الحالة الأولى: أن تكون صغيرة لم تبلغ

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > الحالة الأولى: أن تكون صغيرة لم تبلغ

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

الحالة الأولى: أن تكون صغيرة لم تبلغ - الأقوال والأدلة

ولايةُ الإجبارِ (زواجُ المرأةِ بغيرِ رِضاها):

المَرأةُ لا تَخلو مِنْ حَالاتٍ:

الحالةُ الأولى: أنْ تكونَ صَغيرةً لم تَبلغْ:

اتَّفقَ فقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرُهم مِنْ العُلماءِ على أنه يجوزُ نكاحُ الصَّغيرةِ، واستَدلُّوا على ذلكَ بالقُرآنِ والسُّنةِ والإجماعِ، ولعَملِ المُسلمينَ.

أمَّا القُرآنُ: فقولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، فجعَلَ للَّائِي لم يَحضْنَ عدَّةَ ثلاثةِ أشهُرٍ، ولا تكونُ العدَّةُ ثلاثةَ أشهُرٍ إلَّا مِنْ الطَّلاقِ في نكاحٍ أو فَسخٍ، فدلَّ ذلكَ على أنها تزوَّجُ وتَطلقُ.

وقولُه تعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، أي: في نِكاحِ اليَتامى، هكذا فسَّرتْهُ عائشةُ رضي الله عنها (١).

وأمَّا السُّنةُ: فهو زَواجُ النبيِّ مِنْ عائشةَ رضي الله عنها، فقَدْ روَى الشَّيخانِ عن عائِشةَ رضي الله عنها قالَتْ: «تَزوَّجَنِي النبيُّ وأنا بنتُ سِتِّ سِنينَ، فقَدِمْنا المَدينةَ فنَزلْنا في بنِي الحارِثِ بنِ خَزرجٍ، فوُعِكتُ فتَمزَّقَ شَعرِي فوَفَى جُمَيمةً، فأتَتْنِي أمِّي أمُّ رُومانَ وإني لَفي أُرجُوحةٍ ومَعِي صَواحِبُ لي، فصرَخَتْ بي فأتَيتُها لا أدري ما تُريدُ بي، فأخَذَتْ بيَدِي حتَّى

(١) «تبيين الحقائق» (٢/ ١٢٢).

أوقَفتْنِي على بابِ الدَّارِ وإني لَأُنهِجُ حتَّى سكَنَ بعضُ نفَسِي، ثمَّ أخَذَتْ شيئًا مِنْ ماءٍ فمسَحَتْ بهِ وَجهِي ورَأسِي، ثمَّ أدخَلتْنِي الدَّارَ فإذا نِسوةٌ مِنْ الأنصارِ في البيتِ، فقُلنَ: على الخَيرِ والبَركةِ وعلى خَيرِ طائرٍ، فأسلَمتْني إلَيهنَّ فأصلَحْنَ مِنْ شأني، فلمْ يَرُعْنِي إلا رسولُ اللهِ ضحًى، فأسلَمَتني إليه وأنا يَومئذٍ بنتُ تِسعِ سِنينَ» (١).

وفي روايةِ عُروةَ والأسودِ عن عائشةَ رضي الله عنها: «تَزوَّجَها رسولُ اللهِ وهي بنتُ ستٍّ، وبَنَى بها وهي بنتُ تِسعٍ، وماتَ عنها وهي بنتُ ثَمانَ عشرةَ» (٢).

قالَ الإمامُ ابنُ بطالٍ رحمة الله عليه: قالَ المُهلبُ: أجمَعَ العُلماءُ على أنه يَجوزُ للأبِ تزويجُ ابنتِه الصغيرةِ التي لا يُوطَأُ مثلُها؛ لعمومِ الآيةِ: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، ويجوزُ نكاحُ مَنْ لم تَحِضْ مِنْ أولِ ما تُخلَقُ، وأظنُّ البُخاريَّ أراد بهذا الباب الرَّدَّ على ابنِ شُبرمةَ، فإنَّ الطَّحاويَّ حكَى عنه أنه قالَ: «تَزويجُ الآباءِ على الصِّغارِ لا يَجوزُ»، ولهُنَّ الخِيارُ إذا بلَغْنَ، وهذا قولٌ لم يَقلْ به أحَدٌ مِنْ الفقهاءِ غيرُه، ولا يُلتفَتُ إليه؛ لشُذوذِه ومُخالَفتِه دليلَ الكِتابِ والسُّنةِ (٣).

(١) رواه البخاري (٣٦٨١)، ومسلم (١٤٢٢).
(٢) رواه البخاري (٣٦٨٣)، ومسلم (١٤٢٢).
(٣) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٢٤٧).

وقالَ الإمامُ النوويُّ رحمة الله عليه في شَرحِه لحَديثِ عائشَةَ رضي الله عنها: وأجمَعَ المُسلمونَ على جَوازِ تزويجِه بنتَه البِكرَ الصَّغيرةَ؛ لهذا الحَديثِ (١).

وأمَّا الفِعلُ: فقالَ السَّرخسيُّ رحمة الله عليه: فإنَّ قُدامةَ بنَ مَظعونٍ تزوَّجَ بنتَ الزُّبيرِ رضي الله عنه يومَ وُلِدَتْ، وقالَ: إنْ متُّ فهي خيرُ ورَثتِي، وإنْ عِشتُ فهي بنتُ الزُّبيرِ، وزوَّجَ ابنُ عمرَ رضي الله عنه بنتًا له صَغيرةً مِنْ عُروةَ بنِ الزُّبيرِ رضي الله عنه، وزوَّجَ عُروةُ بنُ الزبيرِ رضي الله عنه بنتَ أخيهِ ابنَ أختِه وهُمَا صَغيرانِ، ووهَبَ رجلٌ ابنتَه الصَّغيرةَ مِنْ عبدِ اللهِ بنِ الحسَنِ، فأجازَ ذلكَ عليٌّ رضي الله عنه، وزوَّجَتِ امرأةُ ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه بنتًا لها صَغيرةً ابنًا للمسيبِ بنِ نخبةَ، فأجازَ ذلكَ عبدُ اللهِ رضي الله عنه (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ المنذِرِ رحمة الله عليه: ثبَتَ أنَّ أبا بَكرٍ زوَّجَ عائشةَ مِنْ رَسولِ اللهِ وهي إذْ ذاكَ بنتُ سبعِ سنينَ.

وأجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ نكاحَ الأبِ ابنتَه البِكرَ الصغيرةَ جائزٌ إذا زوَّجَها مِنْ كُفؤٍ، هذا قولُ مالكٍ والثَّوريِّ والليثِ بنِ سَعدٍ والأوزاعيِّ وعُبيدِ اللهِ بنِ الحسَنِ والشافعيِّ وأحمَدَ وإسحاقَ وأبي عُبيدٍ وأبي ثَورٍ وأصحابِ الرأيِ، وحُجَّتُهم في ذلكَ حديثُ عائشةَ، وبهِ نقولُ (٣).

(١) «شرح صحيح مسلم» (٩/ ٢٠٦).
(٢) «المبسوط» (٤/ ٢١٢).
(٣) «الإشراف» (٥/ ١٩).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أمَّا البِكرُ الصغيرةُ فلا خِلافَ فيها، قالَ ابنُ المنذِرِ: أجمَعُ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العلمِ أنَّ نكاحَ الأبِ ابنتَه البِكرَ الصغيرةَ جائزٌ إذا زوَّجَها مِنْ كُفءٍ، ويجوزُ له تَزويجُها مع كَراهيَتِها وامتناعِها، وقد دَلَّ على جَوازِ تَزويجِ الصغيرةِ قولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، فجعَلَ للَّائِي لم يَحضنْ عدَّةَ ثلاثةِ أشهُرٍ، ولا تكونُ العدَّةُ ثلاثةَ أشهُرٍ إلَّا مِنْ الطَّلاقِ في نكاحٍ أو فَسخٍ، فدَلَّ ذلكَ على أنها تُزوَّجُ وتَطلُقُ، ولا إذنَ لها فيُعتبَرَ، وقالَتْ عائِشةُ رضي الله عنها: «تزوَّجَنِي النبيُّ وأنا ابنةُ سِتٍّ، وبنَى بي وأنا ابنةُ تِسعٍ» مُتفَقٌ عليهِ، ومَعلومٌ أنها لم تكنْ في تلكَ الحالِ ممَّن يُعتبَرُ إذنُها.

وروَى الأثرمُ أنَّ قُدامةَ بنَ مَظعونٍ تزوَّجَ ابنةَ الزُّبيرِ حينَ نَفسَتْ، فقيلَ لهُ، فقالَ: ابنةُ الزُّبيرِ إنْ متُّ وَرثتْنِي، وإنْ عِشتُ كانَتِ امرَأتي، وزوَّجَ عليٌّ ابنتَه أمَّ كُلثومٍ وهي صَغيرةٌ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله عنهما (١).

وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا أنَّ لِلأبِ أنْ يزوِّجَ ابنتَه الصغيرةَ ولا يَستأذنَها (٢).

وقالَ الإمامُ أبو بكرٍ الجَصاصُ رحمة الله عليه: وفي هذهِ الآيةِ دَلالةٌ أيضًا على أنَّ للأبِ تَزويجُ ابنتِه الصَّغيرةِ مِنْ حيثُ دلَّتْ على جوازِ تزويجِ

(١) «المغني» (٧/ ٣٠، ٣١).
(٢) «الإقناع» (٣/ ١١٦٥) رقم (٢١٤٤).

سائرِ الأولياءِ؛ إذ كانَ هو أقربَ الأولياءِ، ولا نَعلمُ في جوازِ ذلكَ خِلافًا بينَ السَّلفِ والخلَفِ مِنْ فُقهاءِ الأمصارِ، إلَّا شَيئًا رواهُ بِشرُ بنُ الوليدِ عن ابنِ شُبرمةَ أنَّ تَزويجَ الآباءِ على الصِّغارِ لا يَجوزُ، وهو مَذهبُ الأصَمِّ، ويَدلُّ على بُطلانِ هذا المَذهبِ سِوى ما ذكَرْنا مِنْ دَلالةِ هذهِ الآيةِ قولُه تعالَى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، فحكَمَ بصِحةِ طلاقِ الصغيرةِ الَّتي لم تَحِضْ، والطلاقُ لا يَقعُ إلَّا في نكاحٍ صَحيحٍ، فتَضمَّنَتِ الآيةُ جوازَ تزويجِ الصغيرةِ.

ويَدلُّ عليه أنَّ النبيَّ تزوَّجَ عائشةَ وهي بِنتُ سِتِّ سنينَ، زوَّجَها إياهُ أبو بكرٍ الصِّديقُ رضي الله عنه، وقد حوَى هذا الخبَرُ مَعنيَينِ: أحَدُهما جَوازُ تزويجِ الأبِ الصغيرةَ، والآخَرُ: أنْ لا خِيارَ لها بعدَ البُلوغِ؛ لأنَّ النبيَّ لم يُخيِّرْها بعدَ البلوغِ (١).

وقالَ الكَيا هراسِيُّ رحمة الله عليه: إنَّ نكاحَ الصغيرةَ ليسَ بَعيدًا عن المَصلحةِ، ولذلكَ اطَّردَتْ به العادَةُ واستَمرَّتْ عليه العامَّةُ، فإنَّ المَقصودَ منه الأُلفةُ، فإذا أُلفيَتِ المرأةُ صَغيرةً لم تُمارِسِ الرِّجالَ ولم تَعرفِ الهوَى تَرسَّخَتِ المودَّةُ بينَهُما، فقد قيلَ في المَثلِ:

ما الحُبُّ إلَّا للحَبيبِ الأولِ ..

(١) «أحكام القرآن» (٢/ ٣٤٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب النكاح
الباب الثاني في موجبات صحة النكاح

الْبَابُ الثَّانِي فِي مُوجِبَاتِ صِحَّةِ النِّكَاحِ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ فِي كيْفِيَّة عقد النكاح الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ كَيْفِيَّةُ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ النكاح

ِ وَهَذَا الْبَابُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ:

الرُّكْنُ الْأَوَّلِ: فِي مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ هَذَا الْعَقْدِ.

الرُّكْنُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ هَذَا الْعَقْدِ.

الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ هَذَا الْعَقْدِ.

الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: فِي الْكَيْفِيَّةِ: وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الرُّكْنِ فِي مَوَاضِعَ: فِي كَيْفِيَّةِ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ، وَمَنِ الْمُعْتَبَرُ رِضَاهُ فِي لُزُومِ هَذَا الْعَقْدِ، وَهَلْ يَجُوزُ عَقْدُهُ عَلَى الْخِيَارِ؟ أَمْ لَا يَجُوزُ؟ وَهَلْ إِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَزِمَ ذَلِكَ الْعَقْدُ؟ أَمْ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ الْفَوْرُ؟

الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ: الْإِذْنُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ضَرْبَيْنِ، فَهُوَ وَاقِعٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالثَّيِّبِ مِنَ النِّسَاءِ بِالْأَلْفَاظِ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْأَبْكَارِ الْمُسْتَأْذَنَاتِ وَاقِعٌ بِالسُّكُوتِ، أَعْنِي الرِّضَا. وَأَمَّا الرَّدُّ فَبِاللَّفْظِ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ إِذْنَ الْبِكْرِ إِذَا كَانَ الْمُنْكِحُ غَيْرَ أَبٍ وَلَا جَدٍّ بِالنُّطْقِ.

وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ إِذْنَهَا بِالصَّمْتِ لِلثَّابِتِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 503 - 507

ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده