الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > إذا غاب الولي هل تنتقل الولاية لمن بعده أم للسلطان؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 23 دقيقة قراءةوالثَّاني يَخصُّ أحَدَهما وهو وِلايةُ النَّدبِ والاستِحبابِ، أو وِلايةُ الشَّركةِ على اختِلافِ الأصلِ: وهو لعَضلٍ مِنْ الوليِّ؛ لأنَّ الحرَّةَ البالِغةَ العاقِلةَ إذا طلَبَتِ الإنكاحَ مِنْ كُفء وجَبَ عليهِ التزويجُ منه؛ لأنه مَنهيٌّ عنِ العضلِ، والنهيُ عن الشيءِ أمرٌ بضِدِّه، فإذا امتَنعَ فقدْ أضَرَّ بها، والإمامُ نُصِّبَ لدَفعِ الضَّررِ، فتَنتقلُ الولايةُ إليهِ (١).
إذا غابَ الوليُّ هل تَنتقلُ الوِلايةُ لمَن بعدَه أم للسُّلطانِ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو غابَ وليُّ المَرأةِ وعَمَى خبَرُه وضُربَتْ فيهِ الآجالُ، أو غابَ غَيبةً مُعتبَرةً -على تَفصيلٍ في كُلِّ مَذهبٍ-، هل تَنتقلُ الوِلايةُ لمَن بعدَه مِنْ الأولياءِ فيزوِّجَها؟ أم تَنتقلُ إلى السُّلطانِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ -على تَفصيلٍ يأتِي- والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الوِلايةَ تَنتقلُ لمَن بعدَه مِنْ الأولياءِ؛ لقولِه ﷺ: «السُّلطانُ وَليُّ مَنْ لا وَليَّ له» (٢)، وهذهِ لها وليٌّ مُناسِبٌ، فيزوِّجُ بحُكمِ الحَديثِ، ولأنَّ البعيدَ يُرجَّحُ بقُربِ نَسبِه والقَريبَ بقُربِ مَحلِّه، فتَساوَيَا.
قالَ الحَنفيةُ خِلافًا لزُفرَ: إذا غابَ الوليُّ الأقرَبُ كالأبِ غَيبةً مُنقطِعةً جازَ لمَن هو أبعَدُ منه كالجَدِّ أنْ يزوِّجَ؛ لأنَّ هذهِ وِلايةٌ نظَريةٌ، وليسَ مِنْ
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٥٢).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وأحمد (٢٥٣٦٥)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٠٧٤).
النَّظرِ التفويضُ إلى مَنْ لا يُنتفَعُ برأيِه، ففوَّضْناهُ إلى الأبعَدِ، وهو مقدَّمٌ على السُّلطانِ كما إذا ماتَ الأقربُ، ولو زوَّجَها السُّلطانُ مع حُضورِه لم يَجُزْ.
وذلكَ أنَّ ثُبوتَ الوِلايةِ لمعنَى النظرِ للمُولَّى عليهِ، حتَّى لا يَثبتُ إلَّا على مَنْ هو عاجِزٌ عن النظرِ لنفسِه، وجُعِلَ الأقرَبُ مُقدَّمًا لأنَّ نظَرَه لها أكثَرُ؛ لزِيادةِ القُربِ، ثمَّ النظرُ لها لا يَحصلُ بمُجرَّدِ رأيِ الأقرَبِ، بل رأيُ حاضِرٍ مُنتفَعٌ به، وقد خرَجَ رأيُه مِنْ أنْ يكونَ مُنتفَعًا به في هذه الحالِ بهذهِ الغَيبةِ، فالتَحقَ بمَن لا رأيَ له أصلًا كالصَّغيرِ والمَجنونِ، ورأيُ الأبعدِ خلَفٌ عن رأيِ الأقرَبِ، وفي ثُبوتِ الحُكمِ للخلَفِ لا فرقَ بينَ انعدامِ الأصلِ وبينَ كونِه غيرَ مُنتفَعٍ به، أَلَا ترَى أنَّ التُّرابَ لمَّا كانَ خلَفًا عن الماءِ في حُكمِ الطهارةِ فمعَ وُجودِ الماءِ النجسِ يكونُ الترابُ خلَفًا كما أنَّ عندَ عدمِ الماءِ يكونُ الترابُ خلَفًا؛ لأنَّ الماءَ النجسَ غيرُ مُنتفَعٍ به في حُكمِ الطهارةِ، فهو كالمَعدومِ أصلًا، ونَظيرُه الحَضانةُ والتربيةُ يقدَّمُ فيه الأقرَبُ، فإذا تزوَّجَتِ الأقرَبُ حتَّى اشتغَلَتْ بزوجِها كانتِ الولايةُ للأبعَدِ، وكذلكَ النفقةُ في مالِ الأقرَبِ، فإذا انقطَعَ ذلك ببُعدِ مالِه وجبَتِ النفقةُ في مالِ الأبعدِ.
