أن يكون الإيجاب والقبول فورا

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > أن يكون الإيجاب والقبول فورا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

أن يكون الإيجاب والقبول فورا - الأقوال والأدلة

على أنَّ قَولَها: «زوَّجتُ نفْسِي» شَطرُ العَقدِ عِندَهما، والشَّهادةُ في شَطرَيِ العَقدِ شَرطٌ؛ لأنه يَصيرُ عَقدًا بالشَّطرينِ، فإذا لم يَسمَعَا كَلامَ الرَّسولِ وقِراءةَ الكِتابِ فلمْ تُوجَدِ الشَّهادةُ على العَقدِ، وقَولُ الزَّوجِ بانفِرادِه عَقدٌ عِندَه، وقد حضَرَ الشَّاهدانِ.

وعلى هذا الخِلافِ الفُضوليُّ الواحِدُ مِنْ الجانبَينِ، بأنْ قالَ الرَّجلُ: «زوَّجتُ فُلانةَ مِنْ فُلانٍ» وهُمَا غائِبانِ لم يَنعقِدْ عندَهما، حتَّى لو بلَغَهُما الخبَرُ فأجازَا لم يَجُزْ، وعندَه يَنعقدُ ويَجوزُ بالإجازةِ.

ولو قالَ فُضوليٌّ: «زوَّجتُ فُلانةَ مِنْ فُلانٍ» وهُمَا غائِبانِ فقَبِلَ فُضوليٌّ آخَرُ عنِ الزَّوجِ يَنعقدُ بلا خِلافٍ بينَ أصحابِنا، حتَّى إذا بلَغَهُما الخبَرُ وأجازَا جازَ، ولو فسَخَ الفُضوليُّ العَقدَ قبْلَ إجازةِ مَنْ وقَفَ العَقدُ على إجازِتِه صَحَّ الفَسخُ في قَولِ أبي يُوسفَ، وعِندَ مُحمَّدٍ لا يَصحُّ (١).

٩ - أنْ يَكونَ الإيجابُ والقَبولُ فَورًا:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الصِّيغةِ، هل يُشتَرطُ أنْ يَكونَ الإيجابُ والقَبولُ في مَجلسٍ واحِدٍ، وأنْ يكونَ القَبولُ فَورًا؟ أم يَجوزُ أنْ يكونَ مُتَراخِيًا عن الإيجابِ؟

فذهَبَ الشَّافعيةُ إلى أنه يُشتَرطُ المُوالاةُ بينَ الإيجابِ والقَبولِ،

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٣٢، ٢٣٣)، و «البحر الرائق» (٣/ ٨٩)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ١٤).

ويُشتَرطُ القَبولُ على الفَورِ، فلا يَضُرُّ الفَصلُ اليَسيرُ ويَضرُّ الطَّويلُ، وهو ما أشعَرَ بإعراضِه عنِ القَبولِ، فإذا تَخلَّلَ بينَ الإيجابِ والقَبولِ زَمانٌ طَويلٌ لم يَصحَّ، وإنْ تخلَّلَ بينَهُما زَمانٌ يَسيرٌ يَجرِي مَجرَى بَلعِ الرِّيقِ وقَطعِ النَّفَسِ صَحَّ؛ لأنَّ ذلكَ لا يُمكِنُ الاحتِرازُ منه.

وإذا وُجِدَ أحَدُ شِقَّيِ العَقدِ مِنْ أحدِ العاقدَينِ فلا بُدَّ مِنْ إصرارِه عليهِ حتَّى يُوجَدَ الشِّقُّ الآخَرُ، فلو رجَعَ عنه لغَا العَقدُ، وكذا لو أوجَبَ الوليُّ ثمَّ جُنَّ أو أُغمِيَ عليه ثمَّ قَبِلَ الزَّوجُ، أو استِدعَى الزَّوجُ النكاحَ ثمَّ زالَ عَقلُه قبْلَ إيجابِ الوَليِّ ثم أوجَبَ له الوليُّ لم يَصحَّ.

وكذا لو أذنَتِ المرأةُ في تَزويجِها حيثُ يُعتبَرُ إذنُها ثمَّ أُغمِيَ عليها أو جُنَّتْ قبْلَ العَقدِ بطَلَ إذنُها وبطَلَ العَقدُ؛ لأنَّ العَقدَ جائزٌ قبْلَ تَمامِه، وكذلكَ الإذنُ، فانفسَخَ كالوَكالةِ والشَّركةِ (١).

وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يُشترطُ الفَورُ بينَ الإيجابِ والقَبولِ، فإنْ تأخَّرَ القَبولُ عنِ الإيجابِ صَحَّ ما دامَا في المَجلسِ ولم يَتشاغَلَا بما يَقطعُه عُرفًا ولو طالَ الفَصلُ، قالَ الحَنابلةُ: لأنَّ حُكمَ المَجلسِ حُكمُ حالةِ العَقدِ، وإنْ تفرَّقَا قبلَ القَبولِ أو تَشاغلَا بما يَقطعُه عُرفًا بطَلَ الإيجابُ؛ للإعراضِ عنه، وكذا لو جُنَّ أو أُغمِيَ عليه قبْلَ القَبولِ، ولا يَبطلُ

(١) «البيان» (٩/ ٢٣٦)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٦٧٩، ٦٨٠)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٥٢).

إنْ أوجَبَ ثمَّ نامَ وحصَلَ القبولُ في المَجلسِ؛ لأنَّ النومَ لا يُبطِلُ العُقودَ الجائزةَ، فكذلكَ هُنا (١).

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إذا تَراخَى القَبولُ عن الإيجابِ صَحَّ ما دامَا في المَجلسِ ولم يَتشاغلَا عنهُ بغَيرِه؛ لأنَّ حُكمَ المَجلسِ حُكمُ حالةِ العَقدِ، بدليلِ القَبضِ فيما يُشترطُ القَبضُ فيهِ وثبَوتِ الخِيارِ في عُقودِ المُعاوَضاتِ، فإنْ تفرَّقَا قبْلَ القَبولِ بطَلَ الإيجابُ، فإنه لا يَوجَدُ مَعناهُ، فإنَّ الإعراضَ قد وُجِدَ مِنْ جِهتِه بالتفرُّقِ، فلا يَكونُ قَبولًا، وكذلكَ إنْ تَشاغلَا عنه بما يَقطعُه؛ لأنهُ مُعرِضٌ عن العَقدِ أيضًا بالاشتِغالِ عن قَبولِه.

وقد نقَلَ أبو طالِبٍ عن أحمدَ في رَجلٍ مَشَى إليه قَومٌ فقَالُوا له: «زوِّجْ فُلانًا» قالَ: قد زوَّجتُه على ألفٍ» فرَجعُوا إلى الزوَّجِ فأخبَرُوه فقالَ: «قد قَبلْتُ» هل يُكونُ هذا نِكاحًا؟ قالَ: نعمْ، قالَ القاضي: هذا مَحمولٌ على أنه وكَّلَ مَنْ قَبِلَ العَقدَ في المَجلسِ.

وقالَ أبو بَكرٍ مَسألةُ أبي طالِبٍ تتوجَّهُ على قَولَينِ، واختارُ أنه لا بُدَّ مِنْ القَبولِ في المَجلسِ، وهو الصَّحيحُ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى (٢).

(١) «الإنصاف» (٨/ ٤٩)، و «كشاف القناع» (٥/ ٤١)، و «الروض المربع» (٢/ ٢٨٠)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٣٢، ٢٣٣)، و «البحر الرائق» (٣/ ٨٩)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ١٤).
(٢) «المغني» (٧/ ٦٠، ٦١)، و «الكافي» (٣/ ٢٩).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: نَصَّ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةِ أبي طالِبٍ في رَجلٍ مَشَى إليه قَومُه فقالُوا: «زوِّجْ فُلانًا» فقالَ: «زوَّجتُه على ألفٍ» فرَجعُوا إلى الزَّوجِ فأخبَرُوه فقالَ: «قد قَبلْتُ» هل يَكونُ هذا نِكاحًا؟ قالَ: نعم، قالَ ابنُ عَقيلٍ: هذا يُعطِي أنَّ النِّكاحَ المَوقوفَ صَحيحٌ، وقد أحسَنَ ابنُ عَقيلٍ فيما قالَهُ، وهو طَريقةُ أبي بَكرٍ؛ فإنَّ هذا ليسَ تَراخِيًا للقَبولِ، كما قالَه القاضي، وإنَّما هوَ تَراخٍ للإجازةِ، ومَسألةُ أبي طالِبٍ وكَلامُ أبي بَكرٍ فيما إذا لم يَكنِ الزَّوجُ حاضِرًا في مَجلسِ الإيجابِ، وهذا أحسَنُ، أمَّا إذا تفرَّقَا عن مَجلسِ الإيجابِ فليسَ في كَلامِ أحمَدَ وأبي بَكرٍ ما يَدلُّ على ذلكَ.

ويَجوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ العاقِدَ الآخَرَ إنْ كانَ حاضِرًا اعتُبِرَ قَبولُه، وإنْ كانَ غائِبًا جازَ تَراخِي القَبولِ عن الإيجابِ، كما قُلنَا في وِلايةِ القَضاءِ، مع أنَّ أصحابَنا قَالُوا في الوَكالةِ: إنه يَجوزُ قَبولُها على الفَورِ والتَّراخِي، وإنما الوِلايةُ نَوعٌ مِنْ جِنسِ الوَكالةِ، وذكَرَ القاضي في المُجرَّدِ و ابنُ عَقيلٍ في الفُصولِ في تَتمَّةِ رِوايةِ أبي طالِبٍ: فقالَ الزَّوجُ: «قَبلْتُ» صَحَّ إذا حضَرَ شاهِدانِ.

قالَ أبو العبَّاسِ: وهو يَقضِي بأنَّ إجازَةَ العَقدِ المَوقوفِ إذا قُلنَا بانعِقادِه تَفتقرُ إلى شاهدَينِ، وهو مُستقيمٌ حسَنٌ (١).

وقالَ المِرْداويُّ رحمة الله عليه: قَولُه: (وإنْ تَراخَى عنه صَحَّ ما دامَا في

(١) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥٢٩، ٥٣٠).

المَجلسِ ولم يَتشاغَلَا بما يَقطعُه) يعنِي في العُرفِ، قَولُه: (فإنْ تفرَّقَا قبْلَه بطَلَ الإيجابُ) وهو المَذهبُ وعليهِ الأصحابُ.

وعَنهُ: لا يَبطلُ، وعَنهُ: لا يَبطلُ مع غَيبةِ الزَّوجِ.

قالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ رحمة الله عليه: أخَذْتُ هذهِ الرِّوايةَ مِنْ قَولِه في رِوايةِ أبي طالِبٍ في رَجلٍ مَشَى إليه قَومٌ فقالُوا: «زوِّجْ فُلانًا» فقالَ: «قد زوَّجتُه على ألفٍ» فرَجعُوا إلى الزَّوجِ فأخبَرُوه فقالَ: «قد قَبلْتُ» هل يَكونُ هذا نِكاحًا؟ قالَ: نعمْ، فأشكَلَ هذا النَّصُّ على الأصحابِ، فقالَ القاضي: هذا حُكمٌ بصحَّتِه بعدَ التفرُّقِ عن مَجلسِ العقدِ، قالَ: وهو مَحمولٌ على أنه قد كانَ وكَّلَ مَنْ قَبِلَ العَقدَ عنه ثمَّ أُخبِرَ بذلكَ فأمضاهُ، ورَدَّه ابنُ عَقيلٍ وقالَ: رِوايةُ أبي طالِبٍ تُعطِي أنَّ النكاحَ المَوقوفَ صَحيحٌ.

قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ رحمة الله عليه: قد أحسَنَ ابنُ عَقيلٍ، وهو طَريقةُ أبي بَكرٍ؛ فإنَّ هذا ليسَ تَراخيًا للقَبولِ، وإنما هو تَراخٍ للإجازةِ (١).

وأمَّا المالِكيةُ فقالَ ابنُ جُزَيٍّ الكَلبيُّ الغَرناطيُّ رحمة الله عليه: والنكاحُ عَقدٌ لازمٌ لا يَجوزُ فيه الخِيارُ، خِلافًا لأبي ثَورٍ، ويَلزمُ فيه الفَورُ مِنْ الطَّرفينِ، فإنْ تَراخَى فيه القَبولُ عن الإيجابِ يَسيرًا جازَ، وقالَ الشَّافعيُّ: لا يَجوزُ مُطلَقًا، وأجازَه أبو حَنيفةَ مُطلَقًا (٢).

(١) «الإنصاف» (٨/ ٥٠، ٥١)، و «المبدع» (٧/ ٢٠).
(٢) «القوانين الفقهية» ص (١٣١)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٥٣)، و «منح الجليل» (٣/ ٢٦٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل أن لا يكون مجهولا جهالة تزيد على جهالة مهر المثل

الْإِعْتَاقِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِعْتَاقِ فَمَا لَمْ يُعْتِقْ لَا يَعْتِقْ بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الزَّوَاجَ هُنَاكَ كَانَ عَلَى الْعِتْقِ لَا عَلَى الْإِعْتَاقِ ثُمَّ إذَا أَعْتَقَهُ فَعَتَقَ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ ذَكَرَ كَلِمَةً عَنْهَا أَوْ لَمْ يَذْكُرْ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَذْكُرْ ثَبَتَ الْوَلَاءُ مِنْهُ لَا مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ مِنْهُ لَا مِنْهَا، وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَهْرٌ آخَرُ مُسَمًّى وَهُوَ مَالٌ، وَإِنْ كَانَ فَلَهَا ذَلِكَ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لَيْسَ بِمَالٍ، بَلْ هُوَ إبْطَالُ الْمَالِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ أَجْنَبِيًّا أَوْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا، وَإِنْ ذَكَرَ كَلِمَةً عَنْهَا ثَبَتَ الْوَلَاءُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ مِنْهَا لِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَنْهَا، وَيَصِيرُ الْعَبْدُ مِلْكًا لَهَا بِمُقْتَضَى الْإِعْتَاقِ، ثُمَّ إنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا عَتَقَ عَلَيْهَا كَمَا مَلَكَتْهُ فَتَمْلِكُهُ فَيَعْتِقُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا يَصِيرُ الزَّوْجُ وَكِيلًا عَنْهَا فِي الْإِعْتَاقِ، وَمِنْهَا إذَا أَعْتَقَ كَمَا وَعَدَ فَإِنْ أَبَى لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مَالِكٌ إلَّا أَنَّهُ يُنْظَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مُسَمًّى هُوَ مَالٌ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ تَسْمِيَةَ الْإِعْتَاقِ مَهْرًا لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يُوجَدْ تَسْمِيَةُ شَيْءٍ آخَرَ هُوَ مَالٌ فَتَعَيَّنَ مَهْرُ الْمِثْلِ مُوجَبًا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 313 - 317

ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل