الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > الركن الثاني: الولي
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 56 دقيقة قراءةالرُّكنُ الثَّاني: الوليُّ:
اختَلفَ الفُقهاءِ في الوليِّ، هل هو رُكنٌ مِنْ أركانِ النكاحِ؟ أم شَرطٌ مِنْ شَرائطِه لا يَصحُّ إلَّا به؟ أم يَجوزُ نكاحُ المَرأةِ بغيرِ إذنِ وليِّها، بأنْ تُباشِرَ عقْدَ النكاحِ بنَفسِها أو تُوكِّلَ مَنْ يَعقدُ لها؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ وقَولٌ مَحكيٌّ عن مُحمدِ بنِ الحسَنِ إلى أنه لا يَجوزُ النكاحُ بغيرِ وَليٍّ، ولا يَجوزُ للمرأةِ أنْ تَليَ عقْدَ النكاحِ لنَفسِها ولا لغيرِها، سَواءٌ كانَتْ بِكرًا أم ثيِّبًا، واستَدلُّوا على ذلكَ بالكِتابِ والسُّنةِ.
أمَّا الكِتابُ: فقَولُه تعالَى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فدَلَّتِ الآيةُ على ثُبوتِ الوِلايةِ مِنْ وَجهينِ:
أحَدُهما: أنَّ العَضْلَ هو المَنعُ مِنْ التَّزويجِ، فمنَعَ اللهُ الأولياءَ مِنْ الامتِناعِ مِنْ تَزويجِهنَّ كما منَعَ أولياءَ اليَتامى أنْ يَعضلُوهنَّ إذا رَغبُوا في أموالِهنَّ، فلو كانَ لهُنَّ أنْ يَعقدْنَ لم يَكنِ امتِناعُ الأولياءِ عَضلًا لهُنَّ، وهذا يَدلُّ على أنَّ نِكاحُهنَّ إلى الوليِّ، فلو جازَ لهنَّ التفرُّدُ بالعَقدِ لَمَا أثَّرَ عَضلُ الأولياءِ ولَمَا تَوجَّه إليهم نَهيٌ.
والثَّاني: أنَّ سبَبَ ذلكَ امتِناعُ مَعقلِ بنِ يَسارٍ مِنْ إنكاحِ أختِه الذي طلَّقَها زَوجُها، فنزَلَتْ هذه الآيةُ، فدَعاهُ النَّبيُّ فزوجا، فرَوَى البُخاريُّ وغيرُه عن الحسَنِ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] قالَ: حدَّثَني مَعقلُ بنُ يَسارٍ أنها نزَلَتْ فيهِ، قالَ: «زوَّجْتُ أختًا لي مِنْ رَجلٍ فطلَّقَها، حتى إذا انقَضَتْ عدَّتُها جاءَ يَخطبُها، فقلتُ له: زوَّجتُكَ وفرَشتُكَ وأكرَمتُكَ فطلَّقتَها، ثُمَّ جِئتَ تَخطبُها، لا واللَّهِ لا تَعودُ إليكَ أبدًا، وكانَ رَجلًا لا بأسَ به، وكانَتِ المَرأةُ تُريدُ أنْ تَرجعَ إليه، فأَنزلَ اللَّهُ هذه الآيةَ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فقُلتُ: الآنَ أفعَلُ يا رسولَ اللَّهِ، قالَ: فزوَّجَها إياه» (١).
فاللهُ عاتَبَ مَعقلًا لمَّا امتَنعَ مِنْ رَدِّ أختِه إلى زَوجِها، ولو كانَ لها أنْ تزوِّجَ نفسَها أو تَعقدَ النكاحَ لم يُعاتَبْ أخوها على الامتِناعِ منه، ولا أمَرَه رسولُ اللهِ ﷺ بالحِنثِ، فدَلَّ على أنَّ النكاحَ كانَ إليه دونها؛ لأنه لو لم يَكنْ للأولياءِ صُنعٌ لم يَكنْ للنهيِ مَعنًى (٢).
(١) رواه البخاري (٤٨٣٧).
(٢) قالَ الإمامُ الشافعيُّ رحمة الله عليه: قالَ اللهُ تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣١] إلى ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقالَ ﷿: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] الآيَة، وقالَ في الإماءِ: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، قالَ الشافعيُّ: زعَمَ بعضُ أهلِ العِلمِ بالقرآنِ أنَّ مَعقلَ بنَ يَسارٍ كانَ زوَّجَ أختًا له ابنَ عَمٍّ له فطلَّقَها، ثمَّ أرادَ الزوجُ وأرادَتْ نِكاحَه بعدَ مضيِّ عدَّتِها، فأبى مَعقلٌ وقالَ: زوَّجتُكَ وآثرتُكَ على غيرِكَ فطلَّقْتَها، لا أزوِّجُكَها أبدًا، فنزَلَ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ يعني الأزواجَ ﴿النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ يعني فانقَضَى أجَلُهنَّ، يعني عدَّتهنَّ ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يعني أولياءَهنَّ ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ إنْ طلَّقوهُنَّ ولم يَبتُّوا طلاقَهنَّ، وما أشبَهَ معنَى ما قالوا مِنْ هذا بما قالوا، ولا أعلَمُ الآيةَ تَحتملُ غيرَه؛ لأنه إنَّما يُؤمرُ بأنْ لا يَعضلَ المرأةَ مَنْ له سَببٌ إلى العَضلِ، بأنْ يكونَ يتمُّ به نكاحُها مِنْ الأولياءِ، والزوجُ إذا طلَّقَها فانقضَتْ عدَّتُها فليسَ بسَبيلٍ منها فيَعضلُها، وإنْ لم تَنقضِ عدَّتُها، فقدْ يَحرمُ عليها أنْ تَنكحَ غيرَه، وهو لا يَعضلُها عن نَفسِه، وهذا أبيَنُ ما في القُرآنِ مِنْ أنَّ للوليِّ مع المرأةِ في نَفسِها حقًّا، وأنَّ على الوليِّ أنْ لا يَعضلَها إذا رَضيَتْ أنْ تَنكحَ بالمَعروفِ، وجاءَتِ السُّنةُ بمِثلِ معنَى كِتابِ اللهِ ﷿. «الأم» (٥/ ١٢).
وقالَ تعالَى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] أي: أوليائِهنَّ، فجعَلَ إذنَ الأولياءِ شَرطًا في نكاحِهنَّ، فدَلَّ على بُطلانِه لعَدمِه.
وقَولُه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، فلمْ يُخاطِبْ تعالَى بالنكاحِ غيرَ الرجالِ، ولو كانَ إلى النِّساءِ لَذكَرَهنَّ.
وقولُه تعالَى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، فإنه خاطَبَ الأولياءَ ونهاهُم عن إنكاحِ المُشركينَ وليِّاتِهم المُسلِماتِ.
وأمَّا السُّنةُ: فما رُويَ عن عَددٍ مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا نِكاحَ إلَّا بوَليٍّ» (١)، وهو نَفيٌ للحَقيقةِ الشَّرعيةِ، أي: لا نِكاحَ شَرعيًّا أو مَوجودًا في الشَّرعِ إلَّا بوليٍّ، فأثبَتَ للوليِّ حَقًّا في العقدِ، وغيرُهم لا حَقَّ له، وكانَ على عُمومِه في كُلِّ نكاحٍ مِنْ صَغيرةٍ وكَبيرةٍ وشَريفةٍ ودَنَيةٍ وبِكرٍ وثيِّبٍ.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٠٨٥)، والترمذي (١١٠١)، وابن ماجه (١٨٨٠)، وأحمد (١٩٧٦١).
وعن عائِشةَ رضي الله عنها قالَتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «أيُّما امرأةٍ نكَحَتْ بغَيرِ إذنِ مَواليها فنِكاحُها باطِلٌ -ثَلاثَ مرَّاتٍ-، فإنْ دخَلَ بها فالمَهرُ لها بِما أصابَ مِنها، فإنْ تَشاجَرُوا فالسُّلطانُ وَليُّ مَنْ لا وليَّ له» (١).
وهذا نَصٌّ في إبطالِ النكاحِ بغيرِ وَليٍّ مِنْ غيرِ تَخصيصٍ ولا تَمييزٍ.
قالَ الطبَريُّ رحمة الله عليه: في حَديثِ حَفصةَ حينَ تأيَّمَتْ وعَقدِ عُمرَ عليها النكاحَ ولم تَعقدْه هي إبطالُ قَولِ مَنْ قالَ: «إنَّ للمرأةِ البالغةِ المالِكةِ لنَفسِها تَزويجُ نَفسِها، وعَقدُ النكاحِ دُونَ وليِّها»، ولو كانَ ذلكَ لها لم يَكنْ رسولُ اللهِ ﷺ لِيَدعَ خِطبةِ حَفصةَ لنَفسِها إذا كانَتْ أَولى بنَفسِها مِنْ أبيها وخطَبَها إلى مَنْ لا يَملكُ أمْرَها ولا العقدَ عَليها.
وأمَّا قولُه ﷺ: «الأيِّمُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها» أنَّ معنَى ذلكَ: أنها أحَقُّ بنَفسِها في أنه لا يَعقدُ عليها إلَّا برِضاها، لا أنها أحَقُّ بنَفسِها في أنَّ تَعقدَ عقْدَ النكاحِ على نَفسِها دُونَ وليِّها.
وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُزوِّجُ المَرأةُ المَرأةَ، ولا تُزوِّجُ المَرأةُ نفْسَها، فإنَّ الزَّانيةَ هي الَّتي تُزوِّجُ نفْسَها» (٢).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وأحمد (٢٥٣٦٥)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٠٧٤).
(٢) صحيحٌ دونَ لفظِ: «الزانِيةُ هي التي تُزوِّجُ نفْسَها» رواه ابن ماجه (١٨٨٢)، والدارقطني (٣٥٣٥)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٤٠٠٥).
ورَوى البُخاريُّ عن عائِشةَ رضي الله عنها قالَتْ: «النِّكاحُ في الجاهِليةِ كانَ على أربَعةِ أنحاءٍ، فنِكاحٌ مِنها نِكاحُ النَّاسِ اليومَ، يَخطُبُ الرَّجلُ إلى الرَّجلِ وَليَّتَه أو ابنتَه فيُصدِقُها ثمَّ يَنكِحُها» (١)، فهذا حُجَّةٌ في أنَّ سُنةَ عَقدِ النكاحِ إلى الأولياءِ.
وعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسِمِ بنِ مُحمدِ بنِ أبي بَكرٍ الصِّديقِ عن أبيه عن عائِشةَ أمِّ المُؤمِنينَ رضي الله عنها «أنَّها أنكَحَتْ رَجلًا مِنْ بَني أخيها جارِيةً مِنْ بَني أخيها، فضَربَتْ بينَهُم سِترًا، ثمَّ تَكلَّمَتْ حتَّى إذا لم يَبْقَ إلَّا النكاحُ أمَرَتْ رَجلًا فأَنكَحَ، ثمَّ قالَتْ: ليسَ إلى النِّساءِ النكاحُ» (٢)، فثبَتَ يَقينًا أنَّ نِكاحَ النِّساءِ لا يَجوزُ.
وعن عِكرمةَ بنِ خالدٍ قالَ: «جمَعَتِ الطَّريقُ رَكبًا، فجعَلَتِ امرأةٌ مِنهنَّ ثَيبٌ أمْرَها بيَدِ رَجلٍ غيرِ وليٍّ فأنكَحَها، فبلَغَ ذلكَ عُمرَ فجلَدَ الناكِحَ والمُنكِحَ ورَدَّ نِكاحَهُما» (٣).
ويَدلُّ على ذلكَ مِنْ القِياسِ هو أنَّ كُلَّ مَنْ كانَ مِنْ زَوائدِ عَقدِ النكاحِ كانَ شَرطًا فيهِ كالشُّهودِ، ولأنَّ ما اختُصَّ مِنْ بينِ جِنسِه بزِيادةِ عَددٍ كانَتِ الزِّيادةُ شَرطًا فيهِ كالشَّهادةِ في الزِّنا، ولأنَّ كُلَّ عَقدٍ صارَتْ به المرأةُ فِراشًا
(١) رواه البخاري (٤٨٣٤).
(٢) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ١٠).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٠٤٨٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٣٤١٧).
لم يَملكْه المُفتَرَشةُ كالأمَةِ، ولأنَّ مَنْ عقَدَ على نَفسِه واعتَرضَ عليه غيرُه في فَسخِه دَلَّ على فَسادِ عَقدِه، كالأمَةِ والعَبدِ إذا زوَّجَا أنفُسَهُما، ولأنَّ مَنْ مُنعَ مِنْ الوفاءِ مَعقودُ العَقدِ خرَجَ مِنْ العَقدِ كالمَحجورِ عليهِ، ولأنه أحَدُ طَرفي الاستِباحةِ، فلمْ تَملكْه المَرأةُ كالطَّلاقِ، ولأنَّ لوَليِّ المرأةِ قبْلَ بُلوغِها حَقَّينِ: حَقًّا في طلَبِ الكَفاءةِ، وحَقًّا في طَلبِ العَقدِ، فلمَّا كانَ بُلوغُها غيرَ مُسقِطٍ لحَقِّه في طَلبِ الكَفاءةِ كانَ غيرَ مُسقِطٍ لحَقِّه في مُباشَرةِ العَقدِ، ويَتحرَّرُ مِنْ اعتِلالِه قياسَانِ:
أحَدُهما: أنه أحَدُ حَقَّيِ الوليِّ، فلمْ يَسقُطْ ببُلوغِها كطَلبِ الكَفاءةِ.
والثَّاني: أنَّ كُلَّ مَنْ ثبَتَ عليها حَقُّ الوليِّ في طَلبِ الكَفاءةِ ثبَتَ عليه حَقُّه في مُباشَرةِ العَقدِ كالصَّغيرةِ.
ولأنها ناقِصةٌ بالأُنوثةِ كالأمَةِ، ولأنه مُولًّى عليها في النكاحِ، فلا تَلِيه كالصَّغيرةِ، ولأنَّ مِنْ طِباعِ النِّساءِ شَهوةَ النكاحِ والمَيلَ إلى الرِّجالِ والتسرُّعَ إلى ذلكَ، فلو جُعلَتِ العُقودُ إليهنَّ لَتَسرَّعنَ ولم يُراعِينَ كفاءةً ولا حظًّا في عاقِبتِه، وفي ذلكَ ضَررٌ بهنَّ وبالأولياءِ، فمُنِعْنَ منه، ولأنها غيرُ مَأمونةٍ على البُضعِ؛ لنُقصانِ عَقلِها وسُرعةِ انخِداعِها، فلمْ يَجُزْ تَفويضُه إليها كالمُبذِّرِ في المالِ، والعِلةُ في مَنعِها صِيانتُها عن مُباشَرةِ ما يُشعِرُ بوَقاحتِها ورُعونتِها ومَيلِها إلى الرجالِ، وذلكَ يُنافي حالَ أهلِ الصِّيانةِ والمُروءةِ (١).
(١) «موطأ الإمام مالك» برواية محمد بن الحسن (٢/ ٤٥٨)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٨٣، ٢٧٨) رقم (١١٢٢)، و «المعونة» (١/ ٤٨٠)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٢٤١، ٢٤٤)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ٦٣، ٦٤)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٤٨)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٤٨٩)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٧٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٣)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٤٥٣)، وحاشية الصاوي (٤/ ٤٣٠)، و «الإشراف» في مسائل الخلاف (٥/ ١٣، ١٥)، و «المهذب» (٢/ ٣٥)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٤١، ٤٢)، و «البيان» (٩/ ١٥٢، ١٥٧)، و «شرح صحيح مسلم» (٩/ ٢٠٥)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٦٨٨، ٦٨٩)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٦٤، ٦٦)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٥٤٦، ٥٤٧)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٤٧)، و «الديباج» (٣/ ١٩٣)، و «المغني» (٧/ ٥، ٧)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣١٨، ٣١٩)، و «الإنصاف» (٨/ ٦٦)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٠، ٥١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٢٩، ١٣٠)، والروض المربع (٢/ ٢٨٤)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٥٨، ٥٥٩).
إلا أنَّ الإمامَ مالِكًا رحمة الله عليه له قَولٌ بأنَّ المَرأةَ إذا كانَتْ مُعتَقةً أو مِسكينةً دِنيَّةً أو تكونُ في قَريةٍ لا سُلطانَ فيها جازَ لها أنْ تَستخلِفَ رَجلًا يُزوِّجُها.
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأمَّا مالِكٌ فتَحصيلُ مَذهبِه أنَّه «لا نِكاحَ إلَّا بوَليٍّ»، هذه جُملَتُه.
ورَوَى أشهَبُ عن مالِكٍ أنَّ الشَّريفةَ والدَّنيةَ والسَّوداءَ والمُسَالِمةَ ومَن لا خطْبَ لها في ذلكَ سَواءٌ، هذا معنَى رِوايةِ أشهَبَ عن مالِكٍ.
وقالَ ابنُ القاسِمِ عنهُ: إذا كانَتِ المَرأةُ مُعتَقةً أو مِسكينةً دَنيةً أو تَكونُ في قَريةٍ لا سُلطانَ فيها فلا بأسَ أنْ تَستخلِفَ رَجلًا يُزوِّجُها ويَجوزُ ذلكَ،
وإنْ كانَتْ ذاتَ حَسبٍ لها حالٌ وشرَفٌ فلا يَنبغِي لها أنْ يزوِّجَها إلَّا وليُّها أو السُّلطانُ (١).
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وزُفرُ والحسَنُ وهو ظاهِرُ الرِّوايةِ عن أبي يُوسفَ -وقيلَ: إنَّ مُحمدًا رجَعَ إلى هذهِ الرِّوايةِ في آخِرِ عُمرِه- وأحمَدُ في رِوايةٍ (٢) إلى أنه يَجوزُ نِكاحُ المَرأةِ البالِغةِ العاقِلةِ بغيرِ وليٍّ، بِكرًا كانَتْ أو ثَيبًّا، ولو مِنْ غيرِ كُفءٍ في ظاهِرِ الرِّوايةِ، -وقيلَ: إذا كانَ مِنْ غيرِ كُفءٍ لا يَجوزُ، وقيلَ: عليهِ الفتوَى-؛ لحَديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما مَرفوعًا: «الأيِّمُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها» (٣)، والمُرادُ بالأيِّمِ: مَنْ لا زوْجَ لها، سَواءٌ تزوَّجَتْ قبلُ أو لم تتزوَّجْ (٤).
(١) «الاستذكار» (٥/ ٣٩٤)، و «الإشراف» في مسائل الخلاف (٥/ ١٤، ١٥).
(٢) قالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: قولُهُ: (الثَّالثُ: الوليُّ، فلا نِكاحَ إلا بوليٍّ) هذا المذهَبُ، أعني: الوليُّ شَرطٌ في صِحةِ النكاحِ، وعليهِ الأصحابُ، ونَصَّ عليه، قالَ الزركشيُّ: لا يَختلفُ الأصحابُ في ذلكَ.
وعنه: ليسَ الوليُّ بشَرطٍ مُطلَقًا، وخَصَّها المُصنِّفُ وجَماعةٌ بالعُذرِ لعَدمِ الوليِّ والسُّلطانِ.
فعلى المَذهبِ: لو زوَّجَتِ المرأةُ نفسَها أو غيرَها لم يَصحَّ، وهو المَذهبُ وعليه الأصحابُ.
وعنهُ: يجوزُ لها تَزويجُ نفسِها، ذكَرَها جَماعةٌ مِنْ الأصحابِ.
وعنه: أنَّ لها أنْ تأمُرَ رجلًا يُزوِّجُها. «الإنصاف» (٨/ ٦٦).
(٣) رواه مسلم (١٤٢١).
(٤) قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه في «شرح صحيح مسلم»: قالَ القاضِي: اختَلفَ العلماءُ في المرادِ بالأيِّمِ هنا، مع اتِّفاقِ أهل اللُّغةِ على أنها تُطلَقُ على امرأةٍ لا زوْجَ لها، صَغيرةً كانَتْ أو كَبيرةً، بِكرًا كانَتْ أو ثَيبًا، قالَه إبراهيمُ الحَربيُّ وإسماعيلُ القاضي وغيرُهما، والأَيْمَةُ في اللُّغةِ العُزوبةُ، ورَجلٌ أيِّمٌ وامرأةٌ أيِّمٌ، وحكَى أبو عُبيدٍ أنه أَيِّمةٌ أيضًا، قالَ القاضي: ثمَّ اختَلفَ العلماءُ في المرادِ بها هنا، فقالَ عُلماءُ الحِجازِ والفقهاءُ كافَّةً: المُرادُ الثيِّبُ، واستَدلُّوا بأنه جاءَ مُفسَّرًا في الرِّوايةِ الأخرى بالثيِّبِ، كما ذكَرْناهُ، وبأنها جُعلَتْ مُقابِلةً للبِكرِ، وبأنَّ أكثَرَ استِعمالِها في اللغةِ للثيِّبِ، وقالَ الكُوفيونَ وزُفرُ: الأيِّمُ هنا كُلُّ امرأةٍ لا زوْجَ لها، بِكرًا كانَتْ أو ثَيبًا كما هو مُقتضاهُ في اللغةِ، قالُوا: فكُلُّ امرأةٍ بلَغَتْ فهي أحَقُّ بنفسِها مِنْ وليِّها، وعَقدُها على نفسِها النكاحَ صَحيحٌ، وبه قالَ الشَّعبيُّ والزُّهريُّ، قالوا: وليسَ الوليُّ مِنْ أركانِ صحَّةِ النكاحِ، بل مِنْ تَمامِه، وقالَ الأوزاعيُّ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ: تتوقَّفُ صحَّةُ النكاحِ على إجازةِ الوليِّ.
قالَ القاضي: واختَلفوا أيضًا في قَولِه ﷺ: «أحَقُّ مِنْ وليِّها»، هل هي أحَقُّ بالإذنِ فقطْ؟ أو بالإذنِ والعَقدِ على نفسِها؟ فعندَ الجُمهورِ بالإذنِ فقط، وعندَ هؤلاءِ بهِما جميعًا، وقولُه ﷺ: «أحَقُّ بنَفسِها» يَحتملُ مِنْ حَيثُ اللفظِ أنَّ المُرادَ: أحَقُّ مِنْ وليِّها في كلِّ شَيءٍ مِنْ عَقدٍ وغيرِه، كما قالَه أبو حَنيفةَ وداودُ، ويَحتملُ: أنها أحَقُّ بالرِّضا، أي: لا تُزوَّجُ حتَّى تَنطقَ بالإذنِ، بخلافِ البكرِ، ولكنْ لمَّا صَحَّ قولُه ﷺ: «لا نِكاحَ إلَّا بوليٍّ» مع غيرِه مِنْ الأحاديثِ الدالَّةِ على اشتِراطِ الوليِّ تعيَّنَ الاحتمالُ الثَّاني، واعلَمْ أنَّ لَفظةَ (أحَقُّ) هنا للمُشارَكةِ، معناهُ: أنَّ لها في نفسِها في النكاحِ حقًّا ولوليِّها حقًّا، وحقُّها أوكَدُ مِنْ حقِّه، فإنه لو أرادَ تَزويجَها كُفؤًا وامتَنعَتْ لم تُجبَرْ، ولو أرادَتْ أنْ تَتزوجَ كُفؤًا فامتَنعَ الوليُّ أُجبِرَ، فإنْ أصَرَّ زوَّجَها القاضي، فدَلَّ على تأكيدِ حقِّها ورُجحانِه. «شَرح النُّوويِّ على صَحيحِ مُسلمٍ» (٩/ ٢٠٣، ٢٠٤).
وقولِه تعالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾، فالآيَةُ الشَّريفةُ نَصٌّ على انعِقادِ النكاحِ بعِبارتِها وانعِقادِها بلَفظِ الهبةِ، فكانَتْ حُجَّةً.
وقولِه تَعالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والاستِدلالُ به مَنْ وجهَينِ:
أحَدُهما: أنه أضافَ النكاحَ إليها، فيَقتضي تَصوُّرَ النكاحِ منها.
والثَّاني: أنه جعَلَ نِكاحَ المرأةِ غايَةَ الحُرمةِ، فيَقتضِي انتِهاءَ الحُرمةِ عندَ نكاحِها نفْسِها.
وقولِه ﷿: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أي: يَتَناكَحَا، أضافَ النكاحَ إليهِما مِنْ غيرِ ذِكرِ الوليِّ.
وقولِه ﷿: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٢] الآية، والاستِدلالُ به مِنْ وجهَينِ:
أحَدُهما: أنه أضافَ النكاحَ إليهنِّ، فيَدلُّ على جَوازِ النكاحِ بعَبارتِهنَّ مِنْ غيرِ شَرطِ الوليِّ.
والثَّاني: أنه نهَى الأولياءَ عنِ المَنعِ عن نكاحِهنَّ أنفُسَهنَّ مِنْ أزواجِهنَّ إذا تَراضَى الزَّوجانِ، والنَّهيُ يَقتضِي تَصويرَ المَنهيِّ عنه.
وقالَ تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وفي آيَةٍ أُخرَى: ﴿مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، أضافَ النكاحَ والفعلَ إليهنَّ، وذلكَ يَدلُّ على صحَّةِ عِبارتِهنَّ ونَفاذِها؛ لأنه أضافَه إليهنَّ على سَبيلِ الاستِقلالِ؛ إذْ لم يَذكرْ معَها غيرَها، وهي إنْ زوَّجَتْ نفْسَها مِنْ كُفءٍ بمَهرِ المِثلِ فقدْ فعَلَتْ في نَفسِها بالمَعروفِ، فلا جُناحَ على الأولياءِ في ذلكَ.
وأمَّا السُّنةُ: فعنْ عائِشةَ رضي الله عنها أنها قالَتْ: «جاءَتْ فَتاةٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ إنَّ أبِي زوَّجَنِي ابنَ أخيهِ يَرفَعُ بي خَسيستَهُ، فجعَلَ الأمرَ إليها، قالَتْ: فإنِّي قد أجَزْتُ ما صنَعَ أبِي، ولكنْ أردْتُ أنْ تَعلمَ النِّساءُ أنْ ليْسَ للآبَاءِ مِنْ الأمرِ شيءٌ» (١)، وهذا يُفيدُ بعُمومِه أنَّ ليسَ له المُباشَرةُ حقًّا ثابتًا، بل استِحبابٌ، وفيه دَليلٌ مِنْ جِهةِ تَقريرِه قولَها ذلكَ أيضًا.
وفي البُخاريِّ: «عن الخَنساءِ بِنتِ خِذامٍ الأنصاريةِ أنَّ أباها زوَّجَها وهي ثيِّبٌ فكَرهَتْ ذلكَ، فأتَتْ رسولَ اللهِ ﷺ فرَدَّ نِكاحَه» (٢).
وعنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «ليسَ للوَليِّ مع الثيِّبِ أمرٌ، واليَتيمةُ تُستأْمَرُ، وصَمتُها إقرارُها» (٣).
وأيضًا فإنها لمَّا بلَغَتْ عن عَقلٍ وحُريةٍ فقدْ صارَتْ وليَّةَ نَفسِها في النكاحِ، فلا تَبقَى مولَّيًا عليها كالصَّبيِّ العاقلِ إذا بلَغَ، والجَامعُ أنَّ وِلايةَ الإنكاحِ إنما ثَبتَتْ للأبِ على الصَّغيرةِ بطريقِ النِّيابةِ عنها شَرعًا؛ لكَونِ
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الإمام أحمد (٢٥٠٤٣)، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» (١٣٥٩)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٦٢٣٠)، والنسائي (٣٢٦٩)، والدارقطني (٣/ ٢٣٢)، والبيهقي (٥٣٦٩).
(٢) رواه البخاري (٤٨٤٥).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢١٠٠)، والنسائي (٣٢٦٣)، وأحمد (٣٠٨٧)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٠٨٩).
النكاحِ تصرُّفًا نافِعًا مُتضمِّنًا مَصلحةَ الدِّينِ والدُّنيا وحاجَتَها إليهِ حالًا ومَآلًا، وكَونِها عاجِزةً عن إحرازِ ذلكَ بنَفسِها، وكَونِ الأبِ قادرًا عليه، وبالبُلوغِ عن عَقلٍ زالَ العَجزُ حَقيقةً وقدَرَتْ على التصرُّفِ في نَفسِها حَقيقةً، فتَزولُ وِلايةُ الغيرِ عنها وتَثبتُ الوِلايةُ لها؛ لأنَّ النيابةَ الشَّرعيةَ إنما تَثبتُ بطَريقِ الضَّرورةِ نَظرًا، فتَزولُ بزَوالِ الضَّرورةِ، مع أنَّ الحُريةَ مُنافِيةٌ لثُبوتِ الوِلايةِ للحُرِّ على الحُرِّ، وثُبوتُ الشَّيءِ مع المُنافي لا يكونُ إلا بطَريقِ الضَّرورةِ، ولهذا المعنَى زالَتِ الوِلايةُ عن إنكاحِ الصَّغيرِ العاقِلِ إذا بلَغَ وتَثبتُ الوِلايةُ له، وهذا المعنَى مَوجودٌ في الفَرعِ، ولهذا زالَتْ وِلايةُ الأبِ عن التصرُّفِ في مالِها وتَثبتِ الوِلايةُ لها، كذا هذا؛ فإنه لا وِلايةَ له أنْ يَتصرَّفَ في أقَلِّ شيءٍ مِنْ مالِ البِكرِ البالِغةِ إلا بإذنِها، وكُلُّ المالِ دونَ النَّفسِ، وإذا صارَتْ وَليَّ نَفسِها في النكاحِ لا تَبقَى مُوليًا عليها بالضَّرورةِ؛ لِمَا فيه مِنْ الاستحالةِ.
وأمَّا الآيةُ فالخِطابُ للأولياءِ بالإنكاحِ ليسَ يَدلُّ على أنَّ الوليَّ شَرطُ جَوازِ الإنكاحِ، بل على وِفاقِ العُرفِ والعادةِ بينَ الناسِ، فإنَّ النِّساءَ لا يَتولَّينَ النكاحَ بأنفُسِهنَّ عادةً؛ لِمَا فيه مِنْ الحاجةِ إلى الخُروجِ إلى مَحافِلِ الرجالِ، وفيه نِسبتُهنَّ إلى الوَقاحةِ، بل الأولياءُ همُ الذينَ يَتولَّونَ ذلكَ عليهنَّ برِضاهُنَّ، فخرَجَ الخِطابُ بالأمرِ بالإنكاحِ مَخرجَ العُرفِ والعادةِ على النَّدبِ والاستِحبابِ دونَ الحَتمِ والإيجابِ، والدَّليلُ عليهِ ما
ذكَرَ ﷾ عَقِيبَه، وهو قولُه تعالَى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، ثمَّ لم يَكنِ الصَّلاحُ شرْطَ الجَوازِ، ونَظيرُه قولُه تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، أو تُحمَلُ الآيةُ الكَريمةُ على إنكاحِ الصِّغارِ عمَلًا بالدَّلائلِ كلِّها.
وعلى هذا يُحمَلُ ما رُويَ عن النبيِّ ﷺ: «لا يُزوِّجُ النِّساءَ إلَّا الأولياءُ» أنَّ ذلكَ على النَّدبِ والاستِحبابِ (١).
وذهَبَ مُحمدُ بنُ الحسَنِ وأبو يُوسفَ في قولِه الآخَرِ إلى أنَّ الحرَّةَ البالِغةَ العاقِلةَ إذا زوَّجَتْ نفْسَها مِنْ رَجلٍ أو وكَّلَتْ رَجلًا بالتَّزويجِ فتزوَّجَها أو زوَّجَها فُضوليٌّ فيتوقَّفُ ذلكَ على إجازةِ الوليِّ والحاكِمِ، فلا يَحلُّ للزَّوجِ وَطؤُها قبلَ الإجازةِ، ولو وَطئَها يكونُ وَطئًا حَرامًا، ولا يَقعُ عليها طَلاقُه وظِهارُه وإيلاؤُه، ولو ماتَ أحَدُهما لم يَرثْه الآخَرُ، سَواءٌ زوَّجَتْ نفْسَها مِنْ كُفءٍ أو غيرِ كُفءٍ.
وإذا زوَّجَتْ نفْسَها مِنْ كُفءٍ وبلَغَ الوليَّ فامتَنعَ مِنْ الإجازةِ فرفَعَتْ أمْرَها إلى الحاكِمِ فإنه يُجيزُه في قَولِ أبي يُوسفَ.
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٤٧، ٢٤٩)، و «الهداية» (١/ ١٩٦)، و «الاختيار» (٣/ ١١٢، ١١٣)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٥٤، ٣٥٥)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٢٥٥، ٢٦٠)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١١٧، ١١٨)، و «العناية» (٤/ ٤٠٣)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٨٤، ٢٨٥)، و «البحر الرائق» (٣/ ١١٧)، و «مجمع الأنهر» (١/ ٤٨٨، ٤٨٩)، و «اللباب» (٢/ ٢٤، ٢٥).
وقالَ مُحمدٌ: يُستأنَفُ العَقدُ، ويُسقِطُ الحاكِمُ وِلايةَ الوليِّ، ويَعقدُ عليها عَقدًا مُستأنَفًا، ويَبطلُ العَقدُ المُتقدِّمُ.
وجْهُ قولِه: إنَّ العقدَ كانَ مَوقوفًا على إجازةِ الوليِّ، فإذا امتَنعَ مِنْ الإجازَةِ فقدْ رَدَّه، فيَرتَدُّ ويَبطلُ مِنْ الأصلِ، فلا بُدَّ مِنْ الاستئنافِ.
وذكَرَ هِشامٌ عن مُحمدٍ: فإنْ لم يُجِزْه الوليُّ أُجيزُه أنَا، وكانَ يَومئذٍ قاضِيًا، فصارَ عنهُ رِوايتانِ، ورُويَ عنه أنه رجَعَ إلى قَولِ أبي حَنيفةَ قبلَ مَوتِه بسَبعةِ أيامٍ.
وحَكَى الفَقيهُ أبو جَعفرٍ الهِندوانِيُّ: أنَّ امرأةً جاءَتْ إلى مُحمدٍ قبْلَ مَوتِه بثَلاثةِ أيامٍ وقالَتْ: إنَّ لي وَليًّا وهو لا يزوِّجُنِي إلا بعدَ أنْ يأخُذَ منِّي مالًا كَثيرًا، فقالَ لها مُحمدٌ: اذهَبِي فزوِّجِي نفْسَكِ، وهذا يُؤيِّدُ ما رُويَ مِنْ رُجوعِه.
وجْهُ قولِ أبي يُوسفَ: إنه بالامتِناعِ صارَ عاضِلًا؛ إذْ لا يَحلُّ له الامتِناعُ مِنْ الإجازةِ إذا زوَّجَتْ نفْسَها مِنْ كُفءٍ، فإذا امتَنعَ فقدْ عضَلَها، فخرَجَ مِنْ أنْ يكونَ وليًّا، وانقَلبَتِ الوِلايةُ إلى الحاكِمِ.
ورُويَ عن مُحمدٍ أنه إذا كانَ للمَرأةِ وَليٌّ لا يَجوزُ نِكاحُها إلا بإذنِه، وإنْ لم يَكنْ لها وَليٌّ جازَ إنكاحُها على نَفسِها، وجْهُ ما رُويَ عن مُحمدٍ مِنْ الفَرقِ بينَ ما إذا كانَ لها وَليٌّ وبينَ ما إذا لم يَكنْ لها وَليٌّ أنَّ وُقوفَ العقدِ على إذنِ الوليِّ كانَ لحَقِّ الوليِّ لا لِحَقِّها، فإذا لم يَكنْ لها وَليٌّ
فلا حقَّ للوليِّ، فكانَ الحَقُّ لها خاصَّةً، فإذا عقَدَتْ فقدْ تصرَّفَتْ في خالِصِ حقِّها فنفَذَ.
ورُويَ عن أبي يُوسفَ رِوايةٌ أُخرى أنها إذا زوَّجَتْ نفْسَها مِنْ كُفءٍ يَنفذُ وتَثبتُ سائِرُ الأحكامِ، وجْهُ ما رُويَ عن أبي يُوسفَ أنها إذا زوَّجتْ نفْسَها مِنْ كُفءٍ يَنفذُ؛ لأنَّ حَقَّ الأولياءِ في النكاحِ مِنْ حيثُ صِيانتُهم عمَّا يُوجِبُ لُحوقَ العارِ والشَّينَ بهمْ بنِسبةِ مَنْ لا يُكافِئُهم بالصِّهريةِ إليهم، وقد بطَلَ هذا المَعنى بالتَّزويجِ مِنْ كُفءٍ، يُحقِّقُه أنها لو وجَدَتْ كُفئًا وطلَبَتْ مِنْ المَولَى الإنكاحَ منه لا يَحلُّ له الامتِناعُ، ولو امتَنعَ يَصيرُ عاضِلًا، فصارَ عَقدُها -والحالَةُ هذهِ- بمَنزلةِ عَقدِه بنَفسِه (١).
وأمَّا الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه فقدْ بيَّنَ وذكَرَ اختِلافَ الفُقهاءِ، وبيَّنَه أحسَنَ بَيانٍ، وذكَرَ سَببَ الاختِلافِ بينَهُم، فقالَ رحمة الله عليه: اختَلفَ العُلماءُ هل الوِلايةُ شَرطٌ مِنْ شُروطِ صحَّةِ النكاحِ؟ أم ليسَتْ بشَرطٍ؟
فذهَبَ مالكٌ إلى أنه لا يَكونُ النكاحُ إلَّا بوَليٍّ، وأنها شَرطٌ في الصحَّةِ في رِوايةِ أشهَبَ عنه، وبه قالَ الشافعيُّ.
وقالَ أبو حَنيفةَ وزُفرُ والشَّعبيُّ والزُّهريُّ: إذا عقَدَتِ المرأةُ نكاحَها بغيرِ وَليٍّ وكانَ كفُؤًا جازَ.
(١) المصادر السابقة.
وفرَّقَ داودُ بينَ البكرِ والثيِّبِ، فقالَ باشتِراطِ الوليِّ في البكرِ، وعَدمِ اشتِراطِه في الثيِّبِ.
ويَتخرَّجُ على رِوايةِ ابنِ القاسِمِ عن مالِكٍ في الولايةِ قَولٌ رابِعٌ أنَّ اشتِراطَها سُنةٌ لا فَرضٌ، وذلكَ أنه رُويَ عنه أنه كانَ يرَى المِيراثَ بينَ الزَّوجينِ بغيرِ وَليٍّ، وأنه يَجوزُ للمرأةِ غيرِ الشَّريفةِ أنْ تَستخلِفَ رَجلًا مِنْ الناسِ على إنكاحِها، وكانَ يَستحِبُّ أنْ تقدِّمَ الثيِّبُ وليَّها لِيَعقدَ عليها، فكأنه عندَه مِنْ شُروطِ التَّمامِ لا مِنْ شُروطِ الصحَّةِ، بخِلافِ عِبارةِ البَغداديِّينَ مِنْ أصحابِ مالِكٍ، أعني أنهم يَقولونَ: إنها مِنْ شُروطِ الصحَّةِ لا مِنْ شروطِ التَّمامِ.
وسَببُ اختِلافِهم أنه لم تَأتِ آيةٌ ولا سُنةٌ هي ظاهِرةٌ في اشتراطِ الوِلايةِ في النكاحِ، فَضلًا عن أنْ يكونَ في ذلكَ نَصٌّ، بل الآياتُ والسُّنَنُ التي جرَتِ العادةُ بالاحتِجاجِ بها عندَ مَنْ يَشترطُها هي كلُّها مُحتمَلةٌ.
وكذلكَ الآياتُ والسُّننُ التي يَحتجُّ بها مَنْ يَشترطُ إسقاطَها هي أيضًا مُحتمَلةٌ في ذلكَ، والأحادِيثُ مع كَونها مُحتمَلةً في ألفاظِها مُختلَفٌ في صحَّتِها إلَّا حديثَ ابنِ عبَّاسٍ، وإنْ كانَ المُسقِطُ لها ليسَ عليهِ دَليلٌ؛ لأنَّ الأصلَ بَراءةُ الذمَّةِ.
ونحنُ نُورِدُ مَشهورَ ما احتَجَّ به الفَريقانِ، ونُبيِّنُ وجهَ الاحتمالِ في ذلكَ.
فمَن أظهَرِ ما يَحتجُّ به مِنْ الكِتابِ مَنْ اشتَرطَ الوِلايةَ قولُه تعالَى:
﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، قالوا: وهذا خِطابٌ للأولياءِ، ولو لم يَكنْ لهم حقٌّ في الوِلايةِ لَمَا نُهُوا عنِ العَضلِ.
وقولُه تعالَى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، قالُوا: وهذا خِطابٌ للأولياءِ أيضًا.
ومِن أشهَرِ ما احتَجَّ به هؤلاءِ مِنْ الأحادِيثِ ما رواهُ الزُّهريُّ عن عُروةَ عن عائِشةَ قالَتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «أيُّما امرأةٍ نكَحَتْ بغَيرِ إذنِ وَليِّها فنِكاحُها باطِلٌ -ثَلاثَ مرَّاتٍ-، وإِن دخَلَ بها فالمَهرُ لها بِما أصابَ مِنها، فإنْ اشتَجَرُوا فالسُّلطانُ وَليُّ مَنْ لا وَليَّ له» خرَّجَه التِّرمذيُّ وقالَ فيهِ: حَديثٌ حسَنٌ.
وأمَّا ما احتَجَّ به مَنْ لم يَشترطِ الوِلايةَ مِنْ الكِتابِ والسُّنةِ فقولُه تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، قالُوا: وهذا دَليلٌ على جَوازِ تصرُّفِها في العَقدِ على نَفسِها.
قالوا: وقد أضافَ إليهنَّ في غيرِ ما آيةٍ مِنْ الكِتابِ الفِعلَ فقالَ: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقالَ: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
وأمَّا مِنْ السُّنةِ فاحتَجُّوا بحَديثِ ابنِ عبَّاسٍ المُتفَقِ على صحَّتِه، وهوَ قولُه عليه الصلاة والسلام: «الأيِّمُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها، والبِكرُ تُستأْمَرُ في نَفسِها، وإِذنُها صُماتُها»، وبهذا الحَديثِ احتَجَّ داودُ في الفَرقِ عندَه بينَ الثيِّبِ والبِكرِ في هذا المعنَى، فهذا مَشهورُ ما احتَجَّ به الفَريقانِ مِنْ السَّماعِ.
فأمَّا قولُه تعالَى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فليسَ فيه أكثَرُ مِنْ نهيِ قَرابةِ المرأةِ وعصَبتِها مِنْ أنْ يَمنعُوها النكاحَ، وليسَ نهيُهم عن العَضلِ ممَّا يُفهَمُ منه اشتِراطُ إذنِهم في صحَّةِ العَقدِ، لا حَقيقةً ولا مَجازًا، أعني بوَجهٍ مِنْ وُجوهِ أدلَّةِ الخِطابِ الظَّاهرةِ أو النَّصِّ، بل قد يُمكِنُ أنْ يُفهَمَ منه ضِدُّ هذا، وهو أنَّ الأولياءَ ليسَ لهم سَبيلٌ على مَنْ يَلُونَهم.
وكذلكَ قولُه تعالَى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] هو أنْ يكونَ خِطابًا لأُولِي الأمرِ مِنْ المُسلمينَ أو لجَميعِ المُسلمينَ أَحرَى منه أنْ يَكونَ خِطابًا للأولياءِ، وبالجُملةِ فهو مُتردِّدٌ بينَ أنْ يكونَ خِطابًا للأولياءِ أو لأُولِي الأمرِ، فمَن احتَجَّ بهذهِ الآيةِ فعليهِ البيانُ أنه أظهَرُ في خِطابِ الأولياءِ منه في أُولِي الأمرِ.
فإنْ قيلَ: إنَّ هذا عامٌّ، والعامُّ يَشملُ ذَوِي الأمرِ والأولياءَ.
قيلَ: إنَّ هذا الخِطابَ إنما هو خِطابٌ بالمَنعِ، والمَنعُ بالشَّرعِ، فيَستوِي فيه الأولياءُ وغيرُهم، وكونُ الوليِّ مأمورًا بالمنعِ بالشَّرعِ لا يُوجِبُ له وِلايةً خاصَّةً في الإذنِ، أصلُه الأجنَبيُّ، ولو قُلنا: إنه خِطابٌ للأولياءِ يُوجِبُ اشتِراطَ إذنِهم في صحَّةِ النكاحِ لَكانَ مُجمَلًا لا يَصحُّ به عَملٌ؛ لأنه ليسَ فيهِ ذِكرُ أصنافِ الأولياءِ ولا صِفاتِهم ولا مَراتبِهم، والبَيانُ لا يَجوزُ تأخيرُه عن وَقتِ الحاجَةِ، ولو كانَ في هذا كلِّه شَرعٌ مَعروفٌ لنُقِلَ تَواترًا أو قَريبًا مِنْ التَّواتُرِ؛ لأنَّ هذا مما تَعمُّ به البَلوى، ومَعلومٌ أنه كانَ في المَدينةِ مَنْ لا وَليَّ
له، ولم يُنقَلْ عنه ﷺ أنه كانَ يَعقدُ أنكِحَتَهم، ولا يُنصِّبُ لذلكَ مَنْ يَعقدِها، وأيضًا فإنَّ المَقصودَ مِنْ الآيةَ ليسَ هو حُكمَ الولايةِ، وإنما المَقصودُ منها تَحريمُ نكاحِ المُشركينَ والمُشركاتِ، وهذا ظاهِرٌ واللهُ أعلَمُ.
وأمَّا حَديثُ عائِشةَ فهو حَديثٌ مُختلَفٌ في وُجوبِ العَملِ به، والأظهَرُ أنَّ ما لا يُتفَقُ على صحَّتِه أنه ليسَ يجبُ العملُ به.
وأيضًا فإنْ سلَّمْنا صحَّةَ الحديثِ فليسَ فيهِ إلَّا اشتِراطُ إذنِ الوليِّ لمَن لها وَليٌّ، أعنَي المولى عليها، وإنْ سلَّمْنا أنه عامٌّ في كلِّ امرأةٍ فليسَ فيه أنَّ المرأةَ لا تَعقدُ على نَفسِها، أعني أنْ لا تَكونَ هي التي تَلِي العقدَ، بل الأظهَرُ منه أنه إذا أَذِنَ الوليُّ لها جازَ أنْ تَعقدَ على نَفسِها دونَ أنْ تَشترطَ في صحَّةِ النكاحِ إشهادَ الوليِّ معَها.
وأمَّا ما احتَجَّ به الفَريقُ الآخَرُ مِنْ قولِه تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، فإنَّ المَفهومَ منه النهيُ عنِ التَّثريبِ عليهنَّ فيما استَبدَدْنَ بفِعلِه دونَ أوليائِهنَّ، وليسَ هاهُنا شيءٌ يُمكِنُ أنْ تَستبِدَّ به المرأةُ دونَ الوليِّ إلَّا عقْدَ النكاحِ، فظاهِرُ هذهِ الآيةِ -واللهُ أعلَمُ- أنَّ لها أنْ تَعقدَ النكاحَ، وللأولياءِ الفَسخُ إذا لم يَكنْ بالمَعروفِ، وهو الظاهِرُ مِنْ الشَّرعِ، إلَّا أنَّ هذا لم يَقلْ به أحَدٌ، وأنْ يُحتَجَّ ببَعضِ ظاهِرِ الآيةِ على رَأيِهم ولا يُحتَجَّ ببَعضِها فيه ضَعفٌ.
وأمَّا إضافةُ النكاحِ إليهنَّ فليسَ فيه دَليلٌ على اختِصاصِهنَّ بالعَقدِ،
لكنَّ الأصلَ هو الاختِصاصُ، إلَّا أنْ يَقومَ الدَّليلُ على خِلافِ ذلكَ.
وأمَّا حديثُ ابنِ عبَّاسٍ فهو لَعَمرِي ظاهِرٌ في الفَرقِ بينَ الثيِّبِ والبِكرِ؛ لأنه إذا كانَ كُلُّ واحدٍ منهُما يُستأذَنُ ويتولَّى العقدَ عليهِما الوليُّ فبِماذا -ليتَ شِعرِي- تكونُ الأيِّمُ أحَقَّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها، وحَديثُ الزُّهريِّ هو أنْ يكونَ مُوافِقًا هذا الحديثَ أَحرَى مِنْ أنْ يكونَ مُعارِضًا له، ويُحتمَلُ أنْ تكونَ التفرِقةُ بينَهُما في السُّكوتِ والنُّطقِ فقط، ويَكونَ السُّكوتُ كافِيًا في العَقدِ، والاحتِجاجُ بقولِه تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤] هو أظهَرُ في أنَّ المرأةَ تَلِي العقدَ مِنْ الاحتِجاجِ بقولِه: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] على أنَّ الوليَّ هو الذي يَلي العقدَ.
وقد ضعَّفَتِ الحَنفيةُ حَديثَ عائِشةَ؛ وذلكَ أنه حَديثٌ رواهُ جَماعةٌ عن ابنِ جُريجٍ عنِ الزُّهريِّ، وحكَى ابنُ عُليةَ عن ابنِ جُريجٍ أنه سألَ الزُّهريَّ عنه فلمْ يَعرفْه، قالوا: والدَّليلُ على ذلكَ أنَّ الزُّهريَّ لم يَكنْ يَشترطُ الوِلايةَ، ولا الوِلايةُ مِنْ مَذهبِ عائشةَ.
وقد احتَجُّوا أيضًا بحَديثِ ابنِ عبَّاسٍ أنه قالَ: «لا نِكاحَ إلَّا بوَليٍّ وشاهِدَي عَدلٍ»، ولكنَّه مُختلَفٌ في رَفعِه.
وكذلكَ اختَلفوا أيضًا في صحَّةِ الحديثِ الوارِدِ في نكاحِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام أمَّ سَلمةَ وأمرِه لابنِها أنْ يُنكحَها إياهُ.
وأمَّا احتِجاجُ الفريقَينِ مِنْ جِهةِ المَعاني فمُحتمَلٌ، وذلكَ أنه يُمكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الرُّشدَ إذا وُجدَ في المرأةِ اكتُفيَ به في عَقدِ النكاحِ كما يُكتفَى به في التصرُّفِ في المالِ، ويُشبِهُ أنْ يقالَ: إنَّ المرأةَ مائِلةٌ بالطَّبعِ إلى الرِّجالِ أكثَرَ مِنْ مَيلِها إلى تَبذيرِ الأموالِ، فاحتَاطَ الشَّرعُ بأنْ جعَلَها مَحجوزةً في هذا المعنَى على التأبيدِ، مع أنَّ ما يَلحقُها مِنْ العارِ في إلقاءِ نَفسِها في غيرِ مَوضعِ كَفاءةٍ يَتطرُّقُ إلى أوليائِها، لكنْ يكفِي في ذلكَ أنْ يكونَ للأولياءِ الفسخُ أو الحِسبةُ.
والمَسألةُ مُحتمَلةٌ كما تَرَى، ولكنَّ الذي يَغلبُ على الظنِّ أنه لو قصَدَ الشارِعُ اشتِراطَ الوِلايةِ لَبيَّنَ جنسَ الأولياءِ وأصنافَهم ومَراتبَهم، فإنَّ تأخُّرَ البيانِ عن وَقتِ الحاجةِ لا يَجوزُ، فإذا كانَ لا يَجوزُ عليهِ عليه الصلاة والسلام تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ، وكانَ عُمومُ البلوَى في هذهِ المَسألةِ يَقتضِي أنْ يُنقلَ اشتِراطُ الولايةِ عنه ﷺ تَواترًا أو قَريبًا مِنْ التواتُرِ ثمَّ لم يُنقلْ، فقد يَجبُ أنْ يُعتقدَ أحَدُ أمرَينِ:
إمَّا أنه ليسَتِ الوِلايةُ شَرطًا في صحَّةِ النكاحِ، وإنَّما للأولياءِ الحِسبةُ في ذلكَ.
وإمَّا إنْ كانَ شَرطًا فليسَ مِنْ صحَّتِها تَمييزُ صِفاتِ الوليِّ وأصنافِهم ومَراتبِهم، ولذلكَ يَضعُفُ قَولُ مَنْ يُبطِلُ عقْدَ الوليِّ الأبعَدِ مع وُجودِ الأقرَبِ (١).
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٦، ٩).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل ركن النكاح
فَرْضٌ أَوْ وَاجِبٌ عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ احْتَجَّ بِالْأَوَامِرِ الْوَارِدَةِ فِي بَابِ النِّكَاحِ وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لِلْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ قَطْعًا، وَالنِّكَاحُ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ النَّاسِ لَوْ تَرَكَهُ لَا يَأْثَمُ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ عَلَى طَرِيقِ الْكِفَايَةِ، فَأَشْبَهَ الْجِهَادَ، وَصَلَاةَ الْجِنَازَةِ، وَرَدَّ السَّلَامِ.
ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.