الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > الصورة الأولى: أن يكون الزوج أصيلا من جانب نفسه في العقد ووليا من جانب الزوجة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 20 دقيقة قراءةالصُّورةُ الأُولى: أنْ يكونَ الزَّوجُ أصيلاً مِنْ جانِبِ نَفسِه في العقدِ ووليًّا مِنْ جانِبِ الزَّوجةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الزَّوجِ هل يُمكِنُ أنْ يَتولَّى طَرفيِ العقدِ، بأنْ يَكونَ أصيلًا عن نَفسِه في العقدِ ووَليًّا مِنْ جانبِ الزَّوجةِ، كابنِ العَمِّ إذا كانَ وَليًّا على بنتِ عمِّه الصَّغيرةِ وأرادَ تَزويجَها مِنْ نَفسِه، فهلْ يجوزُ له أنْ يَتولَّى طَرفيِ العَقدِ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ -ما عَدَا زُفرَ- والمالِكيةُ والشَّافعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يَجوزُ أنْ يَتولَّى طَرفيِ العَقدِ واحدٌ، مثلَ أنْ يكونَ الزَّوجُ أصيلًا عن نَفسِه ووليًّا، كابنِ العَمِّ إذا زوَّجَ بِنتَ عمِّه -أي بنتَ عمِّه الصغيرةَ بغيرِ إذنِها، والبالِغةَ بإذنِها- مِنْ نَفسِه، صُورتُه أنْ يقولَ: «اشهَدُوا أني زوَّجتُ بنتَ عمِّي فُلانةَ بنتَ فُلانٍ بنِ فُلانٍ مِنْ نَفسِي».
واستَدلُّوا على ذلكَ بما رواه البُخاريُّ في «صَحيحِه»: بابٌ: إذا كانَ الوليُّ هو الخاطِبَ: وخطَبَ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ امرأةً هو أولَى الناسِ بها، فأمَرَ رجُلًا فزوَّجَهُ، وقالَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ لأمِّ حَكيمٍ بنتِ قارِظٍ: أتَجعَلينَ أمرَكِ إليَّ؟ قالَتْ: نعمْ، فقالَ: قد تزوَّجتُكِ، وقالَ عَطاءٌ: ليَشهِدْ أنِّي قد نَكحتُكِ أو لِيأمُرْ رَجلًا مِنْ عَشيرتِها (١)، وقالَ سَهلٌ: قالَتِ
(١) قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه في «تَغلِيق التَّعلِيقِ» (٤/ ٤١٦، ٤١٧): أمَّا حَديثُ المُغيرةِ فقالَ البَيهقيُّ في الخِلافيَّاتِ: أنَا أبو عبدُ اللهِ الحافِظُ أنَا أبو الوَليدِ ثَنَا مُحمدُ بنُ أحمدَ بنِ زهيرٍ ثَنَا عبدُ اللهِ بنُ هاشمٍ ثَنَا وَكيعٌ عن سُفيانَ عن عبدِ الملكِ بنِ عُميرٍ «أنَّ المُغيرةَ أرادَ أنْ يَتزوَّجَ امرأةً وهو وليُّها، فجعَلَ أمْرَها إلى رَجلٍ المُغيرةُ أَولى منه فزوَّجَه».
ورواهُ عبدُ الرزَّاقِ في «مصنفه» عنِ الثَّوريِ عن عبدِ المَلكِ بنِ عُميرٍ قالَ: «أرادَ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ أنْ يتزوَّجَ امرأةً هو أقرَبُ إليها مِنْ الذي أرادَ أنْ يزوِّجَها إياهُ، فأمَرَ غيرَه أبعدَ منهُ فزوَّجَها إياه».
وأمَّا حديثُ عبدِ الرَّحمنِ فقالَ ابنُ سَعدٍ في «الطَّبَقات الكَبير» أنَا مُحمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ أبي فديكٍ عنِ ابنِ أبي ذئبٍ عن سَعيد بنِ خالدٍ وقارظِ بنِ شَيبةَ «أنَّ أمَّ حكيمٍ بنتَ قارظٍ قالَتْ لعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ أنه قد خَطَبني غيرُ واحدٍ فزوِّجْنِي أيَّهم رأيْتَ، قالَ: وتَجعَلينَ ذلكَ إليَّ؟ فقالتْ: نعمْ، فقالَ: قد تزوَّجتُكِ». قالَ ابنُ أبي ذئبٍ: فجازَ نِكاحُه.
وأمَّا قولُ عطاءٍ فقالَ ابنُ أبي خَيثمةَ في تاريخِه: ثَنَا أبي ثَنَا سُفيانَ عن عَمروٍ عن عَطاءٍ به.
وقالَ عبدُ الرزَّاقِ في «مصنفه»: عنِ ابنِ جُريجٍ قالَ: قلتُ لعطاءٍ: امرأةٌ نكَحَتْ رَجلًا بغيرِ إذنِ الوُلاةِ وهمْ حاضرُونَ فبَنَا بها؟ قالَ: وأشهَدَتْ؟ قلتُ: نعمْ، قالَ: أمَّا امرأةٌ مالِكةٌ لأمرِها إذا كانَ شُهداءُ فإنه جائزٌ دونُ الولاةِ، ولو أنكَحَها الوليُّ كانَ أحَبَّ إليَّ، ونِكاحُها جائزٌ.
وعنِ ابنِ جُريجٍ قالَ: قلتُ لعطاءٍ: امرأةٌ خطَبَها ابنُ عَمٍّ لها لا رَجلَ لها غيرُه، قالَ: فلْتُشهِدْ أنَّ فُلانًا خطَبَها، وأنِّي أُشهِدُكم أنِّي قد نكَحْتُه، أو لتأمُرْ رَجلًا مِنْ عَشيرِتها.
وأما حَديثُ سَهلٍ فأسنَدَه المؤلِّفُ في مَواضعَ مِنْ النكاحِ وغيرِه.
امرأةٌ للنبيِّ ﷺ: أهَبُ لكَ نَفسِي، فقالَ رَجلٌ: يا رَسولَ اللهِ إنْ لم تَكنْ لكَ بها حاجَةٌ فزَوِّجنِيها.
٤٨٣٨ - حدَّثَنا ابنُ سلامٍ أخبَرَنا أبو مُعاويةَ حدَّثَنا هِشامٌ عن أبيه عن عائِشةَ رضي الله عنها في قَولِه: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾
[النساء: ١٢٧] إلى آخرِ الآيةِ قالَتْ: «هي اليَتيمةُ تكونُ في حَجرِ الرَّجلِ قد شَركَتْه في مالِه فيَرغَبُ عنها أنْ يَتزوَّجَها ويَكرهُ أنْ يُزوِّجَها غيْرَه فيَدخلَ عليه في مالهِ فيَحبِسُها، فنَهاهُم اللهُ عن ذلكَ».
أي مَنعهنَّ مِنْ التَّزويجِ مِنْ أجلِ أنهم لا يُقسِطونَ في صَدُقاتِهنَّ، وجعَلَ لهم أنْ ينكحُوهنَّ مِنْ أنفسِهنَّ إذا عَدَلوا في صَدُقاتِهنَّ.
ووَجهُ الاستِدلالِ بالآيةِ الكَريمةِ أنَّ قولَه تَعالى: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] خرَجَ مَخرجَ العِتابِ، فيَدلُّ على أنَّ الوليَّ يَقومُ بنِكاحِ وَليَّته وحْدَه، إذْ لو لم يَقُمْ وحْدَه به لم يكُنْ للعِتابِ معنًى؛ لِمَا فيه مِنْ إلحاقِ العِتابِ بأمرٍ لا يتحقَّقُ.
