الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > إذا أخطأ في لفظ النكاح أو التزويج كأن قال: «جوزتك ابنتي»، هل يصح أم لا؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 24 دقيقة قراءةوقد اختَلفَ الفُقهاءُ في القَبولِ، هل يَصحُّ بغيرِ لَفظِ الإنكاحِ أو التَّزويجِ كالهِبةِ أو البَيعِ أو الصَّدقةِ أو التَّمليكِ؟ أم يُشتَرطُ أنْ يكونَ بلفظِ الإنكاحِ أو التزويجِ وما اشتُقَّ منهُما فقط؟
على الخِلافِ السَّابقِ في الإيجابِ، فالحَنفيةُ والمالِكيةُ على الصَّحيحِ عندَهم يَصحُّ بهذه الألفاظِ كما تَقدَّمَ، والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ لا يَصحُّ إلَّا بلفظِ الإنكاحِ أو التَّزويجِ فقط كما تقدَّمَ.
إلَّا أنَّ هُنا بعضَ المَسائلِ التي قد تَقعُ عندَ كَثيرٍ مِنْ النَّاسِ في النكاحِ، ولا بُدَّ مِنْ بَيانِها:
١ - إذا أخطَأَ في لَفظِ النكاحِ أو التَّزويجِ كأنْ قالَ: «جَوَّزتُكَ ابنتي»، هل يَصحُّ أم لا؟
فذهَبَ الفُقهاءُ إلى أنه لو قالَ: «جَوَّزتُكَ ابنَتي، أو: قَبِلتُ تَجويزَها» بتَقديمِ الجيمِ على الزَّايِ تَلاعُبًا لم يَصحَّ.
أمَّا لو وقَعَ عن طَريقِ الخَطأِ أو كانَ هذا عادةَ قَومٍ فالصَّحيحُ مِنْ أقوالِ العُلماءِ أنه يَجوزُ.
قالَ الحَنفيةُ: لا يَنعقدُ النكاحُ بألفاظٍ مُصَحَّفةٍ ك: «تَجوَّزتُ» بتَقديمِ الجيمِ على الزَّايِ مكانَ «تَزوَّجتُ» كما يَقعُ في بعضِ الدِّيارِ مِنْ العَوامِّ على طَريقِ الغلَطِ؛ وذلكَ لصُدورِه لا عنْ قَصدٍ صحيحٍ، بل عن تَحريفٍ وتَصحيفٍ، فلمْ تَكنْ حَقيقةً ولا مَجازًا؛ لعَدمِ العَلاقةِ، بل غلَطًا فلا اعتِبارَ به.
لكنْ لو اتَّفقَ قَومٌ على النُّطقِ بهذهِ الغَلطةِ بحَيثُ إنهم يَطلبونَ بها الدَّلالةَ على حِلِّ الاستِمتاعِ وتَصدُرُ عن قَصدٍ واختيارٍ منهم فللقَولِ بانعقادِ النكاحِ بها وَجهٌ ظاهِرٌ؛ لأنه والحالةُ هذه يكونُ وَضعًا جَديدًا منهم، وبانعقادِه بينَ قَومٍ اتَّفقَتْ كَلِمتُهم على هذه الغَلطةِ أفتَى شيخُ الإسلامِ أبو السُّعودِ مُفتِي الدِّيارِ الرُّوميةِ، وأمَّا صُدورُها لا عنْ قَصدٍ إلى وَضعٍ جَديدٍ كما يَقعُ مِنْ بَعضِ الجَهلةِ الأغمارِ فلا اعتبارَ به، فقدْ قالَ في «التَّلْويح»: إنَّ استعمالَ اللَّفظِ في المَوضوعِ له أو لغَيرِه طَلبُ دَلالتِه عليهِ وإرادتَه منه، فمُجرَّدُ الذِّكرِ لا يَكونُ استِعمالًا صَحيحًا، فلا يكونُ وَضعًا جَديدًا. اه
قالَ الإمامُ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: وحاصِلُ كلامِ المُصنِّفِ أنه إنِ اتَّفقُوا على استِعمالِ التَّجويزِ في النكاحِ بوَضعٍ جديدٍ قَصدًا يكونُ حَقيقةً عُرْفيةً مثلَ الحَقائقِ المُرتجَلةِ، ومثلَ الألفاظِ الأعجَميةِ المَوضوعةِ للنكاحِ، فيَصحُّ به العَقدُ؛ لوُجودِ طَلبِ الدَّلالةِ على المعنَى المُرادِ وإرادتِه مِنْ اللَّفظِ قَصدًا، وإلَّا فذِكرُ هذا اللَّفظِ بدُونِ ما ذُكِرَ لا يكونُ حقيقةً؛ لعَدمِ الوَضعِ، ولا مَجازًا؛ لعَدمِ العَلاقةِ، فلا يَصحُّ به العَقدُ؛ لكَونِه غَلطًا، كما أفتَى به المُصنِّفُ تبَعًا لشَيخهِ العلَّامةِ ابنِ نُجيمٍ ومُعاصِرِيه.
لكنْ أفتَى بخِلافِه العلَّامةُ الخَيرُ الرَّمليُّ في «الفَتاوَى الخَيريةِ»، ونازَعَ المُصنِّف فيما استَشهدَ به، وكذا نازَعَه في حاشِيتِه عن المِنَحِ بأنه لا دخْلَ لبَحثِ الحَقيقةِ والمَجازِ المُرتَّبِ على عدمِ العَلاقةِ، وقد أقَرَّ المُصنِّفُ بأنه
تَصحيفٌ، فكيفَ يَتَّجهُ ذِكرُ نَفيِ العَلاقةِ؟ بل نُسلِّمُ كونَه تَصحيفًا بإبدالِ حَرفٍ، فلو صدَرَ مِنْ عارِفٍ لا يَنعقدُ به، وهو مَحلُّ فتوَى الشَّيخِ زَينِ بنِ نُجيمٍ ومُعاصِرِيه، فيقَعُ الدَّليلُ في مَحلِّه ح والمَسألةُ لم يُوجَدْ فيها نَقلٌ بخصُوصِها عن المَشايخِ، فصارَتْ حادِثةَ الفتوَى.
وقد صرَّحَ الشَّافعيةُ بأنه لا يَضرُّ مِنْ عامِّيٍّ إبدالُ الزَّايِ جِيمًا وعَكسُه، مع تَشديدِهم في النكاحِ، بحَيثُ لم يُجوِّزوهُ إلا بلفظِ الإنكاحِ والتَّزويجِ، والإفتاءُ بحَسبِ الإنهاءِ، فإذا سُئلَ المُفتِي: هل يَنعقدُ بلفظِ التَّجويزِ؟ يُجيبُ بِلا؛ لعَدمِ التعرُّضِ لذِكرِ التَّصحيفِ، والأصلُ عدَمُه، وإذا سُئلَ في عامِّيٍّ قدَّمَ الجيمَ على الزَّايِ بلا قَصدِ استعارةٍ لعَدمِ عِلمِه بها، بل قصَدَ حِلَّ الاستمتاعِ باللَّفظِ الواردِ شَرعًا، فوقَعَ له ما ذُكِرَ، يَنبغِي فيه مُوافَقةُ الشَّافعيةِ، وبالأَولى فيما إذا اتَّفقَتْ كَلِمتُهم على هذهِ الغَلطةِ كما قطَعَ به أبو السُّعودِ.
وقد صَرَّحُوا بعدمِ اعتبارِ الغَلطِ والتَّصحيفِ في مواضِعَ، فأَوقَعُوا الطَّلاقَ بالألفاظِ المُصحَّفةِ، مع اشتِراكِ الطَّلاقِ والنكاحِ في أنَّ جِدَّهُما جِدٌّ وهزْلَهُما جِدٌّ، وخَطرِ الفُروجِ، وأفتَوا بالوُقوعِ في «عَليَّ الطَّلاقُ» وأنه تَعليقٌ يَقعُ به الطَّلاقُ عندَ وُقوعِ الشَّرطِ؛ لأنه صارَ بمَنزلةِ «إنْ فَعلْت فأنت كذا»، ومِثلُه «الطَّلاقُ يَلزمُني لا أفعَلُ كذا»، مع كَونِه غَلطًا ظاهِرًا لُغةً وشَرعًا؛ لعَدمِ وُجودِ رُكنِه وعَدمِ مَحليَّةِ الرَّجلِ للطَّلاقِ، وقولُ أبي السُّعودِ: إنه -أي هذا الطَّلاقُ- ليسَ بصَريحٍ ولا كِنايةٍ؛ نَظرًا لمُجرَّدِ اللفظِ، لا إلى الاستعمالِ
الفاشي؛ لعَدمِ وُجودِه في بلادِه، فإذا لم نَعتبِرْ هذا الغلَطَ الفاحِشَ لَزمَنا أنْ لا نَعتبِرَه فيما نحنُ فيه مع فُشوِ استعمالِه وكَثرةِ دَورانِه في ألسِنةِ أهلِ القُرى والأمصارِ، بحيثُ لو لُقِّنَ أحَدُهم التَّزويجَ لعَسُرَ عليه النطقُ به، فلا شَكَّ أنهم لا يَلمحونَ استعارةً لنَرُدَّ مَلمَحَهم بعدمِ العلاقةِ، بل هو تَصحيفٌ عليها فشَا في لسانِهم.
وقدِ استَحسنَ بعضُ المَشايخِ عدمَ فسادِ الصَّلاةِ بإبدالِ بعضِ الحُروفِ وإنْ لم يَتقارَبِ المَخرجُ؛ لأنَّ فيه بلوَى العامَّةِ، فكيفَ فيما نحنُ فيه؟! اه مُلخَّصًا.
قولُه: «وأمَّا الطلاقُ فيقَعُ بها .. إلخ» أي بالألفاظِ المُصحَّفةِ ك: «تَلاقٍ وتَلاكٍ وطَلاكٍ وطَلاغٍ وتَلاغٍ»، قالَ في البحرِ: فيَقعُ قَضاءً ولا يُصدَّقُ إلَّا إذا أشهَدَ على ذلكَ قبلَ التكلُّمِ بأنْ قالَ: «امرَأتي تَطلبُ منِّي الطلاقَ وأنا لا أُطلِّقُ فأقولُ هذا»، ولا فرقَ بينَ العالمِ والجاهلِ، وعليهِ الفتوَى. اه ثمَّ إنه لا فرْقَ يَظهرُ بين النكاحِ والطَّلاقِ، وقد استَدلَّ الخَيرُ الرَّمليُّ على ذلكَ بما قدَّمْناه مِنْ قولِ قاضي خانْ: إنه يَنبغي أنْ يكونَ النكاحُ والعِتاقُ في أنه لا يُشترطُ العِلمُ بمَعناهُ؛ لأنَّ العلمَ بمَضمونِ اللَّفظِ إنما يُعتبَرُ لأجْلِ القصدِ، فلا يُشترطُ فيما يَستوِي فيه الجِدُّ والهَزلُ. اه قالَ: فإذا عَلِمْنا أنَّ الطلاقَ واقعٌ مع التَّصحيفِ فيَنبغي أنْ يكونَ النكاحُ نافِذاً معه أيضًا. اه.
قلتُ: وأمَّا الجَوابُ بأنَّ وُقوعَ الطلاقِ للاحتِياطِ في الفُروجِ فهو مُشتَركُ
الإلزامِ، على أنه لا احتياطَ في التفريقِ بعدَ تَحقُّقِ الزوجيةِ بمُجردِ التلفُّظِ بلفظٍ مُصحَّفٍ أو مُهمَلٍ لا معنَى له، بل الاحتياطُ مِنْ بقاءِ الزوجيةِ حتَّى يَتحقَّقَ المُزيلُ، فلولا أنهم اعتبَرُوا القصدَ بهذا اللفظِ المُصحَّفِ بدونِ وَضعٍ جَديدٍ ولا علاقةٍ لم يُوقِعُوا به الطلاقَ؛ لأنَّ الغلطَ الخارجَ عن الحقيقةِ والمَجازِ لا معنَى له، فعُلِمَ أنهم اعتبَرُوا المعنَى الحقيقيَّ المُرادَ، ولم يَعتبِرُوا تَحريفَ اللَّفظِ، بل قَولُهم: «يقَعُ بها قَضاءً» يُفيدُ أنه يُقضَى عليه بالوُقوعِ وإنْ قالَ: «لم أُرِدْ بها الطَّلاقَ»؛ حَملًا على أنها مِنْ أقسامِ الصَّريحِ، ولِذا قيَّدَ تَصديقَه بالإشهادِ، فبِالأَولى إذا قالَ العامِّيُّ: «جوَّزتُ» بتَقديمِ الجيمِ أو «زوَّزتُ» بالزَّايِ بدَلَ الجيمِ قاصِدًا به معنَى النكاحِ يَصحُّ، ويَدلُّ عليه أيضًا ما قدَّمْناهُ عن «الذَّخيرةِ» مِنْ أنه إذا قالَ: «جَعلْتُ بنتِي هذه لكَ بألفٍ» صَحَّ؛ لأنه أتَى بمعنَى النكاحِ، والعِبرةُ في العُقودِ للمَعاني دونَ الألفاظِ، فهذا التَّعليلُ يَدلُّ على أنَّ كُلَّ ما أفادَ معنَى النكاحِ يُعطَى حُكمَه، لكنْ إذا كانَ بلفظِ نكاحٍ أو تَزويجٍ أو ما وُضِعَ لتَمليكِ العَينِ للحالِ، ولا شَكَّ أنْ لفْظَ «جوَّزتُ، أو زوَّزتُ» لا يَفهمُ منه العاقِدانِ والشُّهودِ إلا أنه عِبارةٌ عن التَّزويجِ، ولا يُقصَدُ منه إلَّا ذلك المعنَى بحَسبِ العُرفِ، وقد صرَّحُوا بأنه يُحمَلُ كَلامُ كلِّ عاقِدٍ وحالِفٍ وواقِفٍ على عُرفِه، وإذا وقَعَ الطلاقُ بالألفاظِ المُصحَّفةِ ولو مِنْ عالِمٍ -كما مَرَّ-، وإنْ لم تَكنْ مُتعارَفةً -كما هو ظاهِرُ إطلاقِهمِ فيها- يَصحُّ النكاحُ مِنْ العَوامِّ بالمُصحَّفةِ المُتعارَفةِ بالأَولى، واللهُ تعالى أعلَمُ.
تنبيهٌ: عُلمَ مما قرَّرْناه جَوازُ العَقدِ بلَفظِ «أزْوَجتُ» بالهَمزةِ في أوَّلهِ، خِلافًا لِمَا ذكَرَه السيِّدُ مُحمدُ أبو السُّعودِ في «حاشِيةِ مِسكينٍ» عن شيخِه مِنْ عَدمِ الجَوازِ، مُعلِّلًا بأنه لم يَجِدْه في كُتبِ اللُّغةِ، فكانَ تَحريفًا وغَلطًا (١).
وأمَّا الشَّافعيةُ فقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: قالَ الغَزاليُّ في فَتاويهِ: وك «زوَّجتُكَ» «زوَّجْتُ لكَ، أو إليكَ» فيَصحُّ؛ لأنَّ الخطَأَ في الصِّيغةِ إذا لم يُخلَّ بالمعنَى يَنبغي أنْ يكونَ كالخطأِ في الإعرابِ. اه.
ومِثلُ ذلكَ «جوَّزتُكَ» ونحوُه، أو إبدالُ الكافِ هَمزةً كما أفتَى به بعضُ المتأخِّرينَ (٢).
وقالَ القَليوبيُّ رحمة الله عليه: قولُه: (زوَّجتُكَ) وكذا زوَّجتُ لكَ أو إليكَ، أو زوَّجتُكَه بتذكيرِ الضَّميرِ، ولا يَضرُّ إبدالُ الجيمِ زايًا وعكسُه، ولا إبدالُ الكافِ هَمزةً، ولا زِيادةُ هَمزةٍ كأزْوجتُكَ، ولا نَقصُها في أنكَحتُكَ، ولا فَتحُ تاءِ المُتكلِّمِ وضَمُّ تاءِ المخاطَبِ، ولا غَيرُ ذلكَ ممَّا هو لَحنٌ، سَواءٌ كانَ عامِّيًا أو لا، سَواءٌ كانَتْ لُغتَه أم لا، على المُعتمَدِ عندَ شَيخِنا تَبعًا لشَيخِنا الرَّمليِّ.
نَعمْ إنْ عُرِفَ لفظٌ منها مُخالِفٌ للمُرادِ وقصَدَه لم يَصحَّ، وعلى
(١) «حاشية ابن عابدين» على «الدر المختار» (٣/ ١٩، ٢١)، و «مجمع الأنهر» (١/ ٤٧١، ٤٧٢).
(٢) «مغني المحتاج» (٤/ ٢٣٥).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
١١٠٨ - مسألة؛ قال: (ووكيل كل واحد من هؤلاء يقوم مقامه وإن كان حاضرا)
بالكُلِّيَةِ، فلم يَجُزْ، كاشْتِراطِ المُناسِبِ فى حَقِّ مَنْ لا مُناسِبَ لها. ورُوِىَ أنَّه لا يَجُوزُ النِّكاحُ إلَّا بِوَلِىٍّ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ فيه.
١١٠٨ - مسألة؛ قال: (وَوَكِيلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هؤُلَاءِ يَقُومُ مَقَامَهُ وَإنْ كَانَ حَاضِرًا)
وجملةُ ذلك أنَّه يجوزُ التَّوْكِيلُ فى النِّكاحِ، سواءٌ كان الوَلِىُّ حاضرًا أو غائبًا، مُجْبَرًا أو غيرَ مُجْبَرٍ؛ لأنَّه رُوِىَ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَكّلَ أبا رافِعٍ فى تَزْوِيجِه مَيْمُونةَ، ووَكّلَ عَمْرَو بن أمَيّةَ فى تَزْوِيجِه أُمَّ حَبِيبةَ . ولأنَّه عَقْدُ مُعَاوضةٍ، فجازَ التَّوْكِيلُ فيه كالبَيْعِ. ولأصْحابِ الشافعىِّ فى تَوْكِيلِ غيرِ الأبِ والجَدِّ وَجْهانِ؛ أحدهما، لا يجوزُ؛ لأنَّه يَلِى بالإِذْنِ، فلم يَجُزِ التَّوْكِيلُ له، كالوَكِيلِ. ولَنا، أنَّه يَلِى شَرْعًا، فكان له التَّوْكيلُ كالأبِ، ولا يَصِحُّ قولُهم: إنَّه يَلِى بالإِذْنِ. فإنَّ وِلايَتَه ثابتةٌ قبلَ إذْنِها، وإنما إذْنُها شَرْطٌ لصِحَّةِ تَصَرُّفِه، فأشْبَهَ وِلايةَ الحاكمِ عليها، ولا خِلافَ فى أَنَّ للحاكمِ أن يَسْتَنِيبَ فى التَّزْوِيج من غيرِ إذْنِ المرأةِ، ولأنَّ المرأةَ لا وِلايةَ لها على نَفْسِها، فكيف تُنِيبُ لنائِبِها من قِبَلِها!
فصل: ويجوزُ التوكيلُ مُطْلقًا ومُقَيَّدًا، فالمقيَّدُ التوكيلُ فى تزْوِيج رَجُلٍ بعَيْنِه. والمُطْلَق التَّوكيلُ فى تَزْوِيج مَنْ يَرْضاه أو مِن مَنْ شاءَ . قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، فى
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل بيان ما يصح تسميته مهرا وما لا يصح
الْمُعَيَّنِ فِيهِمَا جَمِيعًا وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي الْمَوْصُوفِ أَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ إذَا كَانَ مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ، فَالزَّوْجُ مَجْبُورٌ عَلَى دَفْعِهِ وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهَا فَكَانَ مُسْتَقِرًّا مَهْرًا بِنَفْسِهِ فِي ذِمَّتِهِ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الِاسْتِقْرَارِ - وَهُوَ يَوْمُ الْعَقْدِ - فَأَمَّا الثَّوْبُ - وَإِنْ وُصِفَ - فَلَمْ يَتَقَرَّرْ مَهْرًا فِي الذِّمَّةِ بِنَفْسِهِ بَلْ الزَّوْجُ مُخَيَّرٌ فِي تَسْلِيمِهِ وَتَسْلِيمِ قِيمَتِهِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى مَا نَذْكُرُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنَّمَا يَتَقَرَّرُ مَهْرًا بِالتَّسْلِيمِ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ التَّسْلِيمِ (وَجْهُ) ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ مَا جُعِلَ مَهْرًا لَمْ يَتَغَيَّرْ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا التَّغَيُّرُ فِي رَغَبَاتِ النَّاسِ بِحُدُوثِ فُتُورٍ فِيهَا، وَلِهَذَا لَوْ غَصَبَ شَيْئًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ فَيُعْتَبَرُ سِعْرُهُ، وَصَارَ يُسَاوِي خَمْسَةً فَرَدَّهُ عَلَى الْمَالِكِ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا سَمَّى مَا هُوَ أَدْنَى مَالِيَّةٍ مِنْ الْعَشَرَةِ كَانَ ذَلِكَ تَسْمِيَةً لِلْعَشَرَةِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْبَعْضِ فِيمَا لَا يَتَجَزَّأُ ذِكْرٌ لِكُلِّهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ سَمَّى ذَلِكَ دِرْهَمَيْنِ ثُمَّ ازْدَادَتْ، قِيمَتُهُ وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ بَيَانُ مَا يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا وَمَا لَا يَصِحُّ
وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا وَمَا لَا يَصِحُّ وَبَيَانُ حُكْمِ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ وَفَسَادِهَا فَنَقُولُ: لِصِحَّةِ التَّسْمِيَةِ شَرَائِطُ مِنْهَا.
أَنْ يَكُونَ الْمُسَمَّى مَالًا مُتَقَوِّمًا وَهَذَا عِنْدَنَا.
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب النكاح]
[فصل الخيار في عقد النكاح]
عَلَى الْأَصَحِّ وَالْمُخْتَارُ خِلَافُهُ.
(فَصْلٌ) الْخِيَارُ إنْ لَمْ يَسْبِقْ الْعِلْمُ أَوْ لَمْ يَرْضَ أَوْ يَتَلَذَّذْ
ــ
منح الجليل
لِاحْتِمَالِ عِتْقِهَا كَذَلِكَ (عَلَى الْأَصَحِّ) عِنْدَ بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ.
(وَالْمُخْتَارُ) لِلَّخْمِيِّ (خِلَافُهُ) أَيْ جَوَازِ نِكَاحِ الْمَرِيضِ كِتَابِيَّةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً مُسْلِمَةً وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُصْعَبٍ لِأَنَّ إسْلَامَ الْكِتَابِيَّةِ وَعِتْقَ الْأَمَةِ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَالْغَالِبُ عَدَمُهُ وَمِنْ مَوَانِعِ النِّكَاحِ عَدَمُ اتِّضَاحِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِنُدُورِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ الْخِيَارُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ أَسْبَابِ الْخِيَارِ وَأَحْكَامِهِ
(الْخِيَارُ) فِي إبْقَاءِ عَقْدِ النِّكَاحِ وَفَسْخِهِ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ لَهُمَا مَعًا (إنْ لَمْ يَسْبِقْ الْعِلْمُ) بِسَبَبِهِ عَقْدَ النِّكَاحِ (أَوْ لَمْ يَرْضَ) مُرِيدُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ صَرِيحًا وَلَا الْتِزَامًا (أَوْ) لَمْ (يَتَلَذَّذْ) مُرِيدُ الرَّدِّ بِصَاحِبِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ كَذَلِكَ، فَشَرْطُ الْخِيَارِ انْتِفَاءُ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ سَبْقِ الْعِلْمِ الْعَقْدَ وَالرِّضَا وَالتَّلَذُّذِ بَعْدَهُ، فَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهَا فَلَا خِيَارَ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الرِّضَا.
ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.