الشرط السادس: العدالة

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > الشرط السادس: العدالة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

الشرط السادس: العدالة - الأقوال والأدلة

وِلايةُ المُرتدِّ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المرتَدَّ لا وِلايةَ له مُطلَقًا، لا على مُسلِمةٍ ولا مُرتدَّةٍ ولا غيرِهما؛ لأنه لا يَرثُ أحدًا، ولأنه لا وِلايةَ له على نَفسِه، حتَّى لا يَجوزُ نكاحُه أحدًا لا مُسلمًا ولا كافِرًا ولا مُرتدًّا مِثلَه، فلا يكونُ له ولايةٌ على غيرِه (١).

الشَّرطُ السادِسُ: العَدالةُ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الوليِّ، هل يُشترطُ فيهِ أنْ يكونَ عَدلًا؟ أم تَصحُّ وِلايةُ الفاسِقِ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه لا تُشترطُ عَدالةُ الوليِّ، فيَجوزُ للفاسِقِ أنْ يزوِّجَ ابنتَهُ.

قالَ الحَنفيةُ: العَدالةُ ليسَتْ بشَرطٍ لثُبوتِ الولايةِ، وللفاسِقِ أنْ يزوِّجَ ابنَه وابنتَه الصَّغيرَينِ؛ لعُمومِ قولِه تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وقولِه : «زوِّجُوا بَناتِكُم الأكْفَاءَ» مِنْ غيرِ فَصلٍ، ولإجماعِ

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٣٩)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ٢٨٤)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٥٠٦)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٨٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٠)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٧٠، ٥٧١)، و «أسنى المطالب» (٣/ ١٣٢)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٩٢)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٦١)، و «المغني» (٧/ ٢١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٣٤)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٥٢).

الأمَّةِ أيضًا؛ فإنَّ الناسَ عن آخِرِهم عامَّهم وخاصَّهم مِنْ لَدُنْ رَسولِ اللهِ إلى يومِنا هذا يزوِّجونَ بناتِهم مِنْ غيرِ نَكيرٍ مِنْ أحَدٍ، خُصوصًا الأعرابُ والأكرادُ والأتراكُ، ولأنَّ هذهِ ولايةُ نَظرٍ، والفِسقُ لا يَقدحُ في القُدرةِ على تَحصيلِ النظرِ ولا في الدَّاعِي إليهِ وهو الشَّفقةُ، وكذا لا يَقدحُ في الوِراثةِ، فلا يَقدحُ في الوِلايةِ كالعَدلِ.

ولأنَّ الفاسِقَ مِنْ أهلِ الوِلايةِ على نَفسِه، فيكونُ مِنْ أهلِ الوِلايةِ على غيرِه كالعَدلِ، ولهذا قَبِلْنا شَهادتَه، ولأنه مِنْ أهلِ أحَدِ نَوعَي الولايةِ، وهو ولايةُ المِلكِ، حتَّى يزوِّجُ أمَتَه، فيكونُ مِنْ أهلِ النوعِ الآخَرِ (١).

وقالَ المالِكيةُ في المَشهورِ: الفِسقُ لا يَسلبُ الوِلايةَ ولا يُزيلُ ولايتَه، فلا تَنتقلُ الولايةُ عنهُ للأبعَدِ؛ إذِ الفِسقُ لا يَسلبُ الولايةَ على الأرجَحِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ فعَمَّ، ولأنه عصَبةٌ حُرٌّ مُسلمٌ عاقِلٌ بالغٌ، ولأنه ملَكَ أنْ يزوِّجَ نفْسَه، فجازَ أنْ يكونَ وليًّا في عَقدِ النكاحِ كالعَدلِ، ولأنَّ الفِسقَ لا يُؤثِّرُ في المَقصودِ بوِلايةِ النكاحِ، فلمْ يَكنْ مانِعًا منها.

إلَّا أنَّ الفسقَ يَسلبُ كَمالَ الولايةِ، فإذا كانَ مع الفاسِقِ عَدلٌ في درَجتِه فالعَدلُ أَولى بالتَّقديمِ مِنْ الفاسِقِ (٢).

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٣٩).
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٩٥، ٢٩٦) رقم (١١٢٩)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٥٠٤)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٨٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٨)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٦٧، ٥٦٨).

وذهَبَ الشَّافعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُشترطُ في الوليِّ أنْ يكونَ عَدلًا ولو ظاهِرًا، فلا وِلايةَ لفاسِقٍ غيرِ الإمامِ الأعظَمِ فتَصحُّ ولايتُه، أمَّا غيرُه فلا تَصحُّ؛ لقَولِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أيُّما امرأةٍ أنكَحَها وَليٌّ مَسخوطٌ عليهِ فنِكاحُها باطِلٌ» (١)، وقولِه: «لا نِكاحَ إلَّا بوَليٍّ مُرشِدٍ وشاهِدَيْ عَدلٍ» (٢)، والمُرشِدُ بمَعنى الرَّشيدِ، كالمُصلِحِ بمَعنى الصالحِ، والفاسقُ ليسَ برَشيدٍ، ولأنَّ الوِلايةَ مِنْ بابِ الكَرامةِ، والفِسقُ سَببُ الإهانةِ، ولهذا لم تُقبَلْ شهادتُه، ولأنه نَقصٌ يَمنعُ مِنْ الشهادةِ، فوجَبَ أنْ يَمنعَ مِنْ الولايةِ كالرِّقِّ، ولأنها وِلايةٌ يَمنعُ منها الرِّقُ، فوجَبَ أنْ يَمنعَ منها الفِسقُ كالولايةِ على المالِ، ولأنَّ مَنْ تولَّى عقْدَ النكاحِ في حَقِّ غيرِه منَعَ الفِسقُ مِنْ عَقدِه كالحاكمِ.

فإذا ثبَتَ أنَّ وِلايةَ الفاسِقِ في النكاحِ باطِلةٌ فالولايةُ تُنقَلُ عنه إلى مَنْ هو أبعَدُ منه، فإنْ زالَ فِسقُه عادَتِ الولايةُ إليهِ وانتقَلَتْ عمَّن هو أبعَدُ منه (٣).

(١) صَحيحٌ مَوقوفًا ضَعيفٌ مَرفوعًا: رواه الدارقطني (٣٥٢١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٣٤٩٤).
(٢) صَحيحٌ مَوقوفٌ على ابنِ عبَّاسٍ: رواه البيهقي (١٣٤٢٨)، والبغوي في «شرح السنة» (٢٢٦٤).
(٣) «الأم» (٧/ ٢٢٢)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٦٢) «البيان» (٩/ ١٧٠، ١٧١)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٧٠٣)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٩٠)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٥٦٠)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٦٠)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٦٠٨، ٦٠٩)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٢٧٦)، و «الديباج» (٣/ ٢٠٧).

لكنَّ أكثَرَ مُتأخِّري الشَّافعيةِ اختَارُوا القولَ بجَوازِ تَوليةِ الفاسِقِ، وأنه لا تُسلَبُ وِلايتُه، كما نَصَّ على ذلكَ النَّوويُّ في «الرَّوضة»، وحكَى عنِ الغَزاليِّ أنه استُفتيَ فيهِ فقالَ: إنْ كانَ بحيثُ إذا سلَبْناهُ الولايةَ لانتقَلَتْ إلى حاكِمٍ يَرتكبُ ما يُفسِّقُه وُلِّيَ، وإلَّا فلا.

قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وهذا الذي قالَهُ حسَنٌ، ويَنبغي أنْ يكونَ العملُ بهِ، واللهُ أعلَمُ، وبه أفتَى ابنُ الصَّلاحِ وقوَّاهُ السُّبكيُّ، وقالَ الأذرعيُّ: لي منذُ سِنينَ أُفتي بصحَّةِ تَزويجِ الوَليِّ الفاسِقِ.

واختارَهُ جَمعٌ مِنْ المُتأخِّرينَ إذا عَمَّ الفِسقُ.

وحُكيَ قَولٌ للشَّافعيِّ أنه يَنعقدُ بشَهادةِ فاسقَينِ؛ لأنَّ الفِسقَ إذا عَمَّ ناحِيةً وانقَطعَ النكاحُ انقَطعَ النَّسلُ المَقصودُ بقاؤُه، فكذا هذا، وكما جازَ أكلُ المَيتةِ للمُضطرِ لِبَقائِه فكذا هذا لبَقاءِ النَّسلِ.

وأمَّا الإمامُ الأعظَمُ فلا يَنعزلُ بالفِسقِ، فيزوِّجُ بَناتِه إنْ لم يكنْ لهنَّ وَليٌّ خاصٌّ، وبناتِ غيرِه بالولايةِ العامَّةِ وإنْ فسقَ؛ تَفخيمًا لشأنِه (١).

وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: يُشترطُ في الوَليِّ العَدالةُ ولو ظاهِرةً، إلَّا في سُلطانٍ فلا يُشترطُ في تَزويجِه بالولايةِ العامَّةِ مَنْ لا وَليَّ لها العَدالةُ؛ للحاجَةِ (٢).

(١) المصادر السابقة.
(٢) «المغني» (٧/ ١٧)، و «المبدع» (٧/ ٣٥)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٣٤، ١٣٥)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٥٧).

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: الشَّرطُ السادسُ: العَدالةُ: في كَونِها شَرطًا رِوايتانِ:

إحداهُما: هيَ شَرطٌ، قالَ أحمدُ: إذا كانَ القاضي مثلَ ابنِ الحلَبيِّ وابنِ الجَعديِّ استَقبلَ النكاحَ، فظاهِرُ هذا أنه أفسَدَ النكاحَ؛ لانتِفاءِ عَدالةِ المُتولِّي له، وهذا قَولُ الشافعيِّ؛ وذلك لِما رُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه قالَ:» لا نِكاحَ إلَّا بوَليٍّ مُرشِدٍ وشاهِدَي عَدلٍ»، قالَ أحمَدُ: أصَحُّ شيءٍ في هذا قَولُ ابنِ عبَّاسٍ، وقد رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ : «لا نِكاحَ إلَّا بوَليٍّ وشاهِدَي عَدلٍ، وأيُّما امرأةٍ أنكَحَها وَليٌّ مَسخوطٌ عليهِ فنِكاحُها باطِلٌ»، ورُويَ عن أبي بكرٍ البَرقانِيِّ بإسنادِه عن جابرٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ : «لا نِكاحَ إلا بوَليٍّ مُرشِدٍ وشاهِدَي عَدلٍ»، ولأنها وِلايةٌ نَظريةٌ، فلا يَستبدِئُها الفاسِقُ كولايةِ المالِ.

والرِّوايةُ الأُخرى: ليسَتْ بشَرطٍ، نقَلَ مُثنَّى بنُ جامِعٍ أنه سَألَ أحمدَ: إذا تزوَّجَ بوَليٍّ فاسِقٍ وشُهودٍ غيرِ عُدولٍ؟ فلم يَرَ أنه يَفسدُ مِنْ النكاحِ شَيءٌ، وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ؛ لأنه ذكَرَ الطِّفلَ والعبدَ والكافرَ ولم يَذكُرِ الفاسقَ، وهو قَولُ مالكٍ وأبي حَنيفةَ وأحَدُ قولَي الشافعيِّ؛ لأنه يَلِي نكاحَ نَفسِه، فتَثبتُ له الولايةُ على غيرِه كالعُدولِ، ولأنَّ سبَبَ الوِلايةِ القَرابةُ وشرْطَها النظرُ، وهذا قَريبٌ ناظِرٌ، فيَلِي كالعدلِ (١).

(١) «المغني» (٧/ ١٧)، و «المبدع» (٧/ ٣٥)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٣٤، ١٣٥)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٥٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
١١٠٨ - مسألة؛ قال: (ووكيل كل واحد من هؤلاء يقوم مقامه وإن كان حاضرا)

بالكُلِّيَةِ، فلم يَجُزْ، كاشْتِراطِ المُناسِبِ فى حَقِّ مَنْ لا مُناسِبَ لها. ورُوِىَ أنَّه لا يَجُوزُ النِّكاحُ إلَّا بِوَلِىٍّ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ فيه.

١١٠٨ - مسألة؛ قال: (وَوَكِيلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هؤُلَاءِ يَقُومُ مَقَامَهُ وَإنْ كَانَ حَاضِرًا)

وجملةُ ذلك أنَّه يجوزُ التَّوْكِيلُ فى النِّكاحِ، سواءٌ كان الوَلِىُّ حاضرًا أو غائبًا، مُجْبَرًا أو غيرَ مُجْبَرٍ؛ لأنَّه رُوِىَ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَكّلَ أبا رافِعٍ فى تَزْوِيجِه مَيْمُونةَ، ووَكّلَ عَمْرَو بن أمَيّةَ فى تَزْوِيجِه أُمَّ حَبِيبةَ . ولأنَّه عَقْدُ مُعَاوضةٍ، فجازَ التَّوْكِيلُ فيه كالبَيْعِ. ولأصْحابِ الشافعىِّ فى تَوْكِيلِ غيرِ الأبِ والجَدِّ وَجْهانِ؛ أحدهما، لا يجوزُ؛ لأنَّه يَلِى بالإِذْنِ، فلم يَجُزِ التَّوْكِيلُ له، كالوَكِيلِ. ولَنا، أنَّه يَلِى شَرْعًا، فكان له التَّوْكيلُ كالأبِ، ولا يَصِحُّ قولُهم: إنَّه يَلِى بالإِذْنِ. فإنَّ وِلايَتَه ثابتةٌ قبلَ إذْنِها، وإنما إذْنُها شَرْطٌ لصِحَّةِ تَصَرُّفِه، فأشْبَهَ وِلايةَ الحاكمِ عليها، ولا خِلافَ فى أَنَّ للحاكمِ أن يَسْتَنِيبَ فى التَّزْوِيج من غيرِ إذْنِ المرأةِ، ولأنَّ المرأةَ لا وِلايةَ لها على نَفْسِها، فكيف تُنِيبُ لنائِبِها من قِبَلِها!

فصل: ويجوزُ التوكيلُ مُطْلقًا ومُقَيَّدًا، فالمقيَّدُ التوكيلُ فى تزْوِيج رَجُلٍ بعَيْنِه. والمُطْلَق التَّوكيلُ فى تَزْوِيج مَنْ يَرْضاه أو مِن مَنْ شاءَ . قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، فى

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 402 - 406

ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 40%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده