الحالة الثانية: أن يكون الولي مسلما ويلي على كافرة

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > الحالة الثانية: أن يكون الولي مسلما ويلي على كافرة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

الحالة الثانية: أن يكون الولي مسلما ويلي على كافرة - الأقوال والأدلة

يَجوزُ نِكاحُه، قالَ: «فمنْ زوَّجَكَ؟» قالَ: هي زوَّجَتْني نفْسَها، فأجازَ نِكاحَها، وأبطَلَ نِكاحَ الأبِ، وقالَ لعُروةَ: «خُذْ صَداقَكَ مِنْ أبيها».

قالَ حَنبلٌ: قالَ أبو عبدِ اللهِ: إنَّما جعَلَ الأمرَ إليها؛ لأنَّ الأبَ نصرانِيٌّ لا يَجوزُ حُكمُه فيها، فرُدَّ الأمرَ إليها، ولا بُدَّ أنْ يُجدَّدَ هذا النكاحُ الأخيرُ إذا رَضيَتْ، وإنما صُيِّرَ لها الأمرُ بالرِّضَا، ولا يَجوزُ أنْ تزوِّجَ نفْسَها إلا بوليٍّ.

وعَليٌّ حِينئذٍ السلطانُ، فأجازَ ذلكَ وليُّها وقالَ: «خُذْ صَداقَكَ مِنْ أبيها»؛ لأنه لم يَكنْ دخَلَ بها، ولو كانَ دخَلَ بها لَكانَ المَهرُ لها والعدَّةُ عليها.

وقالَ حَربٌ: قلتُ لأحمدَ: امرأةٌ أبوها نصرانِيٌّ وأخوها مُسلمٌ، مَنْ يزوِّجُها؟ قالَ: الأخُ، قلتُ: فهل للمُشركينَ مِنْ الولايةِ شَيءٌ؟ قالَ: لا.

وقالَ صالحٌ: قالَ أبِي في امرأةٍ لها أبٌ ذِميٌّ ولها أخٌ مُسلمٌ قالَ: لا يَكونُ الذِّميُّ وَليًّا (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ رحمة الله عليه: وإنْ كانَ وليُّ المرأةِ صَغيرًا أو عَبدًا أو كافِرًا زوَّجَها الإمامُ، ولا تَنازُعَ بينَ أهلِ العِلمِ في ذلكَ (٢).

الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يَكونَ الوليُّ مُسلمًا ويَلي على كافرةٍ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المذاهِبِ الأربَعةِ -إلَّا قولًا يُحكَى عن ابنِ وَهبٍ مِنْ المالِكيةِ- على أنَّ المُسلمَ لا يكونُ وليًّا لِكافرةٍ.

(١) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٢٩٥، ٢٩٦).
(٢) «الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١١٦٤) رقم (٢١٣٨).

قالَ الحَنفيةُ: إنْ كانَ الوليُّ مُسلمًا والمُولَّى عليهِ كافًرا فلا وِلايةَ له عليهِ؛ لأنَّ المُسلمَ لا يَرثُ الكافِرَ كما أنَّ الكافِرَ لا يَرثُ المُسلمَ؛ قالَ النبيُّ : «لا يَرثُ المُؤمِنُ الكافِرَ، ولا الكافِرُ المُؤمنَ» (١).

وقالَ المالِكيةُ في المَشهورِ مِنْ المَذهبِ: لا يكونُ المُسلمُ وليًّا على امرأةٍ كافرةٍ قَريبتِه أو غيرِها؛ لقولِه تعالَى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]، إلا أنه إذا وقَعَ وتولَّى المُسلمُ نِكاحَها؛ فإنْ كانَ لمُسلمٍ فُسِخَ، وإنْ زوَّجَها لكافرٍ تُركَ ولا نتعرَّضُ لهُ، وقد ظلَمَ المُسلمُ نفْسَه؛ لإعانَتِه الكافرَ على ذلكَ العقدِ.

وقيلَ: له الوِلايةُ عليهَا، وقالَ ابنُ وَهبٍ: يزوِّجُها مِنْ مُسلمٍ لا مِنْ كافرٍ.

إلَّا لأمَةِ ومُعتَقةٍ مِنْ غيرِ نِساءِ الجِزيةِ، والمعنى أنَّ المُسلمَ إذا كانَتْ له أمَةٌ كافرةٌ أو مُعتَقةٌ كذلكَ فإنه يَجوزُ له أنْ يزوِّجَها، بشَرطِ أنْ تكونَ المُعتَقةُ مِنْ غيرِ نِساءِ الرِّجالِ الذينَ يُؤدُّونَ الجِزيةَ، بأنْ أعتَقَها وهو مُسلمٌ ببِلادِ الإسلامِ، وأمَّا لو أعتَقَها كافرٌ ثمَّ أسلَمَ فلا يزوِّجُها إلا أهلَ الكُفرِ، إلَّا أنْ تُسلِمَ (٢).

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٣٩)، و «الهداية» (١/ ١٩٩)، و «الاختيار» (٣/ ١٢٠)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٢٨٥)، و «درر الحكام» (١/ ٣٣٨)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٥٩ و «اللباب» (٢/ ٣٠)، و «مجمع الأنهر» (١/ ٤٩٧).
(٢) «التاج والإكليل» (٢/ ٥٠٥)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٨٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٩، ٣٠)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٦٩، ٥٧٠).

وقالَ الشَّافعيةُ: لا يكونُ المُسلمُ وليًّا على كافرةٍ إلَّا على أمَتِه، فإنْ كانَ للمُسلمِ ابنةٌ كافرةٌ .. فلا وِلايةَ له عليها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]، فدَلَّ على أنه لا وِلايةَ للمُسلمِ عليها .. فإنْ كانَ لها وليٌّ كافرٌ .. زوَّجَها؛ للآيةِ، وإنْ لم يكنْ لها وليٌّ كافرٌ .. زوَّجَها الحاكمُ؛ لقولِه : «فالسُّلطانُ وليُّ مَنْ لا وَليَّ له»، ولم يُفرِّقْ، ولأنَّ ولايتَه عامَّةٌ، فدخَلَتْ فيها المُسلمةُ والكافرةُ.

وإنْ كانَ للمُسلمِ أمَةٌ كافرةٌ .. فهل له عليها وِلايةٌ في النكاحِ؟ فيه وجهانِ:

أصَحُّهما: له عليها وِلايةٌ؛ لأنها ولايةٌ مُستفادةٌ بالمِلكِ، فلمْ يَمنعِ اختِلافُ الدِّينِ منها، كالفسقِ لمَّا لم يُؤثِّرْ في مَنعِ تَزويجِ أمَتِه فكذلكَ كُفرُها.

والثَّاني: ليسَ بوَليٍّ لها؛ لأنه إذا لم يَملكْ تَزويجَ ابنَتِه الكافرةِ .. فلَأنْ لا يَملكَ تزويجَ أمَتِه الكافِرةِ أَولى، وحُملَ النَّصُّ على الولايةِ في عقدِ البيعِ والإجارةِ .. والأوَّلُ أصَحُّ.

وإنْ كانَ للكافرِ أمَةٌ مُسلمةٌ .. فهل له أنْ يزوِّجَها؟ قالَ ابنُ الصبَّاغِ: فيه وَجهانِ، كما قُلنَا في تَزويجِ المُسلمِ لأمَتِه الكافرةِ (١).

وقالَ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: لا يكونُ الكافِرُ وليًّا للمُسلمةِ، ولا المُسلمُ وليًّا للكافرةِ، الأبُ وغيرُه سَواءٌ، والكافرُ وليُّ للكافرةِ الَّتي هي وَليتُه يُنكِحُها مِنْ المُسلمِ والكافِرِ.

(١) «البيان» (٩/ ١٧٤)، و «كفاية الأخيار» (٤٠٩).

بُرهانُ ذلكَ: قَولُ اللهِ ﷿: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وقالَ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]، وهو قولُ مَنْ حَفظْنا قولَه، إلَّا ابنَ وَهبٍ صاحبَ مالكٍ قالَ: «إنَّ المُسلمَ يكونُ وليًّا لابنَتِه الكافرةِ في إنكاحِها مِنْ المُسلمِ أو مِنْ الكافرِ»، وهذا خطَأٌ؛ لِمَا ذكَرْنا، وباللهِ تعالَى التوفيقُ (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ (ولا يزوِّجُ كافرٌ مُسلمةً بحالٍ، ولا مُسلمٌ كافرةً، إلَّا أنْ يكونَ المُسلمُ سُلطانًا أو سيِّدَ أمَةٍ)

ثمَّ قالَ: وأمَّا المُسلمُ فلا وِلايةَ له على الكافرةِ في غيرِ السيِّدِ والسُّلطانِ ووليِّ سيِّدِ الأمَةِ الكافرةِ؛ وذلكَ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣].

ولأنَّ مُختلفَيِ الدِّينِ لا يَرثُ أحَدُهما الآخَرَ ولا يَعقِلُ عنه، فلا يَلِي عليه كما لو كانَ أحَدُهما رَقيقًا.

وأمَّا سيِّدُ الأمَةِ الكافرةِ فله تَزويجُها لكافرٍ؛ لكَونِها لا تَحلُّ للمُسلمينَ، وكذلكَ وليُّ سيِّدِ الأمَةِ الكافرةِ يَلِي تَزويجَها لكافرٍ؛ لأنها ولايةٌ بالمالِ، فلمْ يَمنعْها كَونُ سَيدِ الأمَةِ الكافرةِ مُسلمًا كسائرِ الوِلاياتِ، ولأنَّ هذهِ تَحتاجُ إلى التَّزويجِ ولا وليَّ لها غيرُ سيِّدِها.

(١) «المحلى» (٩/ ٤٧٣).

فأمَّا السُّلطانُ فله الوِلايةُ على مَنْ لا وَليَّ لها مِنْ أهلِ الذمَّةِ؛ لأنَّ ولايتَهُ عامَّةٌ على أهلِ دارِ الإسلامِ، وهذهِ مِنْ أهلِ الدارِ، فتَثبتُ له الولايةُ عليها كالمُسلمةِ.

وأمَّا الكافرُ فتَثبتُ له الوِلايةُ على أهلِ دِينِه على حَسبِ ما ذكَرْناه في المُسلمينَ.

ويُعتبَرُ فيهم الشُّروطُ المُعتبَرةُ في المُسلمينَ، ويُخرَّجُ في اعتِبارِ عَدالتِه في دِينِه وَجهانِ؛ بناءً على الرِّوايتَينِ في اعتِبارِها في المُسلمينِ (١).

وقالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: فصلٌ: وِلايةُ المُسلمِ على الكافرةِ:

ولا يَلِي المُسلمُ نكاحَ الكافِرةِ؛ لِمَا تقدَّمَ مِنْ قَطعِ المُوالاةِ بينَ المُسلمينَ والكفَّارِ، إلَّا أنْ يكونَ سُلطانًا أو سَيدًا لأمَةٍ، فإنَّ وِلايةَ السُّلطانِ عامَّةٌ.

وأمَّا سَيدُ الأمَةِ فإنَّ له أنْ يزوِّجَها مِنْ كافرٍ وإنْ لم يَملكْ تَزويجَ ابنَتِه الكافرةِ مِنْ كافرٍ، والفَرقُ بينَهُما أنه يزوِّجُها بحُكمِ المِلكِ، فجازَ ذلكَ كما لو باعَها مِنْ كافرٍ، بخِلافِ ابنَتِه، فإنه يُزوِّجُها بحُكمِ الوِلايةِ، وقدِ انقطَعَتْ باختِلافِ الدِّينِ كما انقطَعَ التَّوارثُ والإنفاقُ (٢).

(١) «المغني» (٧/ ٢١)، ويُنظَر: و «كشاف القناع» (٥/ ٥٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٣٤)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٥٢).
(٢) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٢٩٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
باب نكاح أهل الشرك

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

باب نِكاحِ أهْلِ الشِّرْك

أنْكِحَةُ الكُفّارِ صحيحةٌ، يُقَرُّونَ عليها إذا أسْلَمُوا أوِ تَحاكَمُوا إلينا، إذا كانت المرأةُ ممَّن يجوزُ ابْتِداءُ نِكاحِها فى الحالِ، ولا يُنْظَرُ إلى صِفةِ عَقْدِهِم وكيْفِيّته، ولا يُعْتَبَرُ له شروطُ أنكِحَةِ المسلمينَ، من الوَلِىِّ، والشُّهودِ، وصِيغةِ الإِيجابِ والقَبُولِ، وأشْباهِ ذلك. بلا خِلافٍ بين المسلمينَ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ العلماءُ على أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذا أسْلَما معًا، فى حالٍ واحدةٍ، أَنَّ لهما المُقامَ على نِكاحِهما ، ما لم يَكُنْ بينهما نَسَبٌ ولا رَضَاعٌ. وقد أسْلَمَ خَلْقٌ فى عَهْدِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأسْلَم نِسَاؤُهم، وأُقِرُّوا على أنْكِحَتِهِم، ولم يَسْأَلْهمُ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن شُرُوطِ النكاحِ، ولا كَيْفِيَّته، وهذا أمْرٌ عُلِمَ بالتَّواتُرِ والضَّرورةِ، فكان يَقِينًا، ولكن يُنْظَرُ فى الحالِ، فإن كانت المرأةُ على صِفَةٍ يجوزُ له ابْتِداءُ نِكاحِها، أُقِرَّ، وإن كانتْ ممَّن لا يجوزُ ابْتداءُ نِكاحِها، كأحَدِ المُحَرَّماتِ بالنَّسَبِ أو السَّببِ، أو المُعْتَدَّةِ ، والمُرْتَدَّةِ، والوَثَنِيَّةِ، والْمَجُوسِيَّة، والمُطَلَّقَةِ ثلاثًا، لم يُقَرَّا . وإن تزَوَّجَها فى العِدَّةِ، وأسْلَما بعدَ انْقِضائِها، أُقِرَّا ؛ لأنَّها يجوزُ ابْتِداءُ نِكاحِها.

١١٦٦ - مسألة؛ قال أبو القاسمِ: (وَإِذَا أسلَمَ الْوَثَنِىُّ، وقَدْ تزَوَّجَ بأرْبَعِ وَثَنِيَّاتٍ، ولَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ، بِنَّ مِنْهُ، وكَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُ مَا سَمَّى لَهَا إنْ كَان

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 394 - 398

ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله