الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > الحالة الثالثة: أن تكون ثيبا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 21 دقيقة قراءةقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: فأمَّا حالُ البِكرِ مع غيرِ الأبِ والجَدِّ مِنْ الأولياءِ كالأخوةِ والأعمامِ فلا تَخلُو حالُها مَعهُم مِنْ أنْ تكونَ صَغيرةً أو كَبيرةً، فإنْ كانَتْ كبيرةً لم يَكنْ لهم إجبارُها إجماعًا، وليسَ لهم تَزويجُها إلَّا بإذنِها، والفَرقُ بينَ الآباءِ والعصَباتِ؛ أنَّ في الآباءِ بَعضيَّةً ليسَتْ في العصَباتِ، فقَويَتْ بها وِلايتُهم حتَّى تَجاوزَتْ ولايةَ النكاحِ إلى وِلايةِ المالِ، فصاروا بذلكَ أعجَزَ، ولأنه مِنْ العصَبات، وإنْ كانَتِ البِكرُ صَغيرةً فليسَ لأحَدٍ مِنْ العَصَباتِ تَزويجُها بحالٍ … (١).
وقالَ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: وإذا زوَّجَ البِكرَ غيرُ الأبِ والجَدِّ مِنْ الأولياءِ لمْ يَصحَّ حتَّى تُستأذَنَ، وهو إجماعٌ لا خِلافَ فيه (٢).
وقالَ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: البِكرُ البالِغُ ليسَ لغيرِ الأبِ والجَدِّ تَزويجُها بدونِ إذنِها بإجماعِ المُسلمينَ (٣).
وليسَ للجَدِّ إجبارُ البالِغةِ عندَ عامَّةِ العُلماءِ خِلافًا للشافِعيةِ كما تقدَّمَ.
الحالةُ الثالِثةُ: أنْ تَكونَ ثَيِّبًا:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المَرأةَ الثَّيبَ البالِغةَ لا يَجوزُ لوَليِّها أبًا كانَ أو
(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٣، ٥٤).
(٢) «البيان» (٩/ ١٨١).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٤٠).
غيرَه أنْ يزوِّجَها إلا برِضاها؛ لِما رَوى البُخاريُّ عن خَنساءَ بنتِ خِذامٍ الأنصارِيةِ: «أنَّ أباها زوَّجَها وهي ثيِّبٌ فكَرِهَتْ ذلكَ، فأتَتِ النبيَّ ﷺ فرَدَّ نِكاحَها» (١).
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: هذا حَديثٌ صَحيحٌ مُجتمَعٌ على صِحتِه وعلى القولِ به؛ لأنَّ القائِلينَ «لا نِكاحَ إلَّا بوَليٍّ» يقولونَ: إنَّ الثَّيبَ لا يزوِّجُها وَليُّها أبًا كانَ أو غيرَه إلا بإذنِها ورِضاها، ومَن قالَ: «ليسَ للوَليِّ مع الثَّيبِ أمرٌ» فهو أحرَى باستِعمالِ هذا الحَديثِ (٢).
وقالَ ابنُ المنذِرِ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا أنَّ نكاحَ الأبِ ابنتَه الثيِّبَ بغيرِ رضاها لا يَجوزُ (٣).
وقالَ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وأمَّا البالغُ الثيِّبُ فلا يَجوزُ تَزويجُها بغيرِ إذنها لا للأبِ ولا لغيرِه بإجماعِ المُسلمينَ (٤).
وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ رحمة الله عليه: ولم يَختلفُوا في أنَّ نكاحَ الأبِ ابنتَه الثيَّبَ غيرُ جائزٍ إلَّا برِضاها (٥).
وقالَ الإمامُ مُحمدُ بنُ نَصرِ المروزيُّ رحمة الله عليه: أمَّا الثيَّبُ فإنَّ هؤلاءِ لم
(١) رواه البخاري (٦٥٤٦).
(٢) «التمهيد» (١٩/ ٣١٨).
(٣) «الإجماع» (٣٤٩).
(٤) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣٩، ٤٠).
(٥) «الإقناع» (٣/ ١١٦٧) رقم (٢١٤٧).
يَختلفُوا فيه أنَّ نكاحَ الأبِ غيرُ جائزٍ عليها إلَّا برِضاها؛ لحَديثِ خَنساءَ بنتِ خِذامٍ وحَديثِ ابنِ عبَّاسٍ: «والأيَّمُ أحَقٌّ بنَفسِها» (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا زوَّجَ ابنتَه الثيَّبَ بغيرِ إذنِها فالنكاحُ باطِلٌ وإنْ رَضيَتْ بعدُ).
وجُملةُ ذلكَ أنَّ الثيَّبَ تَنقسِمُ قِسمينِ: كَبيرَة وصَغيرة، فأمَّا الكبيرةُ فلا يَجوزُ للأبِ ولغيرِه تَزويجُها إلَّا بإذنِها في قَولِ عامَّةِ أهلِ العِلمِ، إلَّا الحسَنَ قالَ: له تَزويجُها وإنْ كَرهَتْ، والنَّخعيُّ قالَ: يزوِّجُ بنتَه إذا كانَتْ في عِيالِه، فإنْ كانَتْ بائِنةً في بيتِها مع عِيالِها استأمَرَها.
قالَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: لا أعلَمُ أحَدًا قالَ في البِنتِ بقَولِ الحسَنِ، وهو قَولٌ شاذٌّ خالَفَ فيه أهلَ العِلمِ والسُّنةَ؛ فإنَّ الخَنساءَ ابنةَ خِدامٍ الأنصاريةَ رَوَتْ «أنَّ أباها زوَّجَها وهيَ ثيِّبٌ فكَرهَتْ ذلكَ، فأتَتِ النبيَّ ﷺ فرَدَّ نِكاحَه» رواهُ البُخاريُّ والأئمَّةُ كلُّهم.
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا الحَديثُ مُجمَعٌ على صِحتِه والقولِ به، لا نَعلمُ مُخالِفًا له إلَّا الحسَنَ، وكانَتْ الخَنساءُ مِنْ أهلِ قُباءَ، وكانَتْ تحتَ أُنيسِ بنِ قَتادةَ، فقُتِلَ عنها يومَ أحُدٍ، فزوَّجَها أبوها رَجلًا مِنْ بَني عَمرِو بنِ عَوفٍ فكَرهَتْه، وشَكَتْ ذلكَ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فرَدَّ نِكاحَها، ونكَحَتْ أبا لُبابَة بنَ عبدِ المُنذِرِ، ورَوى أبو هريرةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ:
(١) «اختلاف العلماء» ص (١٢٤).
«لا تُنكَحُ الأيِّمُ حتَّى تُستأمَرَ» مُتفَقٌ عليهِ، وقالَ: «الأيِّمُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها»، ورَوى ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنه عن النبيِّ ﷺ قالَ: «ليسَ للوَليِّ مع الثيِّبِ أمرٌ» رَواهُما النَّسائيُّ وأبو داودَ، ولأنها رَشيدةٌ عالِمةٌ بالمَقصودِ مِنْ النكاحِ مُختبرةٌ، فلم يَجُزْ إجبارُها عليهِ كالرَّجلِ (١).
إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في الثَّيبِ الصَّغيرةِ، هل يَجوزُ تَزويجُها بغيرِ رضاها؟ أم يُشترطُ رِضاها؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ في وَجهٍ إلى أنَّ للأبِ جبْرَ ابنتِه الثيِّبِ الصغيرةِ على النكاحِ؛ لأنَّ الصِّغرَ هو مَناطُ الحُكمِ، ولأنها صَغيرةٌ، فجازَ إجبارُها كالبِكرِ والغُلامِ، يحقِّقُ ذلكَ أنها لا تَزيدُ بالثُّيوبةِ على ما حصَلَ للغُلامِ بالذُّكوريةِ، ثمَّ الغُلامُ يُجبَرُ إنْ كانَ صغيرًا، فكذا هذهِ، والأخبارُ الوارِدةُ مَحمولةٌ على الكَبيرةِ؛ فإنه جعَلَها أحَقَّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها، والصَّغيرةُ لا حَقَّ لها.
