلافِ المُشرِكةِ؛ فإنها في اختيارِها الشِّركَ ما ثبَتَ أمرُها على الحجَّةِ، بل على التقليدِ بوُجودِ الإباءِ عن ذلكَ مِنْ غيرِ أنْ يَنتهيَ ذلكَ الخبَرُ ممَّن يجبُ قَبولُ قولِه واتباعُه، وهو الرَّسولُ، فالظاهِرُ أنها لا تَنظرُ في الحجَّةِ ولا تَلتفتُ إليها عندَ الدَّعوةِ، فيَبقَى ازدواجُ الكافرِ مع قيامِ العَداوةِ الدِّينيةِ المانعةِ عن السكَنِ والازدِواجِ والمودَّةِ خاليًا عن العاقبةِ الحَميدةِ، فلمْ يَجُزْ إنكاحُها، وسواءٌ كانَتِ الكِتابيةُ حرَّةً أو أمَةً عندَنا.
وقالَ الشافعيُّ: لا يَجوزُ نِكاحُ الأمَةِ الكِتابيةِ، ويَحلُّ وَطؤُها بمِلكِ اليمينِ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ليسَ بينَ أهلِ العِلمِ -بحَمدِ اللهِ- اختلافٌ في حِلِّ حَرائرِ نِساءِ أهلِ الكِتابِ، وممَّن رُويَ عنه ذلكَ عُمرُ وعُثمانُ وطَلحةُ وحُذيفةُ وسَلمانُ وجابرٌ وغيرُهم.
قالَ ابنُ المنذِرِ: ولا يَصحُّ عن أحَدٍ مِنْ الأوائلِ أنه حَرَّمَ ذلكَ، ورَوى الخلَّالُ بإسنادِه أنَّ حُذيفةَ وطَلحةَ والجارُودَ بنَ المُعلَّى وأُذينةَ العَبديَّ تزوَّجُوا نِساءً مِنْ أهلِ الكتابِ، وبه قالَ سائرُ أهلِ العِلمِ …
وأهلُ الكِتابِ الذينَ هذا حُكمُهم هم أهلُ التَّوراةِ والإنجيلِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]، فأهلُ التَّوراةِ اليهودُ والسامِرةُ، وأهلُ الإنجيلِ النَّصارى ومَن وافَقَهم في أصلِ دِينِهم مِنْ الإفرنْجِ والأرمَنِ وغيرِهم.
وأمَّا الصابئونَ فاختَلفَ فيهم السَّلفُ كَثيرًا، فرُويَ عن أحمَدَ أنهم جِنسٌ مِنْ النَّصارَى، ونَصَّ عليه الشافِعيُّ، وعلَّقَ القولَ فيهم في مَوضعٍ آخَرَ.
وعن أحمَدَ أنه قالَ: بلَغَني أنهم يَسبِتونَ، فهؤلاءِ إذًا يُشبِهونَ اليهودَ.
والصَّحيحُ فيهم أنهم إنْ كانوا يُوافِقون النَّصارى أو اليهودَ في أصلِ دينِهم ويُخالِفونَهم في فُروعِه فهُم ممَّن وافَقوهُ، وإنْ خالَفوهُم في أصلِ الدِّينِ فليسَ هم منهُ، والله أعلَمُ.
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٧٠).
وأمَّا مَنْ سِوى هؤلاءِ مِنْ الكفَّارِ مثلَ المُتمسِّكِ بصُحفِ إبراهيمَ وشِيث وزَبورِ داودَ فليسُوا بأهلِ كتابٍ، ولا تَحلُّ مُناكَحتُهم ولا ذبائِحُهم، وهذا قَولُ الشافعيِّ، وذكَرَ القاضي فيهم وَجهًا آخَرَ أنهم مِنْ أهلِ الكِتابِ وتَحلُّ ذَبائحُهم ونكاحُ نسائِهم ويُقرَّونَ بالجِزيةِ؛ لأنهم تَمسَّكُوا بكتابٍ مِنْ كُتبِ اللهِ، فأشبَهُوا اليهودَ والنَّصارَى.
ولنا: قولُ اللهِ تعالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]، ولأنَّ تلكَ الكُتبَ كانَتْ مَواعِظَ وأمثالًا لا أحكامَ فيها، فلمْ يَثبتْ لها حُكمُ الكُتبِ المُشتمِلةِ على الأحكامِ (١).
وقد سُئلَ شيخُ الإسلامِ رحمة الله عليه عن قولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ وقد أباحَ العُلماءُ التَّزويجَ بالنَّصرانيةِ واليَهوديةِ، فهل هُما مِنْ المُشركينَ أم لا؟
فأجابَ: الحَمدُ للهِ، نكاحُ الكِتابيةِ جائزٌ بالآيةِ الَّتي في المائِدة، قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وهذا مَذهبُ جَماهيرِ السَّلفِ والخلَفِ مِنْ الأئمَّةِ الأربَعةِ وغيرِهم، وقد رُويَ عن ابنِ عُمرَ أنه كَرِهَ نكاحَ النصرانيةِ وقالَ: «لا أعلَمُ شِركًا أعظَمَ ممَّن تَقولُ: إنَّ رَبَّها عيسى ابنُ مَريمَ»، وهو اليومَ مَذهبُ طائفةٍ مِنْ أهلِ البدَعِ.
(١) «المغني» (٧/ ٩٩، ١٠٠).
وقد احتَجُّوا بالآيةِ الَّتي في سُورَة البقَرَة، وبقولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، والجَوابُ عن آيةِ البقَرَة مِنْ ثلاثةِ أوجُهٍ:
أحَدَها: أنَّ أهلَ الكِتابِ لم يَدخلُوا في المُشركينَ، فجعَلَ أهلَ الكِتابِ غيرَ مُشركينَ بدليلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧].
فإنْ قيلَ: فقدْ وصَفَهم بالشِّركِ بقولِه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١].
قيلَ: إنَّ أهلَ الكِتابِ ليسَ في أصلِ دِينِهم شِركٌ، فإنَّ اللهَ إنَّما بعَثَ الرُّسلَ بالتَّوحيدِ، فكُلُّ مَنْ آمَنَ بالرُّسلِ والكتُبِ لم يَكنْ في أصلِ دِينِهم شِركٌ، ولكنَّ النَّصارى ابتَدعُوا الشِّركَ كما قالَ: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فحيثُ وصَفَهم بأنهُم أشرَكُوا فلِأجْلِ ما ابتَدعُوه مِنْ الشِّركِ الذي لم يأمُرِ اللهُ به، فوجَبَ تميُّزُهم عن المُشركينَ؛ لأنَّ أصلَ دِينِهم اتِّباعُ الكُتبِ المُنزَلةِ التي جاءَتْ بالتوحِيدِ لا بالشِّركِ.
فإذا قيلَ: أهلُ الكتابِ لم يَكونُوا مِنْ هذهِ الجهةِ مُشركينَ، فإنَّ الكِتابَ الذي أُضيفُوا إليه لا شِركَ فيه، كما إذا قيلَ: «المُسلِمونَ وأمَّةُ مُحمدٍ» لم يَكنْ فيهِم مِنْ هذه الجهةِ لا اتِّحادٌ ولا رَفضٌ ولا تَكذيبٌ بالقَدرِ ولا غيرُ ذلكَ مِنْ البدَعِ، وإنْ كانَ بعضُ الداخِلينَ في الأمَّةِ قد ابتَدَعَ هذه البدَعَ، لكنَّ
أمَّةَ محمَّدٍ ﷺ لا تَجتمعُ على ضَلالةٍ، فلا يَزالُ فيها مَنْ هو مُتبِعٌ لشَريعةِ التوحيدِ، بخِلافِ أهلِ الكتابِ، ولم يُخبِرِ اللهُ عن أهلِ الكتابِ أنهُم مُشركونَ بالاسمِ، بل قالَ: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بالفِعلِ، وآيةُ البقَرَة قالَ فيها: ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾ و ﴿وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ بالاسمِ، والاسمُ أوكَدُ مِنْ الفعلِ.
الوَجهُ الثاني: أنْ يُقالَ: إنْ شَملَهم لفظُ المُشركينَ مِنْ سُورَة البقَرَة كما وصَفَهم بالشِّركِ، فهذا مُتوجِّهٌ بأنْ يفرَّقَ بين دَلالةِ اللفظِ مُفردًا ومَقرونًا، فإذا أُفرِدُوا دخَلَ فيهم أهلُ الكِتابِ، وإذا قُرِنُوا مع أهلِ الكتابِ لم يَدخلُوا فيهِم، كما قيلَ مثلُ هذا في اسمِ الفقيرِ والمِسكينِ ونحوِ ذلكَ، فعَلى هذا يُقالُ: آيةُ البقَرَة عامَّةٌ وتلكَ خاصَّةٌ، والخاصُّ يقدَّمُ على العامِّ.
الوجهُ الثالثُ: أنْ يُقالَ: آيةُ المائِدَة ناسِخةٌ لآيةِ البقَرَة؛ لأنَّ المائِدَة نزلَتْ بعدَ البقَرَة باتِّفاقِ العُلماءِ، وقد جاءَ في الحَديثُ: «المائِدةُ مِنْ آخِرِ القُرآنِ نُزولًا، فأَحِلُّوا حَلالَها وحَرِّمُوا حَرامَها»، والآيةُ المُتأخرِّةُ تَنسخُ الآيةَ المتقدِّمةَ إذا تعارَضَتَا، وأمَّا قولُه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فإنها نزَلَتْ بعدَ صُلحِ الحُدَيبيةِ لمَّا هاجَرَ مِنْ مكَّةَ إلى المَدينةِ، وأنزَلَ اللهُ سُورَة المُمتحنَة وأمَرَ بامتحانِ المُهاجرِينَ، وهو خِطابٌ لمَن كانَ في عِصمتِه كافرةٌ، واللام لتَعريفِ العَهدِ، والكَوافرُ المَعهوداتُ هنَّ المُشركاتُ، مع أنَّ الكفَّارَ قد يُميَّزُوا مِنْ أهلِ الكتابِ أيضًا في بعضِ المَواضعِ، كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾ [النساء: ٥١]، فإنَّ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل بيان ما يرفع حكم النكاح
فَصْلٌ بَيَانُ مَا يَرْفَعُ حُكْمَ النِّكَاحِ
فَصْلٌ) :
وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَرْفَعُ حُكْمَ النِّكَاحِ، فَبَيَانُهُ بَيَانُ مَا تَقَعُ بِهِ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَلِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ أَسْبَابٌ لَكِنَّ الْوَاقِعَ بِبَعْضِهَا فُرْقَةٌ بِطَلَاقٍ، وَبَعْضُهَا فُرْقَةٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ، وَفِي بَعْضِهَا يَقَعُ فُرْقَةٌ بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي، وَفِي بَعْضِهَا لَا يَقَعُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي، فَنَذْكُرُ جُمْلَةَ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ ﷿ مِنْهَا.
الطَّلَاقُ بِصَرِيحِهِ، وَكِنَايَاتِهِ، وَلَهُ كِتَابٌ مُفْرَدٌ، وَمِنْهَا اللِّعَانُ وَلَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ إلَّا بِتَفْرِيقِ الْقَاضِي عِنْدَ أَصْحَابِنَا.
ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.