الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > الحكم إذا لم يوجد حاكم ولا ولي
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةوتُرَدُّ للأولِ؛ لأنها زوْجَتُه، ولا تَحلُّ للأولِ حتَّى تَنقضيَ عدَّتُها مِنْ وَطءِ الثاني؛ للعِلمِ ببَراءةِ رَحِمِها منهُ (١).
الحُكمُ إذا لم يُوجَدْ حاكِمٌ ولا وَليٌّ:
إذا كانَتِ المرأةُ في مَوضعٍ لا حاكِمَ فيه وليسَ لها وليٌّ:
قالَ المالِكيةُ: إذا لم يُوجَدْ وليٌّ للمرأةِ ولا حاكِمٌ فتَنتقلُ الولايةُ لعامَّةِ المُسلمينَ، فتُولِّي عقْدَ نكاحِها أيَّ رَجلٍ مِنْ عامةِ المُسلمينَ، ومِن ذلكَ الخالُ والجَدُّ مِنْ جهةِ الأمِّ والأخُ لأمٍ، فهُم مِنْ أهلِ الولايةِ العامَّةِ بإذنها ورِضاها إذا عُلِمَ خُلوُّها مِنْ مَوانعِ النكاحِ، ويَدخلُ في ذلكَ الزَّوجُ فيَتولَّى الطَّرفينِ.
وقالُوا: يَصحُّ النكاحُ بالولايةِ العامَّةِ في امرأةٍ دَنيئةٍ مع وُجودِ وليٍّ خاصٍّ كأبٍ وابنٍ وعَمٍّ، لم يَجبُرْ؛ لكَونها بالِغًا ثيِّبًا أو بِكرًا لا أبَ لها ولا وَصيَّ لها، ولا يُفسخُ بحالٍ، طالَ زَمنُ العقدِ أو لا، دخَلَ بها الزوجُ أو لم يَدخلْ؛ لكَونِها -لدَناءَتها وعَدمِ الالتِفاتِ إليها- لا يَلحقُها بذلكَ مَعرَّةٌ.
والدَّنيئةُ: هي الخالِيةُ مِنْ الجَمالِ والمالِ والحسَبِ والنسَبِ، فالخالِيةُ مِنْ النسَبِ: بنتُ الزِّنا أو الشُّبهةِ أو المَعتوقةُ مِنْ الجَواريِ، والحسَبُ: هو الأخلاقُ الكَريمةُ كالعِلمِ والحِلمِ والتدبيرِ والكرَمِ ونحوِها مِنْ مَحاسنِ
(١) «المغني» (٧/ ٤٥)، و «الكافي» (٣/ ١٣، ١٤)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٥١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٦٣، ٦٤)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٦٢، ٥٦٣).
الأخلاقِ، فالغنيَّةُ ذاتُ الجَمالِ ليسَتْ بدَنيئةٍ وإنْ لم يكنْ لها حسَبٌ ولا نسَبٌ، والنَّسِيبةُ وإنْ كانَتْ فَقيرةً أو قَبيحةً ليسَتْ بدَنيئةٍ، بل كُلُّ مَنْ اتَّصفَتْ بصِفتينِ مِنْ هذهِ الصِّفاتِ الأربَعِ فشَريفةٌ، بل وبِصفةٍ فقط على ما قالَه بعضُهم.
نعمْ الوَقْفةُ في قَومٍ فُقراءَ شأنُهم أنْ يكونُوا خدمةً للناسِ ولا دِيانةَ عندَهم ولا صِيانةَ، فهُمْ وإنْ عُرِفَ نسَبُهم إلَّا أنهُم لعَدمِ دِيانتِهم وصِيانتِهم وكَونِهم مُسخَّرينَ تحتَ أيدي الناسِ لا يُلتفَتُ إليهم، والظاهرُ دَناءتُهم.
وبقيَ الكلامُ في الجَوازِ: هل لا يَجوزُ لمُطلَقِ مُسلمٍ أنْ يَتولَّى عقْدَ نكاحِ الدَّنيئةِ مع وُجودِ كأبيها؟ أو يَجوزُ؟ قَولانِ في المَذهبِ.
ويَصحُّ نكاحُ شَريفةٍ بالولايةِ العامَّةِ مع وُجودِ خاصٍّ غيرِ مُجبِرٍ إنْ دخَلَ الزوجُ بها وطالَ طُولًا، وهو أنْ يَمضيَ زَمنٌ تَلدُ فيه الأولادَ كثَلاثِ سنينَ.
وأمَّا لو عقَدَ النكاحَ بالولايةِ العامَّةِ مع وُجودِ المُجبِرِ كانَ النكاحُ فاسِدًا، ويُفسَخُ أبدًا ولو أجازَه المُجبِرُ (١).
وأمَّا الشافِعيةُ فقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: رَوَى يُونسُ بنُ عبدِ الأعلى أنَّ الشَّافعيَّ رضي الله عنه قالَ: إذا كانَ في الرِّفقةِ امرأةٌ لا وليَّ لها فولَّتْ
(١) «التاج والإكليل» (٢/ ٤٩٥، ٤٩٦)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٦٣، ٦٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٠، ٢٢)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٥٦)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ٤٤٧، ٤٤٩).
أمْرَها رَجلًا حتَّى يزوِّجَها جازَ، وليسَ هذا قَولًا في صحَّةِ النكاحِ بلا وليٍّ؛ لأنَّ أبا عاصِمٍ العبَّاديَّ حكَى هذا النَصَّ في «طبَقَات الفُقهاءِ»، ثمَّ ذكَرَ أنَّ مِنْ أصحابِنا مَنْ أنكَرَه ومنهُم مَنْ قَبِلَه، وقالَ: إنهُ تَحكيمٌ، والمُحكَّمُ قامَ مَقامَ الحاكِمِ.
قلتُ: ذكَرَ صاحِبُ «الحاوِي» فيما إذا كانَتِ امرأةٌ في مَوضعٍ ليسَ فيه وليٌّ ولا حاكِمٌ ثلاثةَ أوجُهٍ:
أحَدُها: لا تزوِّجُ.
والثَّاني: تزوِّجُ نفسَها؛ للضَّرورةِ.
والثالثُ: تُولِّي أمْرَها رجلًا يزوِّجُها.
وحكَى الشاشِيُّ أنَّ صاحِبَ «المُهذَّب» كانَ يقولُ في هذا: تُحكِّمُ فَقيهًا مجتهِدًا، وهذا الَّذي ذكَرَه في التَّحكيمِ صحيحٌ؛ بناءً على الأظهَرِ في جوازِه في النكاحِ، ولكنَّ شرْطَ الحَكمِ أنْ يكونَ صالحًا للقَضاءِ، وهذا يُعتبَرُ في مثلِ هذه الحالِ.
فالذي نَختارُه صحَّةَ النكاحِ إذا ولَّتْ أمْرَها عدلًا وإنْ لم يَكنْ مُجتهِدًا، وهو ظاهِرُ نَصِّه الذي نقَلَه يُونسُ وهو ثِقةٌ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُلقِّنِ رحمة الله عليه: لو لم يَكنْ لها وليٌّ وكانَتْ في مَوضعٍ
(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٦٨٩)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٦٦)، و «الهداية إلى أوهام الكفاية» للأسنوي (٢٠/ ٤٧٥).
لا حاكِمَ فيه فالمُختارُ أنها تَردُّ أمْرَها إلى عَدلٍ وإنْ لم يَكنْ مُجتهِدًا، أو تُحكِّمُ فَقيهًا؛ بناءً على الأصَحِّ في جَوازِه في النكاحِ كما سَتعلَمُه في القضاءِ، ولا بُدَّ مِنْ تَحكيمِ الزوجِ أيضًا، وسيأتي هناكَ أيضًا أنَّ التحكيمَ جائزٌ فيهِ مع وُجودِ الحاكِمِ على الأصَحِّ، فعَلى هذا لا يَختصُّ بما إذا كانَتْ بمَوضعٍ لا حاكِمَ فيه (١).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: وإذا عَدمَتِ المرأةُ وليًّا مناسِبًا وكانَتْ في بلدٍ لا حاكَمَ فيه وأرادَتْ نكاحَ زوجٍ ففيهِ وجهانِ:
أحَدُهما: ليسَ لها أنْ تَنكحَ حتَّى تَجدَ وليًّا بحُكمٍ أو بنَسبٍ، كما لو عَدمَتْ الشُّهودَ لم يَجُزْ أنْ تتزوَّجَ حتَّى تَجدَ الشهودَ.
والوجهُ الثَّاني: أنْ يجوزَ للضَّرورةِ أنْ تتزوَّجَ؛ لأنَّ الوليَّ يُرادُ لنَفيِ العارِ عنه بتَزويجِ غيرِ الكُفءِ، فإذا عُدمَ زالَ معناهُ، وخالَفَ الشُّهود المَعقود بهم الاستِيثاق لحِفظِ الأنسابِ، فعَلى هذا إذا جوَّزَ لها التَّزويجَ ففيهِ وجهانِ:
أحَدُهما: أنها تَتولَّاهُ بنفسِها؛ لأنَّ فقْدَ الوليِّ قد أسقَطَ حُكمَه.
والوَجهُ الثَّاني: أنها تُولِّي أمْرَها رَجلًا يكونُ بَدلًا مِنْ وليِّها حتَّى لا يَخلوَ العقدُ مِنْ عَددِه، ويُحتملُ تَخريجُ هذَينِ الوجَهينِ مِنْ اختلافِ قَوليهِ في الخَصمينِ إذا حكَّمَا رجلًا، هل يَلزمُهما حُكمُه كلزومِ الحاكمِ؟ واللهُ أعلَمُ (٢).
(١) «عجلة المحتاج إلى توجيه المنهاج» (٣/ ١٢٠٢).
(٢) «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٠).