فاللهُ ﷾ لمَّا عاتَبَ الأولياءَ في تَزويجِ مَنْ كانَتْ مِنْ أهلِ المالِ والجَمالِ بدُونِ سُنَّتِها مِنْ الصَّداقِ، وعاتَبَهم على تَركِ تَزويجِ مَنْ كانَتْ قَليلةَ المالِ والجَمالِ دَلَّ على أنَّ الوليَّ يَصحُّ منه تَزويجُها مِنْ نَفسِه؛ إذ لا يُعاتَبُ أحَدٌ على تَركِ ما هو حَرامٌ عليهِ، ودَلَّ ذلكَ أيضًا على أنه يَتزوَّجُها ولو كانَتْ صَغيرةً؛ لأنه أمَرَ أنْ يُقسِطَ لها في الصَّداقِ، ولو كانَتْ بالغًا لَمَا مُنِعَ أنْ يَتزوَّجَها بما تَراضَيَا عليهِ، فعُلِمَ أنَّ المُرادَ مَنْ لا أمْرَ لها في نَفسِها.
وقولُه تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ أمَرَ ﷾ بالإنكاحِ مُطلقًا مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ الإنكاحِ مِنْ غيرِه أو مِنْ نَفسِه.
ولأنَّ الوكيلَ في بابِ النكاحِ ليسَ بعاقِدٍ، بل هو سَفيرٌ عن العاقِدِ ومُعبِّرٌ
عنه؛ بدَليلِ أنَّ حُقوقَ النكاحِ والعَقدِ لا تَرجعُ إلى الوَكيلِ، وإذا كانَ مُعبِّرًا عنه وله وِلايةٌ على الزَّوجينِ فكانَتْ عِبارتُه كعِبارةِ المُوكِّلِ، فصارَ كَلامُه ككَلامِ شَخصينِ، فيُعتبَرُ إيجابُه كَلامًا للمَرأةِ كأنها قالَتْ: «زوَّجتُ نفْسِي مِنْ فُلانٍ»، وقَبولُه كَلامًا للزَّوجِ كأنه قالَ: «قَبلْتُ»، فيَقومُ العَقدُ باثنَينِ حُكمًا، والثابِتُ بالحُكمِ مُلحَقٌ بالثابتِ حَقيقةً.
ولأنَّ الفُقهاءَ لا يَختلِفونَ أنه يَجوزُ أنْ يهَبَ لمَن له وِلايةٌ عليها ويكونُ هو العاقِدَ والقابِضَ، وكذلكَ النكاحُ، أَلَا تَرَى أنَّ النبيَّ ﷺ زوَّجَ المرأةَ مِنْ الرَّجلِ بما مَعهُ مِنْ القُرآنِ، فكذلكَ كانَ له أنْ يُزوِّجَها مِنْ نفْسِه لو قَبِلَها كما فعَلَ في خبَرِ صَفيةَ حينَ جعَلَ عِتقَها صَداقَها، وكذلكَ فعَلَ في أمرِ جُوَيريةَ قضَى كِتابتَها وتزوَّجَها كما فعَلَ في حَديثِ صَفيةَ سَواءً، فهذا رسولُ اللهِ ﷺ زوَّجَ مَولاتَه مِنْ نَفسِه، وهو الحجَّةُ على مَنْ سِواهُ.
ولأنه يَملكُ الإيجابَ والقَبولَ، فجازَ أنْ يَتولَّاهُما، كما لو زوَّجَ أمَتَه عبْدَه الصَّغيرَ، ولأنه عَقدٌ وُجدَ فيه الإيجابُ مِنْ وليٍّ ثابتِ الوِلايةِ والقَبولُ مِنْ زَوجٍ هو أهلٌ للقَبولِ، فصَحَّ كما لو وُجِدَا مِنْ رَجلينِ.
إلَّا أنَّ هَؤلاءِ اختَلفُوا أيضًا في هل يَفتقِرُ إلى ذِكرِ الإيجابِ والقَبولِ؟ أم يَكتفِي بمُجرَّدِ الإيجابِ؟ فيه قَولانِ:
أحَدُهما -وهو وَجهٌ للحَنابلةِ-: يَحتاجُ أنْ يقولَ: «زوَّجتُ نفسِي
فُلانةَ، وقَبلْتُ هذا النكاحَ»؛ لأنَّ ما يَفتقرُ إلى الإيجابِ يَفتقرُ إلى القَبولِ كسائرِ العُقودِ.