فأمَّا إذا زوَّجَها الأقرَبُ حيثُ هو فإنما يَجوزُ لأنها انتفَعَتْ برأيِه، ولكنَّ هذه المنفعةَ حصَلَتْ لها اتفاقًا، فلا يَجوزُ بناءُ الحُكمِ عليه، فلهذا تَثبتُ الولايةُ للأبعدِ، تَوضيحُه أنَّ للأبعَدِ قرْبَ التدبيرِ وبُعدَ القرابةِ، وللأقربِ
قُربَ القرابةِ وبعدَ التدبيرِ، وثبوتُ الولايةِ بهما جميعًا، فاستويَا مِنْ هذا الوجهِ، فكانَا بمَنزلةِ وَليَّينِ في درجةٍ واحدةٍ، فأيُّهما زوَّجَها يجوزُ، والولايةُ إنما تَثبتُ للقاضي عندَ الحاجةِ، ولا حاجةَ إلى ذلكَ لمَّا ثبتَتِ الولايةُ للأبعَدِ بالطريقِ الذي قُلنا.
والغَيبةُ المُنقطِعةُ أنْ يكونَ في بلدٍ لا تَصلُ إليها القَوافلُ في السَّنةِ إلَّا مرَّةً واحدةً، وهو اختِيارُ القُدوريِّ.
وقيلَ: أدنى مدَّةِ السَّفرِ؛ لأنه لا نهايةَ لأقْصاهُ، وهو اختِيارُ بعضِ المُتأخِّرينَ.
وقيلَ: قدَّرُوها بثلاثةِ أيامٍ، وعليها الفتوَى.
وقيلَ: إذا كانَ بحالِ يَفوتُ الكُفءُ الخاطبُ باستطلاعِ رَأيِه، وهذا أقرَبُ إلى الفقهِ؛ لأنه لا نظَرَ في إبقاءِ ولايتِه حِينئذٍ، وعليهِ فتوَى جماعةٍ مِنْ المتأخِّرينَ (١).
وقالَ زُفرُ رحمة الله عليه: لا يزوِّجُها أحَدٌ حتى يَحضرَ الأقربُ؛ لأنَّ الأبعدَ مَحجوبٌ بولايةِ الأقربِ، وولايتُه باقيةٌ بعدَ الغَيبةِ؛ إذْ لا تأثيرَ للغَيبةِ في قَطعِ الولايةِ، ألَا ترَى أنه لا يَنقطعُ التوارُثُ وأنَّ الولايةَ مِنْ حَقِّ الوليِّ لِيَطلبَ به
(١) «المبسوط» (٤/ ٢٢٠، ٢٢١)، و «الهداية» (١/ ٢٠٠)، و «العناية» (٤/ ٤٣٧، ٤٣٨)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٠٧، ٣٠٩)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٦٠)، و «الاختيار» (٣/ ١٢٠، ١٢١)، و «اللباب» (٢/ ٣١).
الكفاءةَ، فلا يَبطلُ شيءٌ مِنْ حُقوقِه بالغَيبةِ، فالأبعَدُ لا يزوِّجُها؛ لبَقاءِ ولايةِ الأقرَبِ، وكذلكَ السُّلطانُ لا يزوِّجُها؛ لأنَّ ولايةَ السلطانِ متأخِّرةٌ عن ولايةِ الأبعدِ، فإذا لم تَثبتِ الولايةُ للأبعَدِ هُنا فالسلطانُ أَولى، بخِلافِ ما إذا عضَلَها؛ لأنَّ هناكَ هو ظالمٌ في الامتناعِ مِنْ إيفاءِ حَقٍّ مُستحَقٍّ عليهِ، فيَقومُ السلطانُ مَقامَه في دفعِ الظلمِ؛ لأنه نُصِّبَ لذلكَ، وهنا الأقربُ غيرُ ظالمٍ في سفَرهِ، خُصوصًا إذا سافَرَ للحَجِّ، وهو غيرُ مُمتنِعٍ مِنْ إيفاءِ حَقٍّ مُستحَقٍّ عليه ليَقومَ السلطانُ مَقامَه في الإيفاءِ، فيُتأخَّرُ إلى حُضورِه (١).
وأمَّا المالِكيةُ فعندَهم تَفصيلٌ في الغَيبةِ، إمَّا أنْ يكونَ الغائِبُ هو الوليُّ المُجبِرُ، أو يكونَ الأقرَبَ غيرَ المُجبِرِ، فقالُوا: الغَيبةُ لها ثلاثةُ أقسامٍ:
القِسمُ الأولُ: إذا غابَ الأبُ -أو المالِكُ للأمَةِ أو وَصيُّ الأبِ-غَيبةً قَريبةً كعشَرةِ أيَّامٍ ونحوِها ذَهابًا مع أمْنِ الطريقِ وسُلوكِها فلا يَجوزُ للحاكِمُ ولا مَنْ بعدَه مِنْ الأولياءِ كأخٍ وجَدٍّ أنْ يزوِّجَ المرأةَ المُجبَرةَ -بِكرًا كانَتْ أو ثَيبًا، صَغيرةً أو كَبيرةً مَجنونةً- في غَيبةِ أبيها؛ لأنه في حُكمِ الحاضِرِ؛ لإمكانِ إيصالِ الخبَرِ إليه بلا كبيرِ مَشقَّةٍ، ولقولِ النبيِّ ﷺ: «تُستأْمَرُ اليَتيمةُ في نَفسِها» (٢)، فدَلَّ على أنَّ ذاتَ الأبِ بخِلافِها، ولأنَّ حَقَّ الولايةِ والإجبارِ ثابتٌ له، وما قَرُبَ مِنْ الغَيبةِ في حُكمِ الحضَرِ، فلمْ يَكنْ لأحدٍ الافتياتُ عليهِ كما لو كانَ حاضِرًا، ولأنَّ الأبَ لو أمسَكَ عن إنكاحِها لم يكنْ لأحدٍ الافتياتُ
(١) المصادر السابقة.
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٠٩٣)، والنسائي (٣٢٧٠)، وأحمد (١٩٦٧٤).
عليهِ إلَّا بعدَ تكرُّرِ ذلكَ منه والعلمِ منه بعَضلِها.
فإنْ زوَّجَها فإنَّ التزويجَ يُفسَخُ أبدًا وإنْ ولَدَتِ الأولادَ أو أجازَه الأبُ، ما لم يَتبيَّنُ ضرَرُ الأبِ بها، وإلَّا زوِّجَتْ ويَصيرُ كالعاضلِ الحاضرِ، فتَتقدَّمُ إلى الإمامِ إمَّا أنْ يزوِّجَها وإلَّا زوَّجَها عليهِ.
وإلا إذا خِيفَتِ الطريقُ بأنْ كانَ لا يُمكِنُ سُلوكُها لعدمِ الأمنِ وخِيفَ عليها ضَياعٌ أو فَسادٌ فكالغَيبةِ البَعيدةِ، يزوِّجُها الحاكمُ دونَ غيرِه، وإلا فُسخَ.
القِسمُ الثَّاني: أمَّا إذا غابَ الأبُ -أو الوليُّ المُجبِرُ- غيبةً بعيدةً جدًّا فإنَّ للحاكمِ أنْ يزوِّجَ ابنةَ الغائبِ المُجبِرِ دونَ غيرِه مِنْ الأولياءِ إذا لم يُرْجَ قدومُه بسُرعةٍ.
وكذلكَ يجوزُ للحاكمِ تَزويجُها إذا غابَ الوليُّ الأقرَبُّ غيرُ المُجبِرِ غَيبةً مَسافتَها مِنْ بلدِ المرأةِ ثَلاثُ ليالٍ أو نحوُها ودعَتْ لكُفءٍ وأثبتَتْ ما تدَّعيهِ مِنْ الغَيبةِ والمَسافةِ والكَفاءةِ، فإنَّ الحاكِمَ يزوِّجُها لا الأبعَدَ؛ لأنَّ غَيبةَ الأقرَبِ لا تُسقِطُ حَقَّه، والحاكمُ وَكيلُ الغائبِ، فإنْ كانتِ الغَيبةُ دونَ الثَّلاثِ أرسَلَ إليهِ، فإنْ حضَرَ أو وكَّلَ وإلا زوَّجَها الحاكمُ لا الأبعَدُ، ولو زوَّجَها الأبعدُ في هذهِ الحالةِ صَحَّ، وما زادَ على الثلاثِ حُكمُه حُكمُ الثلاثِ، وما نَقصَ عن الثلاثِ فإنه يَنتقلُ الحَقُّ للأبعدِ.
القِسمُ الثالِثُ: إذا حصَلَ للوليِّ المُجبِرِ أو غيرِه أسْرٌ أو فُقدَ ولم يُعلَمْ له خبَرٌ ولا عُرفَ مَوضوعُه فيَنزلُ بمَنزلةِ الموتِ على المَشهورِ؛ لتَنزيلِ أسْرِ الأقرَبِ أو فقْدِه مَنزلةَ موتِه، وهو إذا ماتَ تَنتقلُ الولايةُ للأبعَدِ، فيزوِّجُها الأبعَدُ مِنْ أوليائِها لا الحاكِمُ وإنْ جرَتْ على البِكرِ النَّفقةُ ولم يُخَفْ عليها.
وقيلَ: أنَّ الأسيرَ والمَفقودَ كذِي الغَيبةِ البعيدةِ، لا يزوِّجُ ابنتَهُما إلا الحاكِمُ، ولا يُنقلُ الأمرُ للأبعدِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إذا كانَ وليُّها غائبًا في مَوضعٍ لا يَصلُ إليهِ الكتابُ أو يَصلُ فلا يُجيبُ عنه زوَّجَها مَنْ هو أبعَدُ منه مِنْ عصَبتِها دونَ الحاكمِ، فإنْ لم يكنْ لها وَليٌّ أقرَبُ زوَّجَها الحاكمُ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ: «السُّلطانُ وَليُّ مَنْ لا وليَّ له»، وهذه لها وَليٌّ مُناسِبٌ فيزوِّجُ بحُكمِ الحَديثِ، فلا يكونُ السُّلطانُ وليَّها، ولأنَّ البعيدَ يُرجَّحُ بقُربِ نسَبِه والقَريبَ بقُربِ مَحلِّه فتَساويَا، ولأنَّ الأقرَبَ تعذَّرَ حُصولِ التزويجِ منه، فتَثبتُ الولايةُ لمَنْ يَليهِ
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٩٩) رقم (١١٣٤)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٥٠٢، ٥٠٣)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٦٩، ٧٠)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٨٦، ١٨٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٧، ٢٨)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٦٤، ٥٦٦)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ٤٥٤، ٤٥٧).
مِنْ العصَباتِ كما لو جُنَّ أو ماتَ، ولأنها حالةٌ يجوزُ فيها التَّزويجُ لغيرِ الأقرَبِ، فكانَ ذلكَ للأبعدِ كالأصلِ، وإذا عضَلَها الأقرَبُ فهو كمَسألتِنا.
وكذلكَ الحُكمُ إذا كانَتْ غَيبتُه مُنقطِعةً؛ لأنَّ مثلَ هذا تَتعذَّرُ مُراجَعتُه بالكليةِ، فتكونُ مُنقطِعةً، أي: يَنقطعُ مِنْ إمكانِ تَزويجِه، وقالَ القاضي: يَجبُ أنْ يكونَ حَدُّ المَسافةِ أنْ لا تردَّدَ القَوافلُ فيه في السَّنةِ إلا مرَّةً؛ لأنَّ الكُفءَ يَنتظرُ سَنةً ولا يَنتظرُ أكثَرَ منها، فيَلحقُ الضرَّرُ بتَركِ تزويجِها.
وقد قالَ أحمَدُ في مَوضعٍ: إذا كانَ الأبُ بَعيدَ السَّفرِ يزوِّجُ الأخُ، قالَ أبو الخطَّابِ: فيُحتملُ أنه أرادَ بالسفرِ البعيدِ ما تُقصَرُ فيه الصلاةُ؛ لأنَّ ذلكَ هو السفرَ الذي عُلِّقتْ عليه الأحكامُ، وذهَبَ أبو بكرٍ إلى أنَّ حَدَّها ما لا يَقعُ إلا بكُلفةٍ ومَشقَّةٍ؛ لأنَّ أحمدَ قالَ: إذا لم يكنْ وليٌّ حاضرٌ مِنْ عصَبتِها كتَبَ إليهم حتَّى يَأذَنوا، إلا أنْ تكونَ غَيبةً مُنقطِعةً لا تُدرَكُ إلا بكُلفةٍ ومَشقةٍ فالسُّلطانُ وليُّ مَنْ لا وليَّ لهُ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وهذا القولُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى أقرَبُها إلى الصوابِ؛ فإنَّ التَّحديداتِ بابُها التَّوقيفُ، ولا تَوقيفَ في هذهِ المَسألةِ، فتُردُّ إلى ما يَتعارفُه الناسُ بينَهم ممَّا لم تَجرِ العادةُ بالانتظارِ فيه، ويَلحقُ المرأةَ الضررُ بمَنعِها مِنْ التزويجِ في مِثلِه، فإنه يتعذَّرُ في ذلكَ الوصولُ إلى المَصلحةِ مِنْ نَظرِ الأقربِ، فيكونُ كالمَعدومِ، والتَّحديدُ بالعامِ كبيرٌ؛ فإنَّ الضررَ يَلحقُ بالانتظارِ في مثلِ ذلكَ ويَذهبُ الخاطبُ، ومَن لا يَصلُ
الكتابُ منه أبعَدُ، ومَن هو على مَسافةِ القَصرِ لا تَلحقُ المَشقةُ في مُكاتَبتِه، والتوسُّطُ أَولى، واللهُ أعلَمُ.
ثمَّ قالَ: فصلٌ: وإنْ كانَ القَريبُ مَحبوسًا أو أسيرًا في مَسافةِ قريبةٍ لا تُمكِنُ مُراجَعتُه فهو كالبعيدِ، فإنَّ البُعدَ لم يُعتبَرْ لعَينِه، بل لتعذُّرِ الوصولِ إلى التزويجِ بنَظرِه، وهذا مَوجودٌ هاهُنا، ولذلكَ إنْ كانَ غائبًا لا يُعلَمُ أَقريبٌ أو بعيدٌ، أو يُعلَمُ أنه قريبٌ ولم يُعلَمْ مكانُه فهو كالبَعيدِ (١).
وذهَبَ الشَّافعيةُ وقَولٌ مُخرَّجٌ عندَ الحَنابلةِ إلى أنَّ الوليَّ الأقربَ إذا غابَ إلى مَرحلتَينِ ولا وكيلَ له حاضِرٌ بالبلدِ أو دونَ مَسافةِ القصرِ فإنَّ الولايةَ تَنتقلُ إلى سُلطانِ بَلدِها أو نائبِه دُونَ باقي الأولياءِ، فلا تَنتقلُ إليهم على الأصَحِّ؛ لأنَّ السلطانَ يَستوفِي لها حُقوقَها ويَنظرُ في مالها إذا فُقدَ وليُّها، فلذلكَ هو أحَقُّ بالتزويجِ مِنْ غيرِه، ولأنَّ الحاكِمَ يزوِّجُ كما في العَضلِ؛ إذِ الأبعَدُ مَحجوبٌ بالأقربِ والوِلايةُ باقيةٌ، فقامَ الحاكِمُ مَقامَه فيها؛ ولأنَّ الغائبَ وَليٌ والتزويجَ حَقٌّ له، فإذا تعذَّرَ استيفاؤُه منه نابَ عنه الحاكِمُ.
لكنَّ الأَولى أنْ يأذَنَ السلطانُ للوليِّ الأبعَدِ أو يَستأذِنَ؛ خُروجًا مِنْ الخِلافِ.
(١) «المغني» (٧/ ٢٥، ٢٦)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٣٤، ٣٣٥)، و «المبدع» (٧/ ٣٧، ٣٨)، و «الإنصاف» (٨/ ٧٦، ٧٧)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٨).
وأمَّا إنْ غابَ دونَ مَرحلتَينِ فلا يزوِّجُ إلا بإذنِه في الأصَحِّ؛ لقِصَرِ المَسافةِ، فيُراجَعُ فيَحضرُ أو يوكِّلُ كما لو كانَ مُقيمًا.
والثَّاني: يزوِّجُ؛ لئلَّا تَتضرَّرَ بفواتِ الكُفءِ الراغبِ كالمسافةِ الطَّويلةِ.
لكنْ هذا إذا غابَ مَسافةَ القَصرِ أو كانَ مَفقودًا لا يُعرَفُ مكانُه ولا مَوتُه وحَياتُه، فيزوِّجُها السُّلطانُ؛ لتعذُّرِ نكاحِها مِنْ جهتِه، أما إنِ انتَهى الأمرُ إلى غايةٍ يَحكمُ القاضِي فيها بمَوتِه وقسَّمَ مالَه بينَ ورَثتِه انتقَلَتِ الولايةُ إلى الأبعدِ.
ويُستحبُّ للسُّلطانِ أنْ لا يزوِّجَ مَنْ تدَّعي غَيبةَ وليِّها حتَّى يَشهدَ شاهِدانِ أنه ليسَ لها وليٌّ حاضِرٌ وأنها خَليةٌ عن النكاحِ والعدَّةِ، وقيلَ: يَجبُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا المسألةُ الثانيةُ: فإنَّ مالِكًا يقولُ: إذا غابَ الوليُّ الأقرَبُ انتَقلَتِ الولايةُ إلى الأبعَدِ، وقالَ الشافعيُّ: تَنتقلُ إلى السُّلطانِ.
وسَببُ اختِلافِهم هل الغَيبةُ في ذلكَ بمَنزلةِ المَوتِ أم لا؟ وذلكَ أنه لا خِلافَ عندَهم في انتقالِها في الموتِ.
وأمَّا المَسألةُ الثالثةُ وهي غَيبةُ الأبِ عن ابنَتِه البكرِ: فإنَّ في المَذهبِ فيها تَفصيلًا واختلافًا، وذلك راجِعٌ إلى بُعدِ المكانِ وطُولِ الغَيبةِ، أو قُربِه
(١) «المهذب» (٢/ ٣٧)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٧٠٦، ٧٠٨)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٩٦، ٩٨)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٦٢)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٦١٤، ٦١٥).
المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب النكاح
باب ما يصح به النكاح
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
بَابُ مَا يصح به النكاح
لا يصح النكاح إلا بولي فان عقدت المرأة لم يصح، وقال أبو ثور: إن عقدت بإذن الولى صح، ووجهه أنها من أهل التصرف، وإنما منعت من النكاح لحق الولى، فإذا أذن زال المنع كالعبد إذا أذن له المولى في النكاح، وهذا خطأ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رفعه (لا تنكح المرأة المرأة، ولا تنكح المرأة نفسها) ولانها غير مأمونة على البضع لنقصان عقلها، وسرعة انخداعها، فلم يجز تفويضه إليها كالمبذر في المال، ويخالف العبد فانه منع لحق المولى، فانه ينقض قيمته بالنكاح، ويستحق كسبه في المهر والنفقة فزال المنع باذنه، فان عقد النكاح بغير
ولى وحكم به الحاكم ففيه وجهان.
(أحدهما)
وهو قول أبى سعيد الاصطخرى: أنه ينقض حكمه، لان مخالف لنص الخبر: وهو ما رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (أَيُّمَا امْرَأَةٍ نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل: فنكاحها باطل، فان اشتجروا فالسلطان ولى من لا ولى له فان أصابها فلها مهرها بما استحل من فرجها) .
(والثانى)
لا ينقض، وهو الصحيح، لانه مختلف فيه فلم ينقض فيه حكم الحاكم كالشفعة للجار.
وأما الخبر فليس بنص لانه محتمل للتأويل، فهو كالخبر في شفعة الجار، فان وطئها الزوج قبل الحكم بصحته لم يجب الحد.
وقال أبو بكر الصيرفى: إن كان الزوج شافعيا يعتقد تحريمه وجب عليه الحد كما لو وطئ إمرأة في فراشه وهو يعلم أنها أجنبية، والمذهب الاول لانه وطئ مختلف في إباحته فلم يجب به الحد، كالوطئ في النكاح بغير شهود، ويخالف من وطئ امرأة في فراشه وهو يعلم أنها أجنبية لانه لا شبهة له في وطئها، وان طلقها لم يقع الطلاق.
وقال أبو إسحاق: يقع لانه نكاح مختلف في صحته، فوقع
ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.