الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > التوكيل في النكاح
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 24 دقيقة قراءةالتَّوكيلُ في النِّكاحِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنهُ يَصحُّ التَّوكيلُ في عَقدِ النكاحِ؛ لِمَا رَوَى الحاكِمُ في «المُستدرَك» عن جَعفرِ بنِ مُحمدِ بنِ عليٍّ عن أبيهِ قالَ: «بعَثَ رسولُ اللهِ ﷺ عَمرَو بنَ أُميَّةَ الضُّمَريَّ إلى النَّجاشيِّ يَخطُبُ عليه أُمَّ حَبيبةَ بنتَ أبي سُفيانَ، وكانَتْ تحتَ عُبيدِ اللهِ بنِ جَحْشٍ، فزوَجَّها إيَّاه وأَصدَقَها النَّجاشيُّ مِنْ عندِهِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أربعَمِائةَ دِينارٍ» (١).
ولِمَا رواهُ مالِكٌ عن رَبيعةَ بنِ أبي عَبدِ الرَّحمنِ عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ «أنَّ رسولَ الله ﷺ بعَثَ أبا رافِعٍ ورَجلًا مِنْ الأنصارِ فزوَّجاهُ مَيمونةَ بنتَ الحارِثِ، ورسولُ الله ﷺ بالمَدينةِ قبْلَ أنْ يَخرجَ» (٢)، هذا وإنْ كانَ ظاهِرَه الإرسالُ إلَّا أنَّ الإمامَ أحمَدَ وغيرَه رَوَوْه مُتصِلًا عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ عن أبي رافعٍ مَولَى رسولِ اللهِ ﷺ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ تزوَّجَ مَيمونةَ حَلالًا، وبَنَى بها حَلالًا، وكُنتُ الرَّسولَ بينَهُما» (٣).
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الحاكم في «المستدرك» (٦٧٧١)، وفيه مُحمدُ بنُ عُمرَ الواقديُّ وهو مَتروكٌ، وله شاهِدٌ مُرسَلٌ حسَنٌ، وراهُ ابنُ إسحاقَ في «سِيرتِه» (٣٧٣)، والبيهقيُّ في «الكبرى» (١٣٥٧٤) عن مُحمدِ بنِ إسحاقَ قالَ: حدَّثَني أبو جَعفرٍ قالَ: «بعَثَ رَسولُ اللهِ … » ثمَّ ساقَ الحَديثَ.
(٢) «الموطأ» (٧٧١).
(٣) رواه أحمد في «مسنده» (٢٧٢٤١)، والدارمي (١٨٢٥)، والترمذي (٨٤١)، وابن حبان في «صحيحه» (٤١٣٠، ٤١٣٥).
قالَ أبو عُمرَ رحمة الله عليه: في رِوايةِ مالِكٍ لهذا الحَديثِ دَليلٌ على جَوازِ الوَكالةِ في النكاحِ، وهو أمرٌ لا أعلَمُ فيه خِلافًا (١).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقوا على أنَّ الوَكالةَ مِنْ العُقودِ الجائزةِ في الجُملةِ، وأنَّ كُلَّ ما جازَتْ بهِ النِّيابةُ مِنْ الحُقوقِ جازَتِ الوَكالةِ فيهِ، كالبَيعِ والتَّزويجِ والطَّلاقِ وغَيرِ ذلكَ (٢).
ولأنَّ الحاجَةَ تَدعُو إليهِ، فإنه رُبَّما احتاجَ إلى التزوُّجِ مِنْ مَكانٍ بَعيدٍ لا يُمكِنُه السَّفرُ إليهِ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّجَ أمَّ حَبيبةَ وهي يَومئذٍ بأرضِ الحَبشةِ، ولأنَّ النكاحَ عَقدٌ يُقصَدُ فيه المُعاوَضةُ، فصحَّتْ فيه الوَكالةُ كالبُيوعِ (٣).
وقالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: النكاحُ كما يَنعقدُ بهذه الألفاظِ بطَريقِ الأصالةُ يَنعقدُ بها بطَريقِ النِّيابةِ بالوَكالةِ والرِّسالةِ؛ لأنَّ تصرُّفَ الوَكيلِ كتصرُّفِ
(١) «التمهيد» (٣/ ١٥٢).
(٢) «الإفصاح» (١/ ٤٥٢).
(٣) «المبسوط» (١٩/ ١١٧)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٣)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٧٦)، و «بداية المجتهد» (٢/ ١٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٢، ٥٣)، و «المعونة» (٢/ ٢٠٦)، و «التاج والإكليل» (٤/ ١٩٥)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٦٩)، و «تحبير المختصر» (٤٢٧٨)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ٦٣)، و «الأم» (٥/ ١٦)، و «المهذب» (١/ ٣٤٨)، و «المغني» (٥/ ٥٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٠٦)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٤٠)، و «الإنصاف» (٨/ ٨٢)، و «حاشية ابن القيم على سنن أبي داود» (٥/ ٢٠٧).
المُوكِّلِ، وكَلامَ الرَّسولِ كلامُ المُرسِلِ، والأصلُ في جَوازِ الوَكالةِ في بابِ النكاحِ ما رُويَ «أنَّ النجاشيَّ زوَّجَ رسولَ اللهِ ﷺ أمَّ حَبيبةَ رضي الله عنها»، فلا يَخلُو ذلكَ إمَّا أنْ فعَلَه بأمرِ النبيِّ ﷺ أو لا بأمْرِه، فإنْ فعَلَه بأمرِه فهوَ وَكيلُه، وإنْ فعَلَه بغَيرِ أمرِه فقدْ أجازَ النبيُّ ﷺ عقْدَه، والإجازَةُ اللَّاحِقةُ كالوَكالةِ السَّابقةِ (١).
وقالَ الشَّافعيةُ: يَجوزُ التَّوكيلُ في طَرفيِ النِّكاحِ (٢).
وصُورةُ تَوكيلِ رَجلٍ في قَبولِ نِكاحِ امرأةٍ مِنْ وليِّها الشَّرعيِّ: وكَّلَ فُلانٌ فُلانًا في قَبولِ عَقدِ فُلانةَ البكرِ البالغِ، أو المَرأةِ أو البِكرِ المُعضَلةِ مِنْ وَليِّها فُلانٍ، والدِها أو جَدِّها أبي أبيها أو غَيرِهما على تَرتيبِ الأولياءِ في النكاحِ، على صَداقٍ مَبلَغُه كذا حالًّا أو مُنجَّمًا تَوكيلًا صَحيحًا شَرعيًّا، قَبِلَ ذلكَ منهُ قَبولًا شُرِعَ ويُؤرَّخُ (٣).
وقالَ الحَنابلةُ: وله أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَقبلُ له النِّكاحَ، لكنْ يُشتَرطُ لصحَّةِ عَقدِه -أي الوَكيلِ- تَسميةُ المُوكِّلِ في صُلبِ العَقدِ، فيَقولُ الوليُّ: «زوَّجتُ مُوكِّلَكَ فُلانًا، أو زوَّجتُ فلانًا -ويَنسبَه- فُلانةَ» ويقولُ الوَكيلُ: «قَبلْتُ هذا النكاحَ لفُلانِ بنِ فلانٍ، أو لمُوكِّلِي فُلانٍ»، فإنْ قالَ الوَكيلُ: «قَبلْتُ هذا
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٣١).
(٢) «روضة الطالبين» (٣/ ٤٩٠)، و «البيان» (٦/ ٣٩٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٩٧)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٢).
(٣) «جواهر العقود» (١/ ١٦٤).
النكاحَ» ونَوَى أنه قَبِلَه لمُوكِّلِه ولم يَذكُرْه في العَقدِ لم يَصحَّ النِّكاحُ (١).
وقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: فإذا تَقرَّرَ جَوازُ الوَكالةِ في النكاحِ جازَ أنْ يُوكِّلَ الوَليُّ والزَّوجُ، ولم يَجُزْ أنْ تُوكِّلَ الزَّوجةُ؛ لأنه لا حَقَّ للزَّوجةِ في مباشَرةِ العَقدِ، فلمْ يَصحَّ منها التَّوكيلُ فيهِ، وإذا كانَ كذلكَ فحُكمُ الوَكالةِ فيه يَتعلَّقُ بفَصلَينِ:
أحَدُهما: في تَوكيلِ الوَليِّ، والثَّاني: في تَوكيلِ الزَّوجِ.
فأمَّا تَوكيلُ الوليِّ: فلا يَجوزُ أنْ يُوكِّلَ فيهِ إلَّا مَنْ يَصحُّ أنْ يكونَ وليًّا فيهِ، وهو أنْ يكونَ ذكَرًا بالِغًا عاقِلًا حُرًّا مُسلِمًا رَشيًدا، فإذا اجتَمعَتْ هذه الأوصافُ الستَّةُ صَحَّ تَوكيلُه كما تَصحُّ وِلايتُه، وإنْ أخَلَّ بأحَدِ هذهِ الأوصافِ فوكَّلَ امرأةً أو صَغيرًا أو مَجنونًا أو عَبدًا أو كافِرًا أو سَفيهًا لم يَجُزْ وكانَتِ الوَكالةُ باطِلةً، فإنْ عقَدَ بها كانَ العَقدُ فاسِدًا، فإذا تكامَلَتْ في الوكيلِ هذهِ الشُّروطِ السِّتةُ لم يَخْلُ حالُ الوليِّ المُوكِّلِ له مِنْ أحَدِ أمرَينِ:
إمَّا أنْ يكونَ ممَّن يُجبِرُ على النكاحِ كالأبِ والجَدِّ مع البِكرِ، أو ممَّن لا يُجبِرُ عليه كسائرِ الأولياءِ مع الثيِّبِ، أو كغَيرِ الأبِ والجَدِّ مع البكرِ والثيِّبِ.
فإنْ كانَ الوليُّ ممَّن يُجبِرُ على النكاحِ كالأبِ والجَدِّ مع البِكرِ فإنَّ له أنْ يُوكِّلَ بإذنها وغيرِ إذنها كما يَجوزُ له تَزويجُها بإذنها وغيرِ إذنها، لكنْ هل
(١) «كشاف القناع» (٣/ ٥٤٢).
يَلزمُه أنْ يُعيِّنَ لوَكيلِه على الزَّوجِ؟ أو يَرُدَّه إلى اختِيارِه؟ فيهِ قَولانِ:
أحَدُهما: يَجوزُ أنْ يَردَّه إلى اختِيارِه؛ لأنه قد أقامَهُ بالتَّوكيلِ مَقامَ نَفسِه، فلمْ يَلزمْه التَّعيينُ كالتَّوكيلِ في الأموالِ، فعَلى هذا يَلزمُه أنْ يَختارَ لها كُفئًا، والأَولى بهِ إذا أرادَ تَزويجَها بمَن قدِ اختَارُه لها أنْ يَستأذِنَها فيهِ، وإذنُها معهُ الصَّمتُ كإذنِها معَ الأبِ، فإنْ زوَّجَها به مِنْ غَيرِ استِئذانِها صَحَّ النكاحُ، كالأبِ إذا زوَّجَ بغيرِ إذْنٍ، فلو أنَّ الوليَّ -على هذا القَولِ- عيَّنَ لوَكيلِه على الزَّوجِ سقَطَ اختِيارُ الوَكيلِ، ولم يَكنْ له تَزويجُها بغيرِ مَنْ عُيِّنَ له عليهِ، كالوكيلِ في الشِّراءِ إذا عُيِّنَ على ما يَشتريهِ.
والقَولُ الثَّاني: أنَّ على الوَليِّ أنْ يُعيِّنَ لوكيلِه في عَقدِ الوَكالةِ على الزَّوجِ الذي زوَّجَها به، ولا يَردُّ ذلكَ إلى خِيارِه؛ لأنَّ معنَى الوليِّ في لُحوقِ عارِها مَعقودٌ في وكيلِه، فلمْ يَقُمِ اختِيارُ الوكيلِ مَقامَ اختيارِه، وفارَقَ التَّوكيلَ في الأموالِ الَّتي لا يُراعَى في اختيارِها لُحوقُ العارِ، فعلَى هذا متَى زوَّجَها الوكيلُ بكُفءٍ وغَيرِ كُفءٍ كانَ النكاحُ باطلًا؛ لفَسادِ الوَكالةِ، فلو عُيِّنَ له أنْ يزوِّجَها بأحَدِ رَجلينِ نُظِرَ؛ فإنْ كانَ الوليُّ قد اختارَهُما ورَدَّ العقدَ على أحَدِهما إلى خِيارِ وَكيلِه جازَ، وإنْ لم يكنْ مِنْ الوليِّ اختِيارٌ، بل رد ذلكَ إلى اختيارِ وكيلِه وخِيارِه، ثمَّ الاعتِبارُ بأنْ لا يكونَ للوليِّ خِيارٌ.
وإذا كانَ الوليُّ ممَّن لا يُجبِرُ على النكاحِ فهلْ يَلزمُ استِئذانُها في عَقدِ النكاحِ أم لا؟ اختَلفَ أصحابُنا فيهِ على وَجهَينِ، ومنهُم مَنْ خرَّجَه على قَولينِ:
أحَدُهما -وهو اختِيارُ أبي عليِّ ابنِ أبي هُريرةَ-: أنه لا يَصحُّ تَوكيلُه إلَّا بإذنِها؛ لأنه نائِبٌ عنها، وأشبَهَ الوَكيلَ الَّذي لا يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ فيما هو وُكِّلَ فيه إلَّا عن إذنِ مُوكِّلِه، فعلى هذا إنْ لم يَستأذِنْها الوَليُّ في تَوكيلِه فزوَّجَها الوكيلُ بإذنها أو غَيرِ إذنِها كانَ النكاحُ باطِلًا؛ لفَسادِ الوَكالةِ، ولو استأذَنَها الوليُّ فيه بعدَ عَقدِ الوَكالةِ لم تَصحَّ الوكالةُ حتَّى يستأذِنَها الوليُّ بعدَ إذنِها في تَوكيلِه، فإذا وكَّلَه بعدَ إذنها وكانَ وَكيلًا لهُمَا جَميعًا فإنْ رجَعَتْ في توكيلِه بطَلَتِ الوَكالةُ، ولم يكنْ له أنْ يزوِّجَ.
والوَجهُ الثَّاني -وهو اختِيارُ أبي إسحاقَ المَروزيِّ-: الوَكالةُ جائِزةٌ وإنْ لم يستأذِنْها الوَليُّ في عَقدِها؛ لأنه مُوكَّلٌ في حَقِّ نَفسِه الَّذي ثبَتَ به بالشَّرعِ لا بالاستِنابةِ، فأشبَهَ الأبَ، وخالَفَ الوَكيلَ المُستنابَ، فعلَى هذا تَصحُّ الوَكالةُ وإنْ لم يَستأذِنِ المَرأةَ في عَقدِها، ويكونُ هو وَكيلًا للوليِّ وحْدَه، ولا يُؤثِّرُ فيه مَنعُها، لكنْ ليسَ للوكيلِ أنْ يُزوِّجَها إلَّا بإذنها كما لم يَكنْ ذلكَ لوليِّها المُوكّلِ، فإنْ زوَّجَها بغيرِ إذنها كانَ النكاحُ باطِلًا، سَواءٌ زوَّجَها بكُفءٍ أو غيرِ كُفءٍ، ولو زوَّجَها الوكيلُ بإذنها مِنْ غيرِ كُفءٍ كانَ النكاحُ باطِلًا، سواءٌ أجازَه الوليُّ أو لم يُجِزْه.
وأمَّا تَوكيلُ الزَّوجِ: فإنْ كانَ في تَزويجِ امرأةٍ بعَينِها جازَ أنْ يُوكِّلَ كلَّ مَنْ صَحَّ منه قَبولُ النكاحِ في نَفسِه، وهو مَنْ اجتَمعَتْ فيه ثَلاثةُ شُروطٍ: أنْ يكونَ ذكَرًا بالِغًا، عاقِلًا، وسواءٌ كانَ حُرًّا أو عَبدًا، رَشيدًا أو سَفيهًا؛ لأنَّ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل الكفاءة في الدين
عَنْهُ، فَإِنَّهُ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا يُوسُفَ عَنْ الْكُفْءِ، فَقَالَ: الَّذِي يَمْلِكُ الْمَهْرَ، وَالنَّفَقَةَ، فَقُلْت، وَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ الْمَهْرَ دُونَ النَّفَقَةِ، فَقَالَ: لَا يَكُونُ كُفْئًا، فَقُلْتُ، فَإِنْ مَلَكَ النَّفَقَةَ دُونَ الْمَهْرِ، فَقَالَ: يَكُونُ كُفْئًا، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ يُعَدُّ قَادِرًا عَلَى الْمَهْرِ بِقُدْرَةِ أَبِيهِ عَادَةً، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى وَلَدِ الْغَنِيِّ إذَا كَانَ صَغِيرًا، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ غَنِيًّا بِمَالِ أَبِيهِ، وَلَا يُعَدُّ قَادِرًا عَلَى النَّفَقَةِ بِغِنَى أَبِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ يَتَحَمَّلُ الْمَهْرَ الَّذِي عَلَى ابْنِهِ، وَلَا يَتَحَمَّلُ نَفَقَةَ زَوْجَتِهِ عَادَةً.
وَقَالَ: بَعْضُهُمْ إذَا كَانَ الرَّجُلُ ذَا جَاهٍ كَالسُّلْطَانِ وَالْعَالِمِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ كُفْئًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُ مِنْ الْمَالِ إلَّا قَدْرَ النَّفَقَةِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَهْرَ تَجْرِي فِيهِ الْمُسَامَحَةُ بِالتَّأْخِيرِ إلَى وَقْتِ الْيَسَارِ، وَالْمَالُ يَغْدُو، وَيَرُوحُ، وَحَاجَةُ الْمَعِيشَةِ تَنْدَفِعُ بِالنَّفَقَةِ.
فَصْلٌ الْكَفَاءَةُ فِي الدِّينِ
(فَصْلٌ) :
وَمِنْهَا الدِّينُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ حَتَّى لَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنَاتِ الصَّالِحِينَ إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ فَاسِقٍ كَانَ لِلْأَوْلِيَاءِ حَقُّ الِاعْتِرَاضِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ التَّفَاخُرَ بِالدِّينِ أَحَقُّ مِنْ التَّفَاخُرِ بِالنَّسَبِ، وَالْحُرِّيَّةِ وَالْمَالِ، وَالتَّعْيِيرُ بِالْفِسْقِ أَشَدُّ وُجُوهِ التَّعْيِيرِ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
١٠٩٩ - مسألة؛ قال: (ولا نكاح إلا بولى وشاهدين من المسلمين)
بها، ويَشْتَغِلُ عن العِلْمِ والعبادةِ بما لا فائِدةَ فيه. والأخبارُ تُحْمَلُ على مَنْ له شَهْوةٌ؛ لما فيها من القرائنِ الدَّالَّةِ عليها. وظاهرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا فَرْقَ بين القادِرِ على الإنْفاقِ والعاجزِ عنه، قال: يَنْبَغِى للرَّجُلِ أن يتزَوّجَ، فإن كان عنده ما يُنْفِقُ، أنفَقَ، وإن لم يكُنْ عندَه، صَبَرَ، ولو تزوَّج بَشَرٌ كان قد تَمَّ أمْرُه. واحْتَجَّ بأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصْبِحُ وما عندَهم شىءٌ، ويُمْسِى وما عندهم شىءٌ . وأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- زَوَّجَ رَجُلًا لم يَقْدِرْ على خاتَمِ حَدِيدٍ، ولا وجَد إلّا إزارَه، ولم يكُنْ له رِداءٌ. أخْرَجه البُخارِىُّ . قال أحمدُ، فى رجلٍ قليلِ الكَسْبِ، يَضْعُفُ قلبُه عن العِيالِ: اللَّه يَرْزُقُهُم، التزويج أحْصَنُ له، ربَّما أتَى عليه وقت لا يَمْلكُ قَلْبَه . وهذا فى حَقِّ مَنْ يمكنُه التَّزويجُ ، فأمَّا مَن لا يُمْكِنُه، فقد قال اللَّهُ تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} .
١٠٩٩ - مسألة؛ قال: (وَلَا نِكاحَ إلَّا بِوَلِىٍّ وشَاهِدَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)
فى هذه المَسْألة أربعةُ فصولٍ:
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب النكاح]
[فصل أحكام الصداق]
فَصْلٌ) الصَّدَاق تَعْرِيفه الصَّدَاقُ كَالثَّمَنِ: كَعَبْدٍ تَخْتَارُهُ هِيَ؛ لَا هُوَ.
ــ
منح الجليل
فَصْلٌ أَحْكَام الصَّدَاق
فَصْلٌ)
(فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الصَّدَاقِ) وَأَخَّرَهُ لِيَتَفَرَّغَ لِطُولِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ (الصَّدَاقُ) أَيْ الْمَالُ الْمُلْتَزَمُ لِلْمَخْطُوبَةِ لِمِلْكِ عِصْمَتِهَا بِفَتْحِ الصَّادِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا، وَيُقَالُ لَهُ صَدُقَةٌ بِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ} النساء: ٤ مَأْخُوذٌ مِنْ الصِّدْقِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى صِدْقِ الزَّوْجَيْنِ فِي مُوَافَقَةِ الشَّرْعِ، وَيُسَمَّى مَهْرًا وَطَوْلًا بِفَتْحِ الطَّاءِ وَأُجْرَةً وَنَفَقَةً وَنِحْلَةً بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ غَيْرُ رُكْنٍ فِي صَحِيحِ النِّكَاحِ وَإِسْقَاطُهُ مُنَافٍ لَهُ فَإِمْكَانُ لُزُومِهِ شَرْطٌ فِيهِ، وَلَا يُرَدُّ بِلُزُومِهِ فِي نِكَاحِ التَّسْمِيَةِ لِأَنَّهُ لِعَارِضٍ فَلَا يُنَافِي الْإِمْكَانَ الْأَصْلِيَّ، وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ رُكْنٌ يُرَدُّ بِعَدَمِهِ فِي نِكَاحِ تَفْوِيضٍ وَقَعَ فِيهِ طَلَاقٌ أَوْ مَوْتٌ قَبْلَ الْبِنَاء لِأَنَّ رُكْنَ الْعَامِّ رُكْنٌ لِلْخَاصِّ، وَفِيهَا لَوْ اسْتَثْنَى مَنْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ مَهْرَهَا صَحَّ فِي نِكَاحِ التَّسْمِيَةِ، وَبَطَلَ فِي التَّفْوِيضِ قَبْلَ فَرْضِهِ إذْ لَيْسَ بِمَالٍ لَهَا فَيَشْرِطُهُ.
ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.