ولعُمومِ قولِه تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، ولأنَّ كلَّ مَنْ ثبتَتْ عليه الوِلايةُ في مالِه جازَ إجبارُه على النكاحِ كالبِكرِ الصَّغيرةِ وكالغُلامِ، ولأنَّ لها مَنفعتَينِ: استِخدامٌ واستِمتاعٌ، فلمَّا كانَ لوَليِّ العقدِ على استِخدامِ مَنفعتُها بالإجارةِ جازَ له العقدُ على مَنفعةِ الاستمتاعِ بها بالنكاحِ، وتَحريرُه أنها إحدَى مَنفعتَيها، فجازَ العقدُ عليها قبلَ بُلوغِها كالإجارةِ.
(١) «المغني» (٧/ ٣٣، ٣٤).
ولأنه وَليُّ مَنْ لا يَلِي نفْسَه ومالَه، فيَستبدُّ بالعقدِ عليها كالبكرِ، وتأثيرُه أنَّ الشرعَ باعتِبارِ صِغرِها أقامَ رأيَ الوليِّ مَقامَ رأيِها كما في حَقِّ الغُلامِ وكما في حَقِّ المالِ، وبالثُّيوبةِ لا يَزولُ الصِّغرُ، وكذلكَ معنَى الرأيِ لا يَحصلُ لها بالثُّيوبةِ في حالةِ الصِّغرِ؛ لأنها ما نَضَّتْ شَهوتُها بهذا الفعلِ، ولو ثبَتَ لها رأيٌ فهي عاجِزةٌ عن التصرُّفِ بحُكمِ الرأيِ، فيُقامُ رأيُ الوليِّ مَقامَ رأيها، كما أنها لمَّا كانَتْ عاجِزةً عن التصرُّفِ في مِلكِها أُقيمَ تصرُّفُ الوليِّ مَقامَ تصرُّفِها.
والمُرادُ بالحَديثِ البالِغةُ؛ لأنه علَّقَ به ما لا يتحقَّقُ إلا بعدَ البُلوغِ، وهو المُشاوَرةُ وكُونُها أحَقَّ بنَفسِها، وذلكَ إنما يَتحقَّقُ في البالغةِ دونَ الصغيرةِ، ولَئِنْ ثبَتَ أنَّ الصغيرةَ مُرادٌ فالمُرادُ المَشورةُ على سبيل النَّدبِ دونَ الحَتمِ، كما أمَرَ باستئْمارِ أمَّهاتِ البناتِ فقالَ: «وتُؤامَرُ النِّساءُ في إبضاعِ بَناتِهنَّ»، وكانَ بطَريقِ النَّدبِ، فهذا مِثلُه (١).
ولأنَّ حالَ الصغيرةِ يَثبتُ معها الإجبارُ كالبِكرِ، ولأنَّ وِلايةَ الأبِ ثابتةٌ عليها في هذهِ الحالِ كالغُلامِ، ولأنَّ كلَّ معنًى لم يُؤثِّرْ في سُقوطِ الولايةِ عليها في المالِ لم يؤثِّرْ في إجبارِ الأبِ إياها على النكاحِ، أصلُه مُجرَّدُ البلوغِ، ولأنها ولايةٌ ثابتةٌ للأبِ على وَلدِه الصَّغيرِ، فلمْ يؤثِّرْ في إزالتِه ذهابُ البَكارةِ على أي
(١) «المبسوط» (٤/ ٢١٨)، و «الهداية» (١/ ١٩٨)، و «العناية» (٤/ ٢٢٠، ٢٢١)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٢٦).
وَجهٍ ذهَبَتْ، أصلُه ولايةُ المالِ، ولأنه عقدٌ على مَنفعةٍ يتضمَّنُ عِوضًا، فجازَ أنْ يَملكَه الأبُ على الثيِّبِ الصَّغيرةِ كالإجارةِ، ولأنه عقدٌ يتضمَّنُ عِوضًا، فجازَ أنْ يَملكَه الأبُ على الثيِّبِ الصَّغيرةِ كالبيعِ، ولأنَّ الثُّيوبةَ التي تُسقِطُ الإجبارَ هي التي يَثبتُ معها حُكمُ الإذنِ كالكبيرةِ، ولأنها إحدَى حالَتيِ المرأةِ، فلمْ يَنفَكَّ عنها مِنْ جوازِ إنكاحِ الأبِ إياها كحالِ البَكارةِ (١).
ولأنها لمَّا كانَتْ مَحجورًا عليها في مالِها حَجْرَ الصغيرِ جازَ أنْ يُجبِرَها على النكاحِ، وأيضًا: فإنها قد ساوَتِ البكرَ الصَّغيرةَ في أنها لا يَصحُّ اختِيارُها، فلا معنى لاستِئمارِها (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في وَجهٍ إلى أنه لا يَجوزُ تزويجُها بغيرِ إذنِها؛ لعُمومِ الأخبارِ عن النبيِّ ﷺ في ذلكَ، حيثُ قالَ: «لا تُنكَحُ الأيِّمُ حتى تُستأْمَرَ، ولا تُنكَحُ البِكرُ حتى تُستأْذَنَ، قالوا: يا رسولَ اللهِ وكيفَ إذنُها؟ قالَ: أنْ تَسكُتَ» (٣).
وفي رِوايةٍ: «لا تُنكَحُ البِكرُ حتى تُستأْذَنَ، ولا الثيِّبُ حتى تُستأْمَرَ، فقيلَ: يا رسولَ اللهِ كيفَ إذنُها؟ قالَ: إذا سَكتَتْ» (٤).
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٨٩، ٢٩٠) رقم (١١٢٤)، و «التوضيح» لابن الحاجب (٣/ ٥١٣).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٢٥٤).
(٣) رواه البخاري (٤٨٤٣).
(٤) رواه البخاري (٦٥٦٧).
وفي رِوايةٍ: «الثيِّبُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها، والبِكرُ يَستأذِنُها أبُوها في نَفسِها، وإذنُها صُماتُها» (١).
ولأنَّ الإجبارَ يَختلفُ بالبكارةِ والثُّيوبةِ، لا بالصِّغرِ والكِبَرِ، وهذه ثيِّبٌ، ولأنَّ في تأخيرِها فائدةً وهو أنْ تَبلغَ فتَختارَ لنَفسِها ويعتبَرُ إذنُها، فوجَبَ التأخيرُ، بخِلافِ البِكرِ.
ولأنَّ كلَّ صِفةٍ خرَجَ بها الوَليُّ عن كَمالِ الولايةِ قبلَ البُلوغِ قياسًا على عِتقِ الأمَةِ لمَّا كانَ حُدوثُه بعدَ البلوغِ مانِعًا مِنْ إجبارِها على النكاحِ كانَ حُدوثُه قبلَ البلوغِ مانعًا مِنْ إجبارِها، ولأنها حرَّةٌ سليمةٌ ذهَبَتْ عدَّتُها بجِماعٍ، فلمْ يَجُزْ إجبارُها على النكاحِ كالكبيرةِ.
فأمَّا الآيةُ إنْ حُمِلتْ على الأولياءِ فمَخصوصةٌ بما ذكَرْنا.
وأمَّا قياسُهم على البِكرِ والغُلامِ اعتبارًا بالولايةِ على المالِ فلا يَجوزُ اعتبارُ الولايةُ بالولايةِ على النكاحِ؛ لأنَّ ولايةَ المالَ أوسَعُ؛ لثُبوتِها للوَصيِّ الذي لا ولايةَ له على النكاحِ، ثمَّ المعنَى في البكرِ والغُلامِ أنه لمَّا لم يَثبتْ لهُما خيارٌ جازَ إجبارُهم، وليسَ كالثيِّبِ؛ لثُبوتِ الخيارِ لها عندَهم.
وأمَّا استِدلالُهم بمَنفعةِ الاستِخدامِ فالفَرقُ بينَهُما وبينَ الاستِمتاعِ أنَّ مدَّةَ الاستخدامِ مقرَّرةٌ بأمدٍ ينقضِي يَصلُ إلى مثلِ ذلكَ العقدِ بعدَ
(١) رواه مسلم (١٤٢١).
بلوغِها، ومدَّةُ الاستمتاعِ مُؤبَّدةٌ وهي لا تَصلُ إلى مثلِ ذلكَ العقدِ بعدَ بلوغِها، فافتَرقَا (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويتخرَّجُ وجهٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ ابنةَ تِسعِ سِنينَ يزوِّجُها وليُّها بإذنها، ومَن دونَ ذلكَ على ما ذكَرْنا مِنْ الخِلافِ؛ لِمَا ذكَرْنا في البكرِ، واللهُ أعلَمُ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا الثيِّبُ الغيرُ البالغِ فإنَّ مالِكًا وأبا حَنيفةَ قالا: يُجبِرُها الأبُ على النكاحِ، وقالَ الشافعيُّ: لا يُجبِرُها، وقالَ المتأخِّرونَ: إنَّ في المَذهبِ فيها ثَلاثةَ أقوالٍ:
قولٌ: إنَّ الأبَّ يُجبِرُها ما لم تَبلُغْ بعدَ الطَّلاقِ، وهو قولُ أشهَبَ.
وقَولٌ: إنه يُجبِرُها وإنْ بلغَتْ وهو قَولُ سحنونٍ.
وقَولٌ: إنه لا يُجبِرُها وإنْ لم تَبلغْ، وهو قولَ أبي تمَّامٍ.
والذي حَكَيناهُ عن مالكٍ هو الَّذي حكاهُ أهلُ مَسائلِ الخِلافِ كابنِ القصَّارِ وغيرِه عنه.
وسَببُ اختِلافهم مُعارَضةُ دليلِ الخِطَابِ للعُمومِ، وذلكَ أنَّ قولَه
(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٦٧)، و «البيان» (٩/ ١٨٢، ١٨٣)، و «الإفصاح» (٢/ ١٤٢)، و «المغني» (٧/ ٣٣، ٣٤)، و «الكافي» (٣/ ٢٦)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٤٥)، و «المبدع» (٧/ ٢٣، ٢٤).
(٢) «المغني» (٧/ ٣٣، ٣٤).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
باب أجل العنين والخصى غير المجبوب
باب أجَلِ العِنِّينِ والخَصِىِّ غيرِ المَجْبُوبِ
العنِّينُ: هو العاجزُ عن الإِيلاجِ. وهو مَأْخُوذٌ من عَنَّ. أى: اعْتَرَضَ؛ لأنَّ ذَكَرَهُ يَعِنُّ إذا أرَادَ إِيلاجَه، أى يَعْتَرِضُ، والعَنَنُ الاعْتِراضُ. وقيل: لأنَّه يَعِنُّ لِقُبُلِ المَرْأةِ عن يَمينِه وشِمالِه، فلا يَقْصِدُه. فإذا كان الرجلُ كذلك فهو عَيْبٌ به، ويُسْتَحَقُّ به فَسْخُ النِّكاحِ، بعدَ أن تُضْرَبَ له مُدّةٌ يُخْتَبَرُ فيها، ويُعْلَمُ حالُه بها. وهذا قولُ عمرَ، وعثمانَ، وابنِ مسعودٍ، والمُغِيرةَ بن شُعْبةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعطاءٌ، وعَمْرُو بن دِينارٍ، والنَّخَعِىُّ، وقتادةُ، وحَمَّادُ بن أبى سُلَيمانَ. وعليه فَتْوى فُقَهاءِ الأمْصارِ، منهم؛ مالكٌ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ. وشَذَّ الحَكَمُ بن عُتَيْبةَ، وداودُ، فقالا: لا يُؤَجَّلُ، وهى امْرَأتُه. ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه؛ لأنَّ امْرأةً أتَتِ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: يارسولَ اللَّه، إنَّ رِفاعةَ طَلَّقَنِى، فبَتَّ طَلَاقِى، فتزَوَّجْتُ بعبدِ الرحمنِ بن الزُّبَيْرِ، وإنَّما له مثلُ هُدْبةِ الثَّوْبِ، فقال: "تُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِى إلى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى تَذُوقِى عُسَيْلَتَهُ، ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ" . ولم يَضْرِبْ له مُدّةً. ولَنا، ما رُوِىَ أَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أجَّلَ الغِنِّينَ سَنَةً. ورَوَى ذلك الدَّارَقُطْنِىُّ ، بإسْنادِه عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، والمُغِيرةَ بن شُعْبةَ. ولا مُخالِفَ لهم. ورَواه أبو حَفْصٍ عن علىٍّ. ولأنَّه عَيْبٌ يَمْنَعُ الوَطْءَ، فأثْبَتَ الخِيارَ، كالجَبِّ فى الرَّجُلِ، والرَّتْقِ فى المرأةِ، فأمَّا الخَبَرُ، فلا
ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.