الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > الحالة الثالثة: أن يتزوج المسلم ذمية فوليها الكافر يزوجها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةالحالَةُ الثالثةُ: أنْ يتزوَّجَ المُسلمُ ذِمِّيةً فوَليُّها الكافِرُ يزوِّجُها:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا تزوَّجَ المُسلمُ ذِميةً، هل يَلِي وَليُّها الكافرُ عقْدَ نكاحِها؟ أم لا يَلِي عقْدَ نكاحِها إلَّا مُسلمٌ أو قاضي المُسلمينَ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الكافرَ يَلِي عقْدَ نكاحِ ابنتِه الكافرةِ، سَواءٌ زوَّجَها لمُسلمٍ أو لكافرٍ؛ لأنه قَريبٌ يَنظرُ بالمَصلحةِ.
قالَ الحَنفيةُ: إسلامُ الوليِّ ليسَ بشَرطٍ لثُبوتِ الولايةِ في الجُملةِ، فيَلِي الكافرُ على الكافرِ؛ لأنَّ الكُفرَ لا يَقدحُ في الشَّفقةِ الباعِثةِ عن تَحصيلِ النَّظرِ في حَقِّ المُولَّى عَليهِ ولا في الوِراثةِ؛ فإنَّ الكافِرَ يَرثُ الكافرَ، ولهذا كانَ مِنْ أهلِ الولايةِ على نَفسِه، فكذا على غيرِه.
وقالَ اللهُ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] (١).
وقالَ المالِكيةُ: يَجوزُ للوليِّ الكافرِ أنْ يكونَ وليًّا على وليَّتِه الكافرةِ، فيَلِي عقْدَها إذا زوَّجَها لمُسلمٍ أو كافرٍ، فإنْ زوَّجَها لمُسلمٍ؛ فإنْ لم يَكنْ للكافرةِ وَليٌّ كافرٌ فأَساقِفَتُهم، فإنِ امتَنعُوا ورفَعَتْ أمْرَها للسُّلطانِ جبَرَهم
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٣٩)، ويُنظَر: «الهداية» (١/ ١٩٩)، و «الاختيار» (٣/ ١٢٠)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٢٨٥)، و «درر الحكام» (١/ ٣٣٨)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٥٩)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٠٠، ٣٠١)، و «اللباب» (٢/ ٣٠)، و «مجمع الأنهر» (١/ ٤٩٧).
على تَزويجِها؛ لأنه مِنْ رَفعِ التظالُمِ الذي له نَظرُه، ولا يُجبِرُهم على تَزويجِها مِنْ مُسلمٍ (١).
وقالَ الشَّافعيةُ: يَلي الكافرُ الأصليُّ الكافرةَ الأصليةَ، سَواءٌ زوَّجَها مِنْ كافرٍ أو مِنْ مُسلمٍ؛ لأنه قَريبُ يَنظرُ بالمَصلحةِ، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]، وشَرطُ وِلايتِه أنْ لا يَرتكبَ مُحرَّمًا في دِينِه، فإنِ ارتَكَبَه فكَالفاسقِ عندَنا، فلا يُزوِّجُ مُولِّيتَه، بخِلافِ ما إذا لم يَرتكبْ ذلكَ، فإنْ كانَ مَستورًا فيزوِّجُها كما تقرَّرَ ذلكَ.
وفرَّقُوا بينَ وِلايتِه وشَهادتِه حيثُ لا تُقبَلُ شهادتُه وإنْ لم يَرتكبْ ذلكَ بأنَّ الشَّهادةَ مَحضُ وِلايةٍ على الغيرِ، فلا يُؤهَّلُ لها الكافِرُ، والوليُّ في التَّزويجِ كما يُراعِي حَظَّ مُولِّيتِه يُراعِي حَظَّ نَفسِه أيضًا في تَحصينِها ودَفعِ العارِ عن النَّسبِ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إذا تزوَّجَ المُسلمُ ذِميةً فوليُّها الكافِرُ يزوِّجُها إياهُ، ذكَرَه أبو الخطَّابِ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ والشافعيِّ؛ لأنه وَليُّها، فصَحَّ
(١) «التاج والإكليل» (٢/ ٥٠٦)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٨٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٠)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٧٠، ٥٧١).
(٢) «البيان» (٩/ ١٧٤)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٧٠٤، ٧٠٥)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٩١، ٩٢)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٥٦٢)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٦١)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٦١٠، ٦١١)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٢٧٧)، و «الديباج» (٣/ ٢٠٧، ٢٠٨).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
١١١٤ - مسألة؛ قال: (وإذا زوجها من غيره أولى منه، وهو حاضر، ولم يعضلها، فالنكاح فاسد)
الكافرةِ مُسْلِمًا، كسائرِ الوِلاياتِ، ولأنَّ هذه تحتاجُ إلى التَّزْويج. ولا وَلِىَّ لها غيرُ سَيِّدِها. فأمَّا السلطانُ، فله الوِلايةُ على مَنْ لا وَلِىَّ لها من أهلِ الذِّمَّةِ؛ لأنَّ وِلايَتَه عامَّةٌ على أهلِ دارِ الإسْلامِ، وهذه من أهلِ الدارِ، فتَثْبُتُ له الوِلايةُ عليها، كالمُسْلمةِ. وأمَّا الكافرُ، فتثبتُ له الولايةُ على أهلِ دِينِه، على حَسَبِ ما ذَكَرْناه فى المسلمينَ، ويُعْتَبَرُ فيهم الشُّروطُ المُعْتَبَرَةُ فى المسلمينَ، ويُخَرجُ فى اعْتِبارِ عَدالَتِه فى دِينِه وَجْهان، بِناءً على الرِّوايتَيْنِ فى اعْتبارِها فى المسلمين.
فصل: إذا تَزَوَّجَ المسلمُ ذِمِّيةً، فوَلِيُّها الكافرُ يُزَوِّجُها إيَّاه. ذَكَره أبو الخَطَّابِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّه وَلِيُّها، فصَحَّ تَزْوِيجُه لها، كما لو زَوَّجَها كافرًا، ولأنَّ هذه امرأةٌ لها وَلِى مُناسِبٌ، فلم يَجُزْ أن يَلِيَهَا غيرُه، كما لو تَزَوَّجَها ذِمِّىٌّ. وقال القاضى: لا يُزَوِّجُها إلَّا الحاكمُ؛ لأنَّ أحمدَ قال: لا يَعْقِدُ يَهُودِىٌّ ولا نَصْرانىٌّ عُقْدَةَ نِكاحٍ لمُسْلمٍ ولا مُسْلِمةٍ. ووَجْهُه أنَّه عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلى شهادةِ مُسْلِمَيْنِ، فلم يَصِحَّ بوِلايةِ كافرٍ، كنِكاحِ المسلمين. والأولُ أصَحُّ، والشُّهودُ يُرادُون لإثباتِ النِّكاحِ عندَ الحاكمِ، بخِلافِ الوِلايةِ.
١١١٤ - مسألة؛ قال: (وَإذَا زَوَّجَهَا مَنْ غَيْرُهُ أوْلَى مِنْهُ، وَهُوَ حَاضِرٌ، وَلَمْ يَعْضُلْهَا، فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ)
هذه المسألة تشْتَمِلُ على أحكامٍ ثلاثة؛ أحدها، أنَّه إذا زَوَّجها الوَلِىُّ الأبْعدُ، مع حُضُورِ الوَلِى الأقْرَبِ، فأجَابَتْه إلى تَزْوِيجِها من غيرِ إذْنِه، لم يَصِحَّ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال مالكٌ: يَصِحُّ؛ لأنَّ هذا وَلِىٌّ، فصَحَّ أن يُزَوِّجَها بإذْنِها كالأقرَبِ.
ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.