الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > اتحاد المجلس
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةوقيلَ: يَصحُّ العقدُ دُونَ الشَّرطِ، فالأظهَرُ في هذا الشَّرطِ أنه يَصحُّ، وإذا قيلَ ببُطلانِه لم يَكنِ العَقدُ لازِمًا بدُونِه، فإنَّ الأصلَ في الشَّرطِ الوَفاءُ، وشَرطُ الخِيارِ مَقصودٌ صَحيحٌ، لا سيَّما في النكاحِ، وهذا يُبنَى على أصلٍ وهو أنَّ شرْطَ الخِيارِ في البَيعِ هل الأصلُ صِحَّتُه، أو الأصلُ بُطلانُه لكنْ جُوِّزَ ثَلاثًا على خِلافِ الأصلِ؟ فالأولُ قَولُ أئمَّةِ الفُقهاءِ مالِكٍ وأحمَدَ وابنِ أبي لَيلَى وأبي يُوسفَ ومُحمدٍ، والثَّاني قَولُ أبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ، ولهذا أبطَلَا الخِيارَ في أكثرِ العُقودِ النكاحِ وغَيرِه (١).
وقالَ المالِكيةُ: النكاحُ عَقدٌ لازِمٌ، لا يَجوزُ فيه الخِيارُ، وقالَ الصَّاوِي رحمة الله عليه: يَلزمُ النكاحُ بمُجرَّدِ الإيجابِ والقَبولِ وإنْ لم يَرْضَ الآخَرُ ولو قامَتْ قَرينةٌ على قَصدِ الهَزلِ؛ لأنَّ النكاحَ عَقدٌ لازِمٌ لا يَجوزُ فيه الخِيارُ، إلَّا خيارَ المَجلسِ فهو مَعمولٌ به عندَنا في خُصوصِ النِّكاحِ إذا اشتُرطَ (٢).
إلَّا أنِّي لم أقَفْ على قَولٍ لهُم، هل يَبطلُ النكاحُ بذلكَ؟ أم يَصحُّ مع إبطال الشَّرطِ؟
٨ - اتِّحادُ المَجلسِ:
قالَ الحَنفيةُ: مِنْ شَرائطِ الإيجابِ والقَبولِ اتِّحادُ المَجلسِ إذا كانَ
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣٤٩، ٣٥٠)، و «الإنصاف» (٨/ ١٦٦).
(٢) «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ٤٢٩)، ويُنظَر: «القوانين الفقهية» ص (١٣١)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٥٣)، و «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٣/ ١٤).
الشَّخصانِ حاضِرَينِ، وهو أنْ يكونَ الإيجابُ والقَبولُ في مَجلسٍ واحِدٍ، فلوِ اختَلفَ المَجلسُ لا يَنعقدُ النِّكاحُ، بأنْ كانَا حاضِرَينِ فأَوجَبَ أحَدُهما فَقامَ الآخَرُ عنِ المَجلسِ قبْلَ القَبولِ، أو اشتَغلَ بعَملٍ يُوجِبُ اختِلافَ المَجلسِ لا يَنعقدُ؛ لأنَّ انعِقادَه عِبارةٌ عنِ ارتِباطِ أحَدِ الشَّطرَينِ بالآخَرِ، فكانَ القِياسُ وُجودُهما في مكانٍ واحدٍ، إلَّا أنَّ اعتِبارَ ذلكَ يُؤدِّي إلى سَدِّ بابِ العُقودِ، فجُعلَ المَجلسُ جامِعًا للشَّطرَينِ حُكمًا مع تَفرُّقِهما حَقيقةً للضَّرورةِ، والضَّرورةُ تَندفعَ عندَ اتِّحادِ المَجلسِ، فإذا اختَلفَ تفرَّقَ الشَّطرانِ حَقيقةً وحُكمًا، فلا يَنتظِمُ الرُّكنُ.
فلو عقَدَا وهُمَا يَمشيانِ ويَسيرانِ على الدَّابةِ لا يَجوزُ، وإنْ كانَا على سَفينةٍ سَائرةٍ جازَ؛ لأنَّ السَّفينةَ في حُكمِ المَكانِ الواحِدِ، هذا إذا كانَ العاقِدانِ حاضِرَينِ.
قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: فأمَّا إذا كانَ أحَدُهما غائِبًا لم يَنعقِدْ، حتَّى لو قالَتِ امرأةٌ بحَضرةِ شاهدَينِ: «زوَّجتُ نفْسِي مِنْ فُلانٍ» وهو غائِبٌ فبلَغَه الخبَرُ فقالَ: «قَبلْتُ»، أو قالَ رَجلٌ بحَضرةِ شاهدَينِ: «تزوَّجْتُ فُلانةَ» وهي غائِبةٌ فبلَغَها الخبَرُ فقالَتْ: «زوَّجتُ نفْسِي منهُ» لم يَجُزْ وإنْ كانَ القَبولُ بحَضرةِ ذَينِكِ الشاهدَينِ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ.
وقالَ أبو يُوسفَ: يَنعقدُ ويَتوقَّفُ على إجازَةِ الغائِبِ.
وجْهُ قَولِ أبي يُوسفَ: إنَّ كَلامَ الواحِدِ يَصلحُ أنْ يكونَ عَقدًا في بابِ
النكاحِ؛ لأنَّ الواحِدَ في هذا البابِ يَقومُ بالعَقدِ مِنْ الجانبَينِ، وكما لو كانَ مالِكًا مِنْ الجانبَينِ أو وليًّا أو وَكيلًا، فكانَ كَلامُه عَقدًا لا شَطرًا، فكانَ مُحتمِلًا للتوقُّفِ كما في الخُلعِ والطَّلاقِ والإعتاقِ على مالٍ.
وجْهُ قَولِهما: إنَّ هذا شَطرُ العَقدِ حَقيقةً لا كُلُّه؛ لأنه لا يَملكُ كلَّه؛ لانعِدامِ الوِلايةِ، وشَطرُ العَقدِ لا يَقفُ على غائِبٍ عنِ المَجلسِ كالبَيعِ؛ وهذا لأنَّ الشَّطرَ لا يَحتملُ التوقُّفَ حَقيقةً؛ لأنَّ التوقُّفَ في الأصلِ على خِلافِ الحَقيقةِ؛ لصُدورِه عنِ الوَلاءِ على الجانبَينِ، فيَصيرُ كَلامُه بمَنزلةِ كَلامينِ وشَخصُه كشَخصينِ حُكمًا، فإذا انعَدمَتِ الولايةُ ولا ضَرورةَ إلى تَعيينِ الحَقيقةِ فلا يَقفُ، بخِلافِ الخُلعِ؛ لأنه مِنْ جانِبِ الزَّوجِ يَمينٌ؛ لأنه تَعليقُ الطَّلاقِ بقَبولِ المَرأةِ وأنه يَمينٌ، فكانَ عَقدًا تامًّا، ومِن جانِبِ المَرأةِ مُعاوَضةٌ، فلا يَحتمِلُ التوقُّفَ كالبَيعِ، وكذلكَ الطَّلاقُ والإعتاقُ على مالٍ.
ولو أرسَلَ إليها رَسولًا وكتَبَ إليها بذلكَ كِتابًا فقَبلَتْ بحَضرةِ شاهدَينِ سَمِعَا كَلامَ الرَّسولِ وقِراءةَ الكِتابِ جازَ ذلكَ؛ لاتِّحادِ المَجلسِ مِنْ حَيثُ المَعنى؛ لأنَّ كَلامَ الرَّسولِ كَلامُ المُرسِل؛ لأنه يَنقلُ عِبارةَ المُرسِلِ، وكذا الكِتابُ بمَنزلةِ الخِطَابِ مِنْ الكاتِبِ، فكانَ سَماعُ قَولِ الرَّسولِ وقِراءةُ الكِتابِ سَماعَ قَولِ المُرسلِ وكَلامَ الكاتبِ مَعنًى، وإنْ لم يَسمَعَا كَلامَ الرَّسولِ وقِراءةَ الكِتابِ لا يَجوزُ عندَهُما، وعندَ أبي يُوسفَ: إذا قالَتْ: «زوَّجتُ نفْسِي» يَجوزُ وإنْ لم يَسمعَا كَلامَ الرَّسولِ وقِراءةَ الكِتابِ؛ بِناءً
ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.