وأمَّا الحَنابلةُ فقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إنْ لم يُوجَدْ للمرأةِ وليٌّ ولا ذُو سُلطانٍ فعَن أحمدَ ما يَدلُّ على أنه يزوِّجُها رجلٌ عَدلٌ بإذنِها؛ فإنه قالَ في دِهقانِ قريةٍ: يزوِّجُ مَنْ لا وليَّ لها إذا احتَاطَ لها في الكُفءِ والمَهرِ إذا لم يَكنْ في الرُّستاقِ قاضٍ.
قالَ ابنُ عَقيلٍ: أخَذَ قومٌ مِنْ أصحابِنا مِنْ هذه الرِّوايةِ أنَّ النكاحَ لا يَقفُ على وليٍّ، قالَ: وقالَ القاضي: مَنصوصُ أحمَدَ يَمنعُ مِنْ ذلكَ، والصَّحيحُ أنَّ هذا القولَ مُختصٌّ بحالِ عدمِ الوليِّ والسُّلطانِ؛ لأنَّه شرَطَ أنْ لا يكونَ في الرُّستاقِ قاضٍ، ووجْهُ ذلكَ أنَّ اشتِراطَ الوليِّ هاهُنا يَمنعُ النكاحَ بالكُليةِ، فلمْ يَجُزْ كاشتِراطِ المناسِبِ في حَقِّ مَنْ لا مناسِبَ لها.
ورُويَ أنه لا يَجوزُ النكاحُ إلَّا بوليٍّ؛ لعُمومِ الأخبارِ فيه (١).
وقالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: قولُه: «الثالثُ: الوليُّ: فلا نِكاحَ إلَّا بوَليٍّ» هذا المَذهبُ، أعنِي: الوليُّ شرطٌ في صِحةِ النكاحِ، وعليهِ الأصحابُ، ونَصَّ عليهِ، قالَ الزَّركشيُّ: لا يَختلفُ الأصحابُ في ذلكَ.
وعنهُ: ليسَ الوليُّ بشَرطٍ مُطلَقًا، وخَصَّها المُصنِّفُ وجَماعةٌ بالعُذرِ لعَدمِ الوليِّ والسُّلطانِ (٢).
وقالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: (فإنْ عُدمَ الوليُّ مُطلَقًا) بأنْ لم يُوجَدْ أحدٌ ممَّن
(١) «المغني» (٧/ ١٤).
(٢) «الإنصاف» (٨/ ٦٦).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
١١٠٧ - مسألة؛ قال: (ثم السلطان)
الرِّوايتينِ عن أبِى حنيفةَ. والثانية، أَنَّ كلَّ مَنْ يَرِثُ بفَرْضٍ أو تَعْصِيبٍ يَلِى؛ لأنَّه من أهلِ مِيراثِها، فوَلِيَها كعَصَباتِها. ولَنا، ما رُوِىَ عن علىٍّ، أنَّه قال: إذا بَلَغَ النِّساءُ نَصَّ الْحَقائقِ ، فالعَصَبةُ أَوْلَى . إذا أدْرَكْنَ. رواه أبو عُبَيدٍ، فى "الغَرِيبِ" . ولأنَّه ليس من عَصَباتِها فأشْبَه الأجْنَبِىَّ.
١١٠٦ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ الْمَوْلَى الْمُنْعِمُ، ثُمَّ أَقْرَبُ عَصَبَتِهِ بِهِ)
لا خلافَ نعلمُه فى أَنَّ المرأةَ إذا لم يكُنْ لها عَصَبةٌ من نَسَبِها، أنَّ مَوْلاها يُزَوِّجُها، ولا فى أَنَّ العَصَبةَ الْمُناسِبَ أوْلَى منه، وذلك لأنَّه عَصَبةُ مَوْلاتِه، يَرِثُها ويَعْقِلُ عنها عندَ عَدَمِ عصباتِها، فلذلك يُزَوِّجُها، وقُدِّمَ عليه الْمُناسِبُون كما قُدِّمُوا عليه فى الإرْثِ والعَقْلِ. فإنْ عُدِمَ المَولى، أو لم يكُنْ من أهْلِ الوِلايةِ، كالمرأةِ والطِّفْلِ والكافِرِ، فعَصَباتُه الأقْرَبُ منهم فالأقْرَبُ، على ترتيبِ المِيراثِ، ثم مَوْلَى المَوْلَى، ثم عَصَباتُه من بعدِه، كالمِيراثِ سَواءً. فإن اجتمعَ ابنُ المُعْتِقِ وأبوه، فالابنُ أوْلى؛ لأنَّه أحَقُّ بالمِيراثِ وأقْوَى فى التَّعْصيبِ، وإنَّما قُدِّمَ الأبُ المُناسِبُ على الابنِ المُناسبِ لِزِيادةِ شَفَقتِه وفَضِيلةِ وِلادَتِه، وهذا معدومٌ فى أبِى المُعْتِقِ، فرُجِعَ به إلى الأصْلِ.
١١٠٧ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ السُّلْطَانُ)
لا نعلمُ خلافاً بين أهلِ العلمِ، فى أَنَّ للسُّلطانِ وِلايةَ تَزْوِيج المرأةِ عندَ عَدَمِ أوْلِيائِها أو عَضْلِهِم. وبه يقول مالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.