الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > إذا اجتمع وليان أو أكثر لامرأة في الدرجة فمن يزوجها؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةيُوجَدْ غيرُه زوَّجَها ذو سُلطانٍ في ذلكَ المكانِ، كوَالي البلدِ أو كبيرِه أو أميرِ القافِلةِ ونحوِه؛ لأنَّ له سَلطنةً.
فإنْ تعذَّرَ ذو سُلطانٍ في ذلكَ المكانِ زوَّجَها عَدلٌ بإذنها، قالَ الإمامُ أحمدُ في دِهقانِ قَريةٍ -أي رَئيسِها-: يزوِّجُ مَنْ لا وليَّ لها إذا احتَاطَ لها في الكُفءِ والمَهرِ إذا لم يَكنْ في الرُّستاقِ قاضٍ؛ لأنَّ اشتراطَ الولايةِ في هذه الحالَةِ يَمنعُ النكاحَ بالكليَّةِ، فلمْ يَجُزْ كاشتِراطِ كونِ الوليِّ عصَبةً في حَقِّ مَنْ لا عَصبةَ لها.
وإنْ كانَ في البَلدِ حاكمٌ وأبَى التَّزويجَ إلَّا بظُلمٍ -كطَلبِه جُعلًا لا يَستحقُّه، إمَّا لأنْ يكونَ له في بَيتِ المالِ ما يَكفيهِ، أو طلَبَ زِيادةً على جُعلِ مِثلِه- صارَ وُجودُ الحاكِمِ كعَدمِه (١).
إذا اجتَمعَ وليَّانَ أو أكثَرُ لامرأةٍ في الدَّرجةِ فمَن يُزوِّجُها؟
نَصَّ العُلماءُ على أنه إذا استَوى وَليَّانِ أو أكثرُ للمرأةِ في الدرجةِ كإخوةٍ لها كلُّهم لأبوَينِ أو لأبٍ أو أعمامٌ أو بَنو إخوةٍ كذلكَ فإنَّ الأفضلَ أنْ يقدَّمَ الأعلَمُ.
(١) «المغني» (٧/ ١٠، ١٢)، و «الإفصاح» (٢/ ١٣٤)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٢٣، ٣٢٤)، و «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥٣٠)، و «المبدع» (٧/ ٣٠، ٣١)، و «الفروع» (٥/ ١٣٥)، و «الإنصاف» (٨/ ٦٩، ٧١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٢، ٥٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٣١، ١٣٣)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٥٧، ٥٥٩).
قالَ المالِكيةُ: إذا كانَ للمَرأةِ أولياءُ وهُمْ في المنزلةِ سواءٌ -إخوةٌ أو بَنُو إخوةٍ أو أعمامٌ أو بَنو أعمامٍ- فاختَلفُوا أيُّهم يَتولَّى العقدَ مع اتِّفاقِهم على الزَّوجِ، أو اختَلفُوا في تَعيينِ الزَّوجِ بأنْ يُريدَ كلٌّ منهُم تَزويجَها لغيرِ مَنْ يُريدُه الآخَرُ ولم تُعيِّنِ المرأةُ أحَدَ الزَّوجينِ -وإلَّا أُجيبَتْ إلى ما عيَّنتْه إنْ كانَ كُفئًا- فإنَّ السُّلطانَ يَنظرُ فيمَن يَلي العقدَ مِنهم في الأُولى، وفيمَن يُزوِّجُها هو منه في الثانيةِ، وإنْ لم يَكنْ سُلطانٌ أُقرعَ بينَهم (١).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا كانَ للمَرأةِ جَماعةُ أولياءَ في درجةٍ واحدةٍ كالأخوةِ والأعمامِ فيَنبغي لها ولهم أنْ يَردُّوا عقْدَ نكاحِها إلى أسَنِّهم وأعلَمِهم وأورَعِهم؛ لأنَّ ذا السِّنِّ قد جرَّبَ الأمور، وذا العِلمِ أعرَفُ بأحكامِ العُقودِ، وذا الوَرعِ أسلَمُ اختيارًا وأكثرُ احتِياطًا.
فإذا تقرَّرَ هذا فللمَرأةِ المَخطوبةِ حالتانِ: إحداهما: أنْ تأذَنَ لأحَدِهم بعَينِه في العَقدِ عليها، والثانيةُ: أنْ لا تعيِّنَ، فإنْ عيَّنَتْ فقالَتْ: «قد أَذِنتُ لفُلانٍ مِنْ أخوَتي، أو مِنْ أعمامِي أنْ يزوِّجَني لفُلانٍ، أو بمَن يَختارُه لي مِنْ الأكْفَاءِ» فيكونُ المأذُونُ له منهم أحَقَّ بعَقدِ نكاحِها مِنْ جَماعتِهم، فإنْ زوَّجَها غيرُه منهم كانَ نكاحُها باطِلًا، سواءٌ كانَتْ قد عيَّنَتْ على الزوجِ أو لم تعيِّنْ؛ لأنها لم تأذَنْ له، فصارَ عاقدًا بغيرِ إذنٍ، فبطَلَ عَقدُه.
(١) «التاج والإكليل» (٢/ ٥٠٨)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٩١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٣)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٧٤)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ٤٤٦).
وإنْ لم تعيِّنْ على أحَدِ الأولياءِ بل قالَتْ: «يُزوِّجُني أحَدُكم وأيُّكم يزوِّجُني فهو بإذنِي ورِضايَ» فلا يخلُو حالُهم حينئذٍ مِنْ أحَدِ أمرَينِ: إمَّا أنْ يَتنازَعوا في تَزويجِها، أو لم يَتنازَعوا، فإنْ لم يَتنازَعُوا في تَزويجِها وسلَّمُوه لأحَدِهم زوَّجَها مَنْ سلَّمُوا إليه العقدَ منهم، وسواءٌ كانَ أفضَلَهم أو أنقَصَهم إذا لم يَكنْ به سَببٌ يَمنعُه مِنْ الولايةِ؛ لأنه لو تفرَّدَ لَكانَ وليًّا، فكذلكَ إذا شارَكَ.
وإنْ تَنازَعوا فعلَى ضَربينِ: أحَدُهما: أنْ يكونَ نِزاعُهم في تَولِّي العقدِ مع اتفاقِهم على الزَّوجِ، كأنهُم اتَّفقُوا على أنْ يزوِّجُوها يَزيدَ بنَ عبدِ اللهِ لكنْ قالَ كلُّ واحدٍ منهُم: «أنا أزوِّجُها به» فهؤلاءِ لا حَقَّ للسُّلطانِ معهُم؛ لأنه ليسَ فيهم عاضِلٌ، لكن يُقرعُ بينَهم، فأيُّهم قُرعَ كانَ أولَى بنكاحِها مِنْ جَماعتِهم، فإنْ زوَّجَها مَنْ لم تَخرجْ له القُرعةُ منهم نُظرَ؛ فإنْ كانَ ذلكَ قبلَ القُرعةِ كانَ نكاحُه جائزًا؛ لكَونِه وليًّا، وإنْ كانَ بعدَ القُرعةِ ففي صحَّةِ نكاحِه وَجهانِ:
أحَدُهما: يَصحُّ؛ لكَونِه وليًّا، والثَّاني: باطلٌ؛ لأنَّ القُرعةَ قد ميَّزَتْ حَقَّ الولايةِ لغيرِه.
والضَّربُ الثَّاني: أنْ يكونَ نِزاعُهم في غيرِ الزَّوجِ وفي تَولِّي العقدِ فيقولُ أحَدُهم: «أنا أزوِّجُها بزَيدٍ ولا أزوِّجُها بعَمروٍ» ويقولُ الآخَرُ بخِلافِ ذلكَ فيُرجعُ إلى الزوجةِ؛ فإنْ رَضيَتْ أحَدِ الزَّوجينِ دونَ الآخَرِ كانَ مَنْ رَضيَتْه
الزوجةُ أحَقَّ ومَن دُعيَ إلى تَزويجِها به أَولى، فإنْ قالَتْ: «هُما عِندي سَواءٌ فزوِّجُوني بأحَدِهما» فلا قُرعةَ هاهُنا؛ لأنه يَصيرُ قِراعًا بينَ الزَّوجينِ، والقُرعةُ لا تميُّزُ المَعقودَ عليهِ، وإنَّما يتعيَّنُ بالرضَا والاختِيارِ، وإذا كانَ كذلكَ صارَ الأولياءُ عَضلةً؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم يَمتنعُ مَنْ رَضيَه الآخَرُ، فوجَبَ أنْ يُرجعَ في تَزويجِها إلى السُّلطانِ، كما لو صرَّحُوا بالعَضلِ حتَّى زوَّجَها بمَن يَختارُه لها مِنْ الزَّوجينِ المُختلَفِ فيهِما (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إذا استَوى وليَّانِ فأكثرُ لامرأةِ في الدَرجةِ كإخوةٍ لها كلُّهم لأبوَينِ أو لأبٍ أو أعمامٌ كذلكَ أو بنو إخوةٍ كذلكَ فإنْ أذنَتْ لواحدٍ منهم بعَينِه تعيَّنَ ولم يَصحَّ نكاحُ غيرِه ممَّن لم تأذَنْ؛ لعدمِ الإذنِ، وإنْ أذنَتْ لكلِّ واحدٍ منهم أنْ يزوِّجَها صَحَّ التزويجُ مِنْ كلِّ واحدٍ منهم؛ لأنَّ سبَبَ الولايةِ مَوجودٌ في كلِّ واحدٍ منهم، والأَولى تقديمُ أفضَلِهم عِلمًا ودِينًا، ثمَّ إنِ استَوَوا في العلمِ والدِّينِ قُدِّمَ أسَنُّهم؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا قَدِمَ إليهِ مُحيصةُ وحُويصةُ وعبدُ الرحمنِ بنُ سهلٍ وكانَ أصغَرَهم فقالَ النبيُّ ﷺ: «كَبِّرْ كَبِّرْ» أي: قَدِّمِ الأكبَرَ، فتقدَّمَ حُويصةُ، ولأنه أحوَطُ للعَقدِ في اجتِماعِ شُروطِه والنظرِ في الحَظِّ.
فإنْ تَشاحُّوا -أي الأولياءُ المُستَوونَ في الدَّرجةِ- أُقرعَ بينَهُم؛ لأنهم تَساوَوا في الحَقِّ وتعذَّرَ الجَمعُ، فإنْ سبَقَ غيرُ مَنْ خرَجَتْ له القُرعةُ فزوَّجَ
(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ١٢٠، ١٢١)، و «المهذب» (٢/ ٣٩).
المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب النكاح
باب ما يصح به النكاح
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
بَابُ مَا يصح به النكاح
لا يصح النكاح إلا بولي فان عقدت المرأة لم يصح، وقال أبو ثور: إن عقدت بإذن الولى صح، ووجهه أنها من أهل التصرف، وإنما منعت من النكاح لحق الولى، فإذا أذن زال المنع كالعبد إذا أذن له المولى في النكاح، وهذا خطأ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رفعه (لا تنكح المرأة المرأة، ولا تنكح المرأة نفسها) ولانها غير مأمونة على البضع لنقصان عقلها، وسرعة انخداعها، فلم يجز تفويضه إليها كالمبذر في المال، ويخالف العبد فانه منع لحق المولى، فانه ينقض قيمته بالنكاح، ويستحق كسبه في المهر والنفقة فزال المنع باذنه، فان عقد النكاح بغير
ولى وحكم به الحاكم ففيه وجهان.
(أحدهما)
وهو قول أبى سعيد الاصطخرى: أنه ينقض حكمه، لان مخالف لنص الخبر: وهو ما رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (أَيُّمَا امْرَأَةٍ نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل: فنكاحها باطل، فان اشتجروا فالسلطان ولى من لا ولى له فان أصابها فلها مهرها بما استحل من فرجها) .
(والثانى)
لا ينقض، وهو الصحيح، لانه مختلف فيه فلم ينقض فيه حكم الحاكم كالشفعة للجار.
وأما الخبر فليس بنص لانه محتمل للتأويل، فهو كالخبر في شفعة الجار، فان وطئها الزوج قبل الحكم بصحته لم يجب الحد.
وقال أبو بكر الصيرفى: إن كان الزوج شافعيا يعتقد تحريمه وجب عليه الحد كما لو وطئ إمرأة في فراشه وهو يعلم أنها أجنبية، والمذهب الاول لانه وطئ مختلف في إباحته فلم يجب به الحد، كالوطئ في النكاح بغير شهود، ويخالف من وطئ امرأة في فراشه وهو يعلم أنها أجنبية لانه لا شبهة له في وطئها، وان طلقها لم يقع الطلاق.
وقال أبو إسحاق: يقع لانه نكاح مختلف في صحته، فوقع
ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.