والثَّاني: يَكفيهِ أنْ يقولَ: «زوَّجتُ نفسِي فُلانةَ، أو تزوَّجْتُ فلانةَ»، ولا يُشترطُ أنْ يقولَ: «قَبلْتُ نِكاحَها لنَفسِي»، وهو قولُ مالِكٍ وأبي حَنيفةَ والحَنابلةِ في أصَحِّ الوَجهينِ؛ لحَديثِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ، ولأنَّ إيجابَه يَتضمَّنُ القَبولَ، فأشبَهَ إذا تقدَّمَ الاستِدعاءُ، ولهذا قُلنَا: إذا قالَ لأمَتِه: «قد أَعتقْتُكِ وجَعلْتُ عِتقَكِ صَداقكِ» يَنعقدُ النكاحُ بمُجرَّدِ هذا القَولِ (١).
وذهَبَ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ اختارَها الخِرقيُّ وابنُ أبي مُوسَى وأبو حَفصٍ البَرمكيُّ والقاضي والشَّريفُ وأبو الخطَّابِ ونَصَّ عليها أحمَدُ في
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٣١، ٢٣٢)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١٣٢)، و «الاختيار» (٣/ ١٢٢)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٤٦)، و «عمدة القاري» (٢٠/ ١٢٤، ١٢٥)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٢٤٥، ٢٤٦)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣١٠، ٣١١) رقم (١١٤٦)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٤٠٧)، و «تفسير القرطبي» (٥/ ١٥)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٧٤)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٩٠، ١٩١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٣)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٧٣)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ٤٨٠)، و «المغني» (٧/ ١٩، ٢٠)، و «الكافي» (٣/ ٢٠)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٢٩، ٣٣٠)، و «المبدع» (٧/ ٤٣)، و «الإنصاف» (٨/ ٩٦، ٩٧)، و «كشاف القناع» (٥/ ٦٦/ ٧٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٤٤)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٧٦)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٦٣، ٥٦٤)، و «فتح الباري» (٩/ ١٨٩).
رِواية ثَمانيةٍ مِنْ أصحابِه إلى أنه لا يَجوزُ أنْ يَتولَّى طَرفيِ العَقدِ، ولكنْ يُوكِّلُ رَجلًا يزوِّجُه إياها بإذنِها.
قالَ أحمَدُ رحمة الله عليه في رِوايةِ ابن مَنصورٍ: لا يزوِّجُ نفْسَه حتى يُولِّيَ رَجلًا، على حَديثِ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ «أنه أرادَ أنْ يَتزوَّجَ امرأةً هو أقرَبُ إليها مِنْ الَّذي أرادَ أنْ يزوِّجَها إيَّاه، فأمَرَ غيرَه أبعَدَ منه فزوَّجَها إياهُ» (١). ولأنَّه عقدٌ ملَكَه بالإذنِ، فلمْ يَجُزْ أنْ يَتولَّى طَرفَيه كالبيعِ، وبهذا فارَقَ ما إذا زوَّجَ أمَتَه عبْدَه الصَّغيرَ، وعلى هذهِ الرِّوايةِ: إنْ وكَّلَ مَنْ يَقبلُ له العَقدُ وتولَّى هو الإيجابَ جازَ (٢).
وذهَبَ الشَّافعيةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَجوزُ أنْ يَتولَّى ابنُ العَمِّ ولا غيرُه طَرفيِ عقدِ النكاحِ، ولا يَجوزُ ذلكَ إلَّا للجَدِّ، فلا يُزوِّجُ ابنُ العَمِّ نفْسَه، بل يزوِّجُه ابنُ عَمٍّ له شَقيقٌ أو لأبٍ في دَرجتِه بأنْ كانَ مُساوِيًا له فيها، فإذا كانَ ابنُ العَمِّ شَقيقًا وله ابنَا عَمٍّ أحَدُهما شَقيقٌ والآخَرُ لأبٍ زوَّجَها منه الأولُ، هذا إنْ وُجِدَ.
فإنْ فُقِدَ مَنْ في دَرجتِه حِسًّا أو حُكمًا كأنْ كانَ ابنَ عَمٍّ شَقيقًا ومعهُ آخَرُ لأبٍ فقاضِي بَلدِها لا قاضِي بَلدِه يُزوِّجُه في الأصَحِّ بالوِلايةِ العامَّةِ، ولا
(١) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٣١٢٧)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٧٤٨٨).
(٢) «المغني» (٧/ ١٩، ٢٠)، و «الكافي» (٣/ ٢٠)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٢٩، ٣٣٠)، و «المبدع» (٧/ ٤٣)، و «كشاف القناع» (٥/ ٦٦، ٧٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٤٤)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٧٦)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٦٣، ٥٦٤).
تَنتقلُ الوِلايةُ للأبعَدِ، ولو قالَتْ لابنِ عَمِّها أو لمُعتِقِها: «زوِّجنِي مِنْ نَفسِكَ» زوَّجَه القاضي بهذا الإذنِ، لا إنْ قالَتْ: «زوِّجني مَنْ شِئتَ، أو زوِّجنِي».
وقيلَ: تَنتقلُ الوِلايةُ للأبعَدِ، فلا يُزوِّجُه القاضي.
واستَدلُّوا على ذلكَ بما رُويَ مَوقوفًا ومَرفوعًا: «لا نِكاحَ إلَّا بأربَعةٍ: بخاطِبٍ ووَليٍّ وشاهدَينِ»، وعن عائِشةَ بلَفظِ: «لا بُدَّ في النّكاحِ مِنْ أربَعةٍ: الوليِّ والزَّوجِ والشاهدَينِ» (١) (٢).
وقالَ زُفَرُ رحمة الله عليه: لا يَنعقدُ النكاحُ بعاقِدٍ واحدٍ أصلًا؛ لأنَّ رُكنَ النكاحِ اسمٌ لشَطرَينِ مُختلِفينِ، وهوَ الإيجابُ والقَبولُ، فلا يَقومانِ إلَّا بعاقدَينِ كشطَريِ البيعِ (٣).
(١) قالَ الحافظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه في «تَلخِيص الحَبيرِ» (٣/ ١٦٣): حديثُ: «لا نِكاحَ إلَّا بأرَبعةٍ: خاطِبٍ ووليٍّ وشاهدَينِ» رُويَ مَرفوعًا ومَوقوفًا، البيهقيُّ مِنْ حَديثِ أبي هُريرةَ مَرفوعًا، وفي إسنادِه المُغيرةُ بنُ مُوسى البَصريُّ، قالَ البخاريُّ: إنه مُنكَرُ الحَديثِ، ورواهُ الدَّارَقطنيُّ مِنْ حديثِ عائِشةَ بلَفظِ: «لا بُدَّ في النكاحِ مِنْ أربَعةٍ: الوليِّ والزوجِ والشاهدَينِ»، وفي إسنادِه أبو الخَصيبِ نافعُ بنُ مَيسرةَ مَجهولٌ، وأمَّا المَوقوفُ فرَواه البيهقيُّ في «الخِلافيَّات» عنِ ابنِ عبَّاسٍ وصحَّحَه، وهو عندَ ابن أبي شَيبةَ: نَا مُعاويةُ بنُ هشامٍ عن سُفيانَ عن أبي يَحيى عنِ الحَكمِ بنِ مثنَّى عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «أدنَى ما يكونُ في النكاحِ أربَعةٌ: الذي يُزوِّجُ، والذي يَتزوَّجُ، وشاهِدانِ».
(٢) «النجم الوهاج» (٧/ ١١٤، ١١٥)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٧٢، ٢٧٣)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٦٤٤)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٢٩٢)، و «الديباج» (٣/ ٢١٩).
(٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٣١).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل ركن النكاح
فَرْضٌ أَوْ وَاجِبٌ عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ احْتَجَّ بِالْأَوَامِرِ الْوَارِدَةِ فِي بَابِ النِّكَاحِ وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لِلْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ قَطْعًا، وَالنِّكَاحُ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ النَّاسِ لَوْ تَرَكَهُ لَا يَأْثَمُ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ عَلَى طَرِيقِ الْكِفَايَةِ، فَأَشْبَهَ الْجِهَادَ، وَصَلَاةَ الْجِنَازَةِ، وَرَدَّ السَّلَامِ.
